الخبراء والمتخصصون

- النجاح الدراسي ليس دليلاً كافيًا على النبوغ

- المناهج الدراسية خاضعة لفلسفة عوراء بعيدة عن القيم

 

تحقيق: روضة عبد الحميد

مع أول أيام العام الدراسي الجديد تعلو أصوات الآباء بالتهديد والوعيد إن لم يحتل أبناؤهم مراكزَ متقدمة ويحصلوا على درجات مُشَرفة، وإلا..!!

 

وهنا تبدأ التهديدات بالطرد والضرب والحرمان من المصروف والمصيف، وتظهر لنا قائمةٌ طويلةٌ عريضةٌ سوداءُ المضمون ومرعِبةٌ للأبناء، تمثل مستقبلهم القاتم إذا لم يحققوا النتائج المرجوَّة، وطبعًا كل ما سبق دون مراعاةٍ لقدراتهم في أي مجالات تفوُّق أخرى أو اتجاهاتهم واحتياجاتهم العمرية من الترفيه واللعب.

 

وقبل كل امتحان تصفرُّ الوجوهُ، وتبيضُّ الشفاهُ، وترتعش الأطرافُ، وتتوه النظراتُ، وتمغص البطون من الرعب من عدم تحقيق المطلوب، ولكن ماذا يعني التفوق عند الآباء؟! وما التأثير السلبي للتركيز على التفوق الدراسي فقط وإهمال كل الجوانب الأخرى من التفوق على شخصية الأبناء؟! وما أنواع التفوق الأخرى غير الدراسي؟!

 

فيروز (فتاة عمرها 9 سنوات في الصف الرابع الابتدائي) تحتل دائمًا المراكز الأولى، يشهد الجميع بحسن خلقها اللافت وقدرتها على التعامل مع الآخرين وتسبق عمرها دون انطواء، رياضية ومتفوقة، والداها وعائلتها أساتذة جامعة أو مهندسون، والدتها تؤكد أنها لا تهدف على الإطلاق إلى الفوز في مسابقة الدرجات، ولكنَّ هدفَها الحقيقيَّ أن يستوعب الأبناء ما يتعلمونه؛ ولذلك فإنها لا تعاتبها مطلقًا على حرف رأته آخر فأجابت على أساسه، المهم أنها مدركة أنها رأته كذا بدل كذا، أي أنها تدرك الفرق بينهما.

 

وتؤكد الوالدة أن التفوق في رأيها أنواعٌ، وأهم هذه الأنواع- حتى يكون الإنسان ناجحًا- هو الذكاء الوجداني (الاجتماعي)، وهو نوعٌ من 6 أنواع للذكاء، وهو نوعٌ يمكن أن يتوفر لأي شخص حتى لو (دبلوم) ويصبح ناجحًا، وهو أن يُجيد فهم نفسه والآخرين وفهمَ الحوار وإدارتَه، وهو ما تسعى لأن يتفوق فيه أبناؤها، وأكدت أنها تهتم بالتفوق الرياضي وتكافئهم عليه، وكذلك حسن التصرف والمعاملة والصلاة وحفظ القرآن وتعلم الكمبيوتر واللغات التي ترى أنها مقصرةٌ فيها، رغم أنها تدرِّس لابنتها الفرنسية وهي غير مقررة عليها مدرسيًّا، لكنها ترى أن مَن تعلم لغة قوم ملكَهم.

 

في حين تذكر لنا أن لفيروز زميلةً تضربها أمُّها من أجل الدرجات وتصيبها رعشةٌ ورعبٌ قبل الامتحانات الشهرية دائمًا، ورغم هذا فهي غير متفوقة؟!

 

تضخيم الفشل

ونقارن هنا بين فيروز وطفلٍ في نفس عمرها ونفس الصف انتحر من الدور الرابع، وترك وراءَه رسالةً بخطه البريء يعتذر لأهله فيها عن أنه رسب بملحق في مادة الرياضيات، وخشِيَ أن يواجههم لتوقعه منهم العقابَ القاتلَ، ففضَّل أن تكون بيدِه لا بيدِ عمرو.

 

وتطالعنا الصحف بشاب في الثانوية العامة هدَّده أهله إن لم يكن من المتفوقين لَيكونن من الهالكين، أي إن مصيره الطرد، وما يعنيه الطرد من ضياع وذل، وفي يوم النتيجة عاد لهم بعد أن عرف أنه أصبح من الضائعين؛ لأنه لم يحقِّق المطلوبَ فسألوه عن نتيجته، فاستمهلهم لحظةً ثم سيعود ليخبرهم؛ فصعد لأعلى حيث غرفته ولكنه لم يعُد، فتعجَّبوا تأخرَه، وصعدوا له ليجدوه قد شنَق نفسَه في سقف حجرته، وأنهى بيده هو الآخر مصيرَه، ووضع حدًّا لإحساسه الدائم بالفشل والعجز والذل.

 

وأبٌ آخر طرد ابنَه لعدم تحقيقه النتائجَ المطلوبةَ وهو يغفل أنه بهذا يدفعه إلى الضياع، وتلميذٌ في الإعدادية ابن لأستاذة في الجامعة نقصَ درجتَين عن الدرجةِ النهائيةِ في مادة الرياضيات، فصمَّموا على أن يأخذ درسًا!!

 

ونذكر هنا مثلين لتفوق جارتين يلتصق جدار غرفتيهما، وهما في نفس العمر ونفس الفرقة الدراسية، ونفس الظروف الاجتماعية، أماني.. فتاةٌ رقيقةٌ ضعيفةُ القدرةِ على الحفظِ، ولكنْ لها قلبٌ صافٍ يفيض حنانًا على كل من يعاملها ويكسبه من أول وهلة، وتسعى لمساعدة الآخرين وتتطوع في أي عمل اجتماعي، وهي أم راعية لطفل معاق، ولكنها حسب مفهوم أهلها ومجتمعها فاشلةٌ أو ضعيفةٌ دراسيًّا، وأما منار فمتفوقةٌ دراسيًّا دائمًا الأولى، وفي الثانوية العامة حصلت منار على مجموع يقترب من المائة كما كان متوقعًا، ودخلت إحدى كليات القمة بكل ثقة وتقديرها امتياز دائمًا كعادتها، بينما كانت أماني تجر خيبةَ الأمل في الثانوية بمجموعها الذي فوق الخمسين بقليل، ودخلت كلية تشبه كلية الخدمة الاجتماعية؛ لتفيدها في العمل التطوعي الذي تعشقه وتتفوق فيه.

 

ولكن يبقى أن أذكر أن منار تتمنى أن تكون مكان أماني؛ لأنها ناجحة اجتماعية جدًّا، وهو ما لا تستطيع هي فعله، فأماني تكتسب الأصدقاء في خمس دقائق، بينما هي صداقتها معدودة؛ ورغم كل ما كابدته أماني من أزمات نفسية حادة أقل تأثيرها عليها هو احتراق غريب بالجلد غير مبرر طبيًّا بأي شكل سوى أنه نفسي نتيجة الضغط، ورغم كل ذلك إلا أن منار تتمنى تبادل الأدوار!!

 

شخصية غير متكاملة

ويرى الدكتور شحاتة محروس طه- أستاذ علم النفس التربوي بجامعة حلوان- أن مفهوم التفوق عند الآباء له مظاهر وسلوكيات سلبية يقترفها الآباء، فتزيد الفجوة بينهم وبين الأبناء، ولكنَّ المفهوم الحقيقي للتفوق يكون في ممارسة الحياة ككل، أما المتفوق في جزء فقط فيصبح غير متفوق، هو فقط تخصص في جزء وركَّز عليه كل طاقاته لا غير.

 

ومشكله الأهالي التركيز على الدرجات فقط، أما التفوق الخلقي والاجتماعي والفكري فكلها جوانبُ يغفلها الأهلُ تمامًا؛ فينشأ الابن مركِّزًا على الدرجات والتفوق الدراسي بأي ثمن، وتركيزه عليها أهم من العقيدة وممارسة الدين والحفاظ على القيم والمبادئ، فمثلاً قد يغش ليحققَ غايتَه، ويمكن أن يهمل الصلاةَ ليستثمرَ وقتَها في المذاكرة حسب مفهومه، وكل هذا يكون مفهومًا سيئًا يصل للأبناء.

 

وتأثير التركيز على جانب واحد من مجالات التفوق وهو الدراسة فقط إنه يُبقي الشخصيةَ غيرَ متكاملة، والتربية تصبح ناقصةً، ونجد الابن يتعامل بازدواجية المعايير؛ يتكلم عن الأمانة مثلاً لكنه لا يمارسها.. يذم الغش لكنه يستخدمه، فالقيم نفسها فيها خللٌ في عملية الممارسةِ نتيجة التركيز على جانب واحد.

 

علاقتنا بأبنائنا أهم

ويجب على الآباء الاهتمام بجوانب أخرى للتفوق، مثل التفوق الرياضي (النمو البدني والقوة الجسدية) والجانب الخلقي وممارسة الدين، والتفوق في العقيدة والمعاملات؛ أي يركز الآباء على التفوق بمفهومه الواسع بأنواعه؛ وذلك من خلال مكافأة الابن حين يتميز في خلق معين أو حفظ جزء من القرآن، فليس التشجيع والمكافأة على الدرجات فقط؛ بحيث يفهم الآباء التعليمَ بشكلٍ صحيحٍ؛ حتى لا تصبحَ الوظيفةُ الرئيسةُ مجردَ التفوقِ، وإنما يصبح الهدف من عملية التعليم العبادة والتقرب إلى الله وخدمة دينه ومجتمعه وأهله وتقدم العلم والبشرية بعلمه.

 

ويهتم الآباء بسردِ قصصِ العلماءِ ليقتدي الآباء بهم؛ ولا يصح بأي وجه من الأوجه أن يتم إجبارهم على المذاكرةِ حتى لا يكرهوها؛ ولا يجب اعتبار المذاكرة أهمَّ شيء في حياتهم، وحتى أجعلَه يحب قدر الإمكان الكتبَ والدراسةَ أطلب الأمور التي يجيدها منه والتي لا يجيدها أمارسها معه بأخذ جزئية صغيرة كل مرة؛ بحيث يسهل هضمها دون أن تكون دسمةً عليه فترهقه، ومن الظلم للأبناء أن نقارنهم بأقرانهم المتفوقين؛ لأننا نقارنه بجانب واحد فقط ونُشعره بالعجز والفشل والحسرة، فلا بد أن تكون الصورة أمامنا كاملةً حتى نكون عادلين.

 

ولا بد أن نكسب علاقتنا بالابن على حساب المذاكرة؛ لأن علاقتنا بأبنائنا أهم على المدى الطويل؛ لأننا من الممكن أن نخسر علاقتنا بهم لو ظللنا نحمل نفس الفكر، أي أننا يمكن خلال فترة الدراسة ككل بهذا الفكر أن نكسب موقفًا أو اثنين دراسيين.. ولكننا سنخسر الابن، ولكن لو كسبنا العلاقة مع الابن فسوف نكسب العلاقة ونكسب أنه سيستطيع المذاكرة ويتفوق أو على الأقل يهتم ويحاول وهو مدرك للهدف الرئيس.

 

المكانة

وتتفق الدكتورة سوسن عثمان- العميد السابق لمعهد الخدمة الاجتماعية- مع الدكتور شحاتة محروس في أن تلك التي تسميها عقدة التفوق عند الآباء خطرٌ جدًّا؛ لأنه ليس كل الحياة دراسة فقط؛ لعدة أسباب: أهمها أن هناك فروقًا فرديةً بين كل شخص وآخر، فنجد فردًا لديه القدرة على الفهم وآخر يقبل الموادَ العلميةَ أكثر من الأدبية، فهي مَلَكَةٌ، ودور الأب والأم أن يعوِّدا أبناءَهما على حب العلم بتهيئة الجو المناسب، وأن يجعلاهم يتعاملون مع معطيات العصر كالكمبيوتر، وأهم شيء أن يكون للإنسان شخصيةٌ متزنةٌ.

 

وتستطرد قائلهً: إن هناك عدةَ دراسات أكدت أن أوائلَ الثانوية العامة مثلاً حين دخلوا كلياتِ القمة فشلوا؛ لأن نظام الدراسة كان يعتمد على التلقين والحفظ حتى يحصلَ على أعلى الدرجات، فلا نجده مثلاً لو دخل (إعلام) أصبح صحفيًّا متميزًا أو تليفزيونيًّا لامعًا؛ لأنه يفتقد الملكةَ وليست عنده المهارات، ولم يدخل ما سوف تنبغ فيه قدراته، وكثيرًا ما نجد شابًّا دخل كلية الطب وآخر خدمة اجتماعية، رسب الأول أو حقَّق نجاحًا عاديًّا ونبغ الثاني وحقَّق مكانةً دوليةً وعالميةً أكثر ممن دخلوا الطب والهندسة؛ فالإنسان هو الذي يصنع المكانة.

 

فلسفة عوراء!!

ويرى الدكتور أحمد عبد الرحمن- الكاتب والمفكر وأستاذ علم الأخلاق- أن المناهج الدراسيةَ توضع في ضوءِ فلسفة التعليم، وهي باختصار "مهن وقيم"، ولا خلاف على أهمية المهن، ونحن جميعًا- علمانيون وإسلاميون- متفقون على ضرورة تعليم أبنائنا جميعَ العلوم بأقصى قدر ممكن، بل الجميع يطالب بمناهج تمكِّن من تعلُّم المهن بجميع التخصصات وتُنمِّي عندهم القدرة على الإبداع؛ ولكنَّ الخلاف هنا على القيم التي تحكم أداء المهن، فالعلمانيون يحتقرون القيم، ونجد على ظهر الكراسات المدرسية عبارة "إن مستقبل الأمة في العلم والتقنية" ولا ذكر للقيم!!

 

وهكذا يكون التعليم أعورَ، فإذا استثنينا قيمةً أو اثنتَين على الأكثر فلا جدوى منهما في تكوين الشخصية المرغوبة، فأين الإنسان الأمين الذي لا يخون والمستقيم الذي لا يغش والقنوع الذي لا يقبل بالرشوة؟! هذا كله مُغفَل عندهم، ويبقى التسامح الذي يردِّدونه كالببغاءاتِ، ونحن نعرفه جيدًا، ولكن ليس كما يعرِّفونه هم، فالتسامح عندهم يعني السلبية، أي لا تكره اليهود فهم حلفاؤنا كما قال أحمد سرور، ولا تغضب من الفحشاء التي تمطرنا بها وسائل الإعلام ولا تغضب حين يُسرق منك 140 مليارًا.

 

أما قيمه الوطنية فمعزولةٌ عن قيمة الأمة، فالوطن جزءٌ من الأمة العربية والإسلامية، ولكنهم يزرعون أن الوطن هو مصر فقط بمعزل عن باقي الأمة، ولا علاقة لنا بما يحدث في باقي الجسد!!

 

فالقيم في التعليم الراهن مهدرة؛ وهذا بسبب أن القيم أصلها إسلامي، وهم ضد كل ما هو إسلامي، وحتى لو ذكروها فإنهم لا يردونها لأصلها الإسلامي، فسياسة التعليم عندنا عوراء لا ترى القيم وترى المهن فقط، وحتى تلك الأخيرة فشلت فيها لأن القيم هي التي تضمن صحة تعليم المهنة، فهم أتلفوا التعليم من كل الجهات، وأصل ذلك هو عداؤهم المستقيم لكل ما يمت للإسلام بصلة.

 

والناتج النهائي من فلسفة التعليم القائمة شخصياتٌ عديمة الأخلاق، مهندسٌ غشاش, مديرُ بنك لص, صحفيٌّ كذابٌ ومنافقٌ ومُدلِّس, موظفٌ مرتشٍ، وحتى المدرس بيته به "منضرة" للدروس، فخلَق بشرًا لا يتحركون إلا بالرشوة، ولن يبرَعَ في هذا البلد إلا هؤلاء.