- الخبراء: المقاومة خسرت قائدًا وكسبت دعمًا شعبيًّا ومعنويًّا جارفًا

- جاد: الصهاينة رأوا في الرنتيسي أكثر القيادات دعمًا لمقاومتهم

- ياسين: اغتيال الرنتيسي قلب السحر على الساحر الصهيوني

 

تحقيق- علي عبد العال

كتب الراحل الدكتور عبد العزيز الرنتيسي بعد أن اغتال الكيان الصهيوني الدكتور إبراهيم المقادمة يقول: "فمن أهدافهم (الإسرائيليون) أنهم باغتيالهم هذا إنما أرادوا التخلص من رجل قوي الشكيمة، صلب المراس، قوي التأثير، يسعى إلى إعادة صياغة المجتمع وفق متطلبات الكرامة التي هي متطلبات العقيدة، رجل فكر يتناقض في فكره تناقضًا تامًّا مع أطماع اليهود في فلسطين، يعي ما يدور في تلافيف العقلية الصهيونية، ويدرك أبعاد المؤامرة التي تحاك في الدهاليز لتصفية القضية الفلسطينية والوجود الفلسطيني، ويعرف كيف توظف طاقات الشعب الفلسطيني، بل وطاقات الأمة من أجل معركة المصير، ويعرف أسباب القوة فيحض عليها، وأسباب الضعف فيحذِّر منها، وقَّاف عند حدود الثوابت التي لا تقبل المساومة"، وهكذا كان حال صاحب الكلمات الذي اغتاله الكيان الصهيوني في السابعَ عشرَ من أبريل 2004.

 

فلم تكن سياسة الاغتيالات جديدةً على دولة الكيان الصهيوني، فتاريخها السياسي يحمل قائمةً طويلةً من الاغتيالات، منذ دخول عصابات الشتات إلى الأراضي الفلسطينية حتى الآن، ولا تزال ذاكرة التاريخ تعي أسماء علماء ومفكرين وساسة عرب ومسلمين، راحوا ضحيةَ هذا المخطط بأساليبَ وطرق مختلفة، إلا أن اغتيال الرنتيسي يعد حلقةً مهمةً في سلسلة الاغتيالات الصهيونية، وقد شكلت حالة ذات خصوصية في أجندة الاستهداف الصهيونية، بوصفه اللسان القوي في تبني واحتضان المقاومة المسلحة، وهو الذي دافع عنها بمنتهى الصلابة، ودون أدنى تحفظ على الإطلاق.

 

ففي الكيان كانوا يرون في الرنتيسي "صقر صقور" حماس، واتهمته الأوساط الاستخبارية بأنه "المسئول الفعلي عن الجناح العسكري في الحركة" خلفًا لصلاح شحادة، كما حمَّلته المسئولية عن مقتل 288 صهيونيًّا وجرح 1393 آخرين، في عمليات نفذتها "حماس" منذ اندلاع انتفاضة الأقصى سبتمبر 2000.

 

وينسب جهاز (الشاباك) إلى طبيب الأطفال إطلاق صواريخ القسام، وعمليات التسلل إلى المستوطنات الإسرائيلية، وتشغيل العبوات الناسفة ضد السيارات الإسرائيلية، والمسئولية عن تجنيد مواطنين عرب من إسرائيل في صفوف حركته المسلحة، ومن ثم اعتقدوا- في حال التخلص منه- ضعف إرادة حماس!! مما قد يضطرها إلى القبول بشروط وقف إطلاق النار كما يريد الإسرائيليون.

 

ولم يكن استهداف الرنتيسي من قِبَل الاحتلال أمرًا مستبعدًا لدى الأوساط الفلسطينية؛ بل كان أمرًا متوقعًا، بعد أن أعلن أرييل شارون وقادته العسكريين صراحةً أن جميع قادة "حماس" هم في قائمة المستهدفين.

 

وقد رأت إسرائيل- في حينه- أن لديها دوافعَ إستراتيجيةً على المدى البعيد لاغتيال الرنتيسي، ممثلةً في اعتقادها بأن قطع الرأس- الممثلة في الرنتيسي- سيكون بمثابة الضربة القاصمة لبقية الجسد الذي هو حماس، حيث سيترنح ويعاني حالةً من الارتباك والفوضى، تسهل عملية القضاء عليه والتخلص منه.

 

كما أنه سيجعل بقية الرءوس (فصائل المقاومة الأخرى) تختبئ في جحورها خوفًا من الضربةِ القادمة من الدولة الصهيونية.

 

إضافة إلى ذلك ترى إسرائيل في هذه السياسة أسلوبًا ناجحًا يحافظ على قوة الردع الإسرائيلية التي صارت محلَّ شك منذ الانسحاب من جنوب لبنان في مايو 2000، والذي اعتبره كثيرٌ من المحللين الإسرائيليين انسحابًا هينًا أمام حزب الله.

 

كما تنظر إسرائيل إلى "حماس" على أنها الأكبر والأعنف بين حركات المقاومة الفلسطينية، لأنها حركةٌ إسلاميةٌ تتمتع بقيادة عدد من الكوادر الأكْفاء الذين يتمتعون بفكر أصولي وعقيدة جهادية، فضلاً عن مستوى تعليم عالٍ، كما أنها الأكثر تنظيمًا وتدريبًا وتمويلاً، إضافة إلى أن وجودها في قطاع غزة وجودٌ مؤثر، مما جعل شعبيتها هي الأعلى بين مثيلاتها.

 

ولعل ما ذكره وزير الدفاع الإسرائيلي شاؤول موفاز مؤخرًا من أن حماس نفذت وحدها- منذ اندلاع انتفاضة الأقصى أواخر سبتمبر 2000، وحتى نهاية العام الثالث من الانتفاضة في أواخر سبتمبر 2003- (52) عمليةً أدت إلى مقتل (288) إسرائيليًّا وإصابة (1446) آخرين يعد تصديقًا على حقيقةِ النظرةِ الإسرائيليةِ لحماس، وكذلك الدوافع لتحطيم قواها.

 

وستكون المقارنة أوضحَ إذا وضعنا في الحسبان أن إجمالي عدد القتلى الإسرائيليين خلال الفترة ذاتها بلغ (867) قتيلاً.

 

أما الهدف الأساسي والأهم لمثل تلك العمليات هو محاولة تغيير المسار السياسي للحركة، ودفعها نحو خيارات المهادنة والتفاوض مع الاحتلال، وهو ما نجحت فية إسرائيل إلى حدٍّ ما مع حركة "فتح" خلال مطلع السبعينيات، يضاف إلى ذلك الرغبة التي كانت كامنةً لدى إسرائيل في تأكيد مضي عملية الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة تحت النار حتى لا تتكرر مأساة الانسحاب من جنوب لبنان.

 

وعلى جانب آخر تشكل سياسة اغتيال القادة محاولة لتيئيس الفلسطينيين، ودفعهم نحو الاستسلام، والقبول بالفتات المطروح.

 

في حين أن ما جرى من تطورات على الصعيدين السياسي والعسكري أثبت أن إرادة الشعب الفلسطيني- وعلى رأسه حركة "حماس"- لم تنكسر؛ بل ازدادت وستزداد صلابةً باستشهاد قادته ورموزه، وهو ما عبَّرت عنه وكالة "رويتزر" للأنباء عقب عملية الاغتيال، حيث قالت في تقرير لها: "رغم أن اغتيال إسرائيل للرنتيسي جاء بهدف القضاء على حركة "حماس" فإن ذلك الحدث قد يؤدي إلى تدفق تيار من المجندين الجدد داخل صفوف الحركة الإسلامية، ويعزز من موقفها (المتشدد)".

 

ونسبت الوكالة إلى خبراء في الكيان العبري قولهم: إنه في الوقت الذي يتسبب فيه رحيل قادة الحركة في (انتكاسات تنظيمية)، فإن "طوفانًا من مشاعر التعاطف معها"- حتى بين صفوف الفلسطينيين المعتدلين- سوف يوفر شرعيةً شعبيةً لحربها ضد الدولة اليهودية.

 

وتقول "رويترز": إنه وعقب كل اجتياح عسكري إسرائيلي في غزة والضفة الغربية، تظهر خلايا جديدة للنشطاء تقوم بإرسال استشهاديين إلى إسرائيلـ، وتضيف أن أحد العناصر الرئيسة في قوة القاعدة الشعبية لحماس هو امتلاكها لشبكةِ أعمال خيرية واسعة، قامت بسدِّ الفجوات التي تخلفت عن تراجع وانهيار مؤسسات السلطة الفلسطينية أو فسادها.

 

ورأى ماجنوس رانستورب- الأستاذ بجامعة (سانت أندروز) في أسكتلندا- أن: "حماس حركة اندمجت عرضيًّا وطوليًّا في عمق نسيج المجتمع الفلسطيني، وهذا سوف يوحد كل فرد في المواجهة مع الإسرائيليين على كافة الاتجاهات".

 

تزايد الشعبية

وكتب داني روبنشتاين في صحيفة "هاآرتس" الإسرائيلية، يقول: " كلما وجهت إسرائيل ضرباتٍ لقادة وأعضاء حماس تزايدت شعبيتهم"، وتابع قائلاً: "وبالتبعية فإن حصانتهم تزداد ضد أي عمليات تقوم بها قوات الأمن الفلسطينية؛ نظرًا لأن مثل تلك العمليات سيُنظر إليها فقط على أنها تواطؤٌ وخيانةٌ لحساب إسرائيل".

 

وكانت إسرائيل تخطط لاستكمال سلسلة الاغتيالات التي بدأتها بالشيخ أحمد ياسين وامتدت إلى الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، وهو ما عبَّر عنه آريئيل شارون بقوله: تخلصنا من القاتل رقم واحد والقاتل رقم اثنين، والقائمة ليست بالقصيرة، كما هدد وزير الحرب شاؤول موفاز بتوسيع تلك الدائرة التي سماها بـ(الانتقائية) قائلاً: "لو استمر قادة حماس محمود الزهار وإسماعيل هنية وآخرون في إطلاق صواريخ القسام.. سنرسل هؤلاء إلي حيث يوجد الشيخ ياسين والرنتيسي".

 

وقد أحدث اغتيال الرنتيسي انقسامًا داخل إسرائيل، فبينما ابتهج له البعض، فقد حذَّر من عواقبه آخرون، ولم تكد تمر ساعاتٌ قليلةٌ على قيام مروحيات الجيش الإسرائيلي باغتيال زعيم حماس في قطاع غزة حتى سارع القادة الإسرائيليون إلى مباركة الجريمة والإطراء على منفذيها.

 

وعلقت صحيفة "هارتس" بقولها: إن شارون وعد وأوفى بوعده، وفي حديث لصحيفة "يديعوت أحرونوت" قال وزير الحرب السابق بنيامين بن اليعزر: "إن الرنتيسي كان الرائد الأول في المبادرة للإرهاب، والمحرك المركزي لأعمال الإرهاب ضدنا".

 

وفي الاتجاه المعاكس أثارت عملية الاغتيال بعض ردود الأفعال الغاضبة في إسرائيل، فقد عبَّر (يوسي ساريد) القيادي في حركة "ميرتس" اليسارية عن قناعته بأن سياسة شارون تقود المنطقة إلى شفير الهاوية.

 

تغيير الإستراتيجية

وإزاء ما أحدثه رحيل الدكتور عبد العزيز الرنتيسي من تغييرات هامة على صعيد المواجهة الفلسطينية مع إسرائيل يقول د. عماد جاد- رئيس تحرير دورية "مختارات إسرائيلية"- إنه وفي أعقاب اغتيال الرنتيسي حدث تغييرٌ متبادلٌ في الإستراتيجية من قِبَل إسرائيل وحماس معًا، حيث قالت الحركة إنها لن تعلن أسماء قادتها للحفاظ عليهم، كما بدأت في الدفع بما يشبه التهدئة مع المحتل، هذا إلى جانب نوع من التحول داخل حماس يهدف إلى تغليب العمل السياسي على العمل العسكري، ولو بشكلٍ مرحلي.

 

ويضيف الدكتور جاد أن إسرائيل أرادت من سياسة الاغتيالات التي اتبعتها توصيل رسالة إلى "حماس" فحواها قدرة دولة الكيان المحتل على اغتيال أي مسئول أو قيادي في الحركة، دون أن تخشى عواقب أو تنديدًا أو رفضًا من قِبَل المجتمع الدولي.

 

ويقول الباحث الإستراتيجي إن الرنتيسي كان يمثل رمزًا من رموز المقاومة الفلسطينية المسلحة والسياسية أيضًا، حيث كان يتمتع بثقل تاريخي على صعيد المواجهة مع دولة الاحتلال، ومن ثم فقد رأت إسرائيل فيه واحدًا من أكثر قيادات حركة "حماس" تشددًا في مواجهتها، وداعمًا لمقاومتها، ومن أكثر الشخصيات الدافعة لاستمرار هذه المواجهة والحفاظ عليها، فكان لها بمثابة الصيد الثمين.

 

السحر والساحر

ويرى المفكر والكاتب الفلسطيني عبد القادر ياسين أن إسرائيل دائمًا ما تعيد النظر في سياستها وإستراتيجيتها، إن تبيَّن خطأها أو عدم جدواها، فسياسات الكيان المحتل تتحلى دائمًا بالمرونة الشديدة في تخطيطها.

 

وفيما يخص استشهاد الدكتور الرنتيسي يقول ياسين: "لا شك أن إسرائيل أفقدتنا قائدًا وزعيمًا ومجاهدًا بارزًا برحيله، ولا شك أن الإستراتيجية الإسرائيلية التي جعلت اغتيال الدكتور الرنتيسي حلقةً في سلسلة اغتيالاتها كانت تنوي استكمال المخطط الذي يستهدف قيادات الشعب الفلسطيني، إلا أن الساحر لما ظهرت له بوادرُ انقلاب السحر عليه وعواقب هذا الانقلاب التي لا تُؤمَن تراجع إلى منطق السلامة".

 

ويرى المحلل الفلسطيني موسى راغب أن لتفاهمات القاهرة عقب قيام إسرائيل باغتيال الشيخ أحمد ياسين والدكتور الرنتيسي دورًا لا ينبغي تجاهله في تراجع دولة الكيان الصهيوني عن سياسة الاغتيال التي بدأتها مستهدفةً كبارَ القادة الفلسطينيين.. إلا أنه رأى كذلك أن إسرائيل- وبشكلٍ عام- لم تتوقف عن سياسة الاغتيالات التي تتبعها، ولن تتوقف؛ لأن إسرائيل تؤمن إيمانًا جازمًا بنهج التصفية الجسدية لعناصر فصائل المقاومة الفلسطينية.

 

ويضيف راغب أن ابن فلسطين البار الدكتور عبد العزيز الرنتيسي كان واحدًا ممن راحوا ضحية المجازر الصهيونية.. ولعل هذا ما يؤكد صحة رؤية الرنتيسي التي كانت تتلخص في أن الأرض التي اغتصبها اليهود لا رجوعَ لها ولا خروجَ لهم منها إلا بالمقاومة المسلحة حتى دحر آخر جندي إسرائيلي، وهي الرؤية التي خالفه البعض في تبنيها على طول طريق النضال، إلا أن صحتها تتأكد بمرور الأيام.