﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (البقرة: 269).

 

هذا البيت الحرام بين يدي رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، وها هو يرى فيما يرى النائم- ورؤيا الأنبياء وحي مطاع مصدق- أنه يطوفُ بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، ويعتمر آمنًا مطمئنًا، وإذن فلا بد لهذه الرؤيا من تصديق، ولا بد من رحلةٍ إلى مكة المكرمة بعد أن طال بها العهد وشط عنها المزار.

 

وتقف نجائب رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وأصحابه على أبوابِ مكة عند الحديبية، وقد ساقوا الهدي وأهلوا بالعمرة، وتذهل قريش لهذا النبأ، فيأتمرون ويقسمون ألا يدخلها عليهم محمد وأصحابه عنوةً، ويُوفد إليهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عثمان بن عفان- رضي الله عنه-، ليفاوضهم في الأمر، وليعلمهم أنهم ما جاءوا فاتحين ولا محاربين، وإنما جاءوا لعمرة ونسك، ولا يحل لهم أن يصدوا أحدًا عن بيتِ الله، أو يحولوا بينه وبين ما يريد من طواف وسعي، فيحتجزه القوم فترةً، ويصل نبأ ذلك إلى الرسول- صلى الله عليه وسلم- فيسند ظهره إلى الشجرة، ويتنادى أصحابه إلى البيعة، بيعة الموت والفداء، واستخلاص الحق بالدماء، ويفزع ذلك قلوب المتجبرين في مكة، فيطلقون عثمان، ويوفدون الرسل إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- ليردوه عن قصده، ويتردد هؤلاء الرسل بين القوم والنبي- عليه الصلاة والسلام-.

 

وينتهي الأمر إلى اتفاق ظنته قريش انتصارًا، وظنه الكثير من المسلمين إجحافًا، وكاد يذهب الظن ببعضهم إلى أنه رضا بالدنية، ويعجبون كيف يرضاه رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، ووافق عليه، ويُسميه الله- تبارك وتعالى- فتحًا قريبًا ومغانم: ﴿ِلَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (19) وَعَدَكُمْ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (20) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (21)﴾ (الفتح).

 

وكان عمل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- هو الحكمة التي مَن يؤتها فقد أوتي خيرًا كثيرًا، وبعث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعثًا عليهم عمرو بن العاص، فطلبوا المدد، فأمدهم بأمين الأمة أبي عبيدة بن الجراح، وقدَّم أبو عبيدة على عمرو، وقد ظنَّ أنَّ النبي- صلى الله عليه وسلم- قد أمره إذ جعله مددًا، واستمسك عمرو بإمارته الأصيلة، وقال لصاحبه: إنما قدمت مددًا ولم تقدم أميرًا، وكان موقفًا اختلفت فيه الأنظار، ولكل وجهةٍ هو موليها، وكادت تكون فتنة لولا أن أبا عبيدة- رضي الله عنه- حسم الأمر، ووافق صاحبه، وأتمر بأمره، وكانت من أبي عبيدة حكمة من أوتيها فقد أوتي خيرًا كثيرًا.

 

وأرسل قيصر إلى معاوية والخلاف بينه وبين علي على أشده، يعرض عليه أن يمده بجيد وعدة، مظهرًا أن ذلك رعاية لجواره إياه، وتقدير لجميل التعامل فيما بينهما، وعربون لصداقة منتظرة، فكتب إليه معاوية يهدده بأنه إن فعل ذلك انضمَّ إلى صاحبه، وأقبل على قيصر يُجاهده بجيش، يكون أوله عنده وآخره عند علي، وكانت حكمة من معاوية رد بها عن الدولة الإسلامية الناشئة عادية التدخل الأجنبي ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة: من الآية 269).

 

وتشدد عمر ومعه طائفة من المسلمين في أمر خالد، وألحوا على أبي بكر- رضي الله عنه- أعلم الإلحاح أن يعزله ويُحاكمه ويؤاخذه، وأبو بكر أعرف الناس بخالد في كفايته وبلائه وفائدته وكريم جهاده ونادر موهبته، فلم يلن أمام هذه الشدة، وأجابهم بهذه الكلمة "لا أثلم سيفًا سله الله على الكافرين، عجزت النساء أن يلدن مثل خالد"، ومضى خالد مجاهدًا في سبيل الله، تطالعه البشرى ويقدمه النصر، وكانت حكمة من أبي بكر- رضي الله عنه- اعترف بها عمر نفسه حين قال: "رحم الله أبا بكر لقد كان أعرف بالرجال مني"، وحين قال هو نفسه لحاجب، وقد رآه يزجر نساء مخزوم عن البكاء، "دعهن يا أسلم، فما بكت البواكي مثل أبي سليمان"، أو في رواية "ما على نساء آل الوليد أن يسفحن على خالد دموعهن ما لم يكن نقعًا أو لقلقة".

 

وعزل عمر خالدًا وهو في أوج عظمته، وقد تعلقت بمحبته القلوب والأفئدة، ولفته المواقع والمعارك والبلدان، وعرفته الخيل والليل والبيداء، والبدو والحضر، وأمر أبو عبيدة أن يحاسبه ويشدد عليه الحساب، حتى إن بلالاً ليأخذ بتلابيبه ويطوقه بعمامته ويقوده بين يدي الأمير الجديد، وخالد يرى ذلك فيطيع ويبتسم، ويعود إلى الصف جنديًّا فدائيًّا، يؤدي واجبه بكامل الأمانة والإخلاص، لا يبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه، وكانت منه- رضي الله عنه- حكمة ما بعدها حكمة: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ (البقرة: 269).

 

واقرأ مثل ذلك الكثير من المواقف التي تغلبت فيها الحكمة العملية على الأهواء النظرية، فهل تهب علينا من هذه الذكريات نفحة قدسية يجتمع بها الشمل، ويستوي بها الصف، ونهتدي بها سواء السبيل؟. اللهم آمين.

---------------

* عضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين