سارة من مصر تسأل فتقول:

* أنا عمري 22 سنة، وكنت أعيش حياتي بنوعٍ من الاستهتار إلى حدٍّ ما، على الرغم من أنني من بيت متدين وملتزم جدًّا، وكنت أعيش من غير هدفٍ، بحكم أنني كنت في كليةٍ خاصةٍ والجو الذي يعمُّ هذا النوعَ من الكليات كان يُجبرني أحيانًا أن أتصرفَ في بعض الأمور بشكل غلطٍ، المهم وأنا في آخر سنة في الكلية اتخذت قرارًا صعبًا، ولم يكن أمامي غيرُ هذا الحل وهو أن أنتقب، وبالفعل انتقبتُ لمدة سنة، وكان هدفي من النقاب أن أبعد عن الجو الذي كان (يخنقني) وكنت أهرب منه، وبعد ما تخرجت طبعًا بدأت أعمل، وأحسستُ بأن النقاب أوقف لي حياتي تمامًا، لا أحدَ يَقبل منتقبةً في عمل، المهم أني خلعت النقاب وبقيت بالحجاب والحمد لله رب العالمين أنا أعمل حاليًا في مكان محترم جدًّا مع أناس متدينين ومحترمين، وبدأت أدخل في حياة جديدة تمامًا، وتقرَّبت من ربنا جدًّا، الحمد لله..

 

و السؤال الآن: لماذا أرسل رسالتي إليكم؟ إنني أرسلها لأني أريد أحدًا يساعدني على القيام بأي عمل إيجابي أخدم به ديني.. وكيف؟! لأن من أعمل معهم متدينون وطيبون لكنهم في حالهم.. برجاء مراسلتي في أسرع وقت.

 

تجيب عن الاستشارة الخبيرة حنان زين الاستشاري الاجتماعي للموقع، وتقول:

** أدعو الله أن يوفقَكِ ويسدِّدَ خطاكِ وأن يزيدَ من أمثالكِ ويثبتكِ على طريق الخير.. اللهم آمـين، فوالله الذي لا إله إلا هو إننا لفي نعيمٍ كبير بنعمة الله علينا بالإسلام والالتزام بتعاليمه والسعي لعمل الخير، وأبشركِ يا حبيبتي بحبِّ الله لكِ؛ وذلك مصداق قول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أن رجلاً جاء إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله أي الناس أحب إلى الله؟! فقال: "أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرورٌ تدخله على مسلم، تكشف به كربَه، أو تقضي عنه دينًا أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخٍ في حاجةٍ أحب إليَّ من أن أعتكفَ في هذا المسجد- يعني مسجد المدينة- شهرًا، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه يوم القيامة رضا، ومن مشى مع أخيه في حاجته حتى يقضيها له ثبَّت الله قدميه يوم تزول الأقدام" (رواه الأصبهاني وأبن أبي الدنيا).

 

والحقيقة يا ابنتي أن شعورَكِ الرائعَ هذا يغفل عنه كثيرٌ من الناس، ولو فقهوا أن حكمةَ الله تبارك وتعالى في نعمه على عباده تستحق الزكاةَ عنها بخدمة الناس والسعي على حوائجهم وإلا زالت عنهم؛ مصداقًا لقول رسولنا الكريم- صلى الله عليه وسلم-: "ما عظمت نعمة الله عز وجل على عبد إلا اشتدت إليه مؤنة الناس، ومن لم يتحمَّل تلك المؤنة للناس فقد عرَّض تلك النعمة للزوال" (رواه الطبراني و أبن أبي الدنيا).

 

وفعل الخير بأنواعه وإغاثة صاحب الحاجة الملهوف سلوكُ الرسل أجمعين عليهم أفضل الصلاة والسلام.. يقول الله تبارك وتعالى عنهم: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَةِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ(73)﴾ (الأنبياء: آية 73).
وإليكِ يا ابنتي بعض الأمور العملية التي فيها نفعٌ للمسلمين:

 

1- إدخال السرور على المسلمين، وخاصةً التلاميذ والطلاب الفقراء والابتسامة الدائمة لبني جنسك.

2- الكلمة الطيبة وتشجيعهم على النجاح.

3- دفع مصاريف المدرسة.

4- إهداؤهم حقيبةً مدرسيةً بها الأدوات المدرسية والمكتبية.

5- ملابس مدرسية نرضاها لأبنائنا.

6- عمل مجموعات تقوية للأبناء الأيتام أو لأبناء جيرانك.

7- تشكيل رابطة من أفراد منطقتك لتفقد أحوالهم أو جمعية خيرية.

8- المساهمة في عمل جمعيات مالية لسداد ديونهم أو لإقراضهم.

9- المساهمة في تأسيس مشروع صغير للفقير يتكسب منه.

10- المبادرة بالصلح بين المتخاصمين، وكوني سِلمًا وسلامًا بين الناس يكن لك أجر الشهيد.

11- سارعي في قضاء حاجة الناس تُرزَقِي ثوابَ اعتكاف عشر سنين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

12- بادري بأن تكونَ لكِ صدقةٌ جاريةٌ يصلْك ثوابُها وأنتِ في قبرك.

13- اجتهدي أن تتصدقي بفضل زادك، مثل:

- التصدق بالملابس المستعملة في الصيف والشتاء.

- التصدق بالأثاث المستعمل والأجهزة المستعملة لتزويج الفقراء.

- المشاركة في كفالةِ أسرة فقيرة، وابحثي عنها من خلال معارفك، وأطعميها من طعامك، وألبسيها من ملابسك، فإن لم تستطيعي فدلِّي عليهم غنيًّا.

- شاركي في إطعام الفقراء والمساكين والأيتام وابن السبيل في رمضان.

 

كما أن هناك أمورًا خيريةً عديدةً، تستطيعين القيام بها في كل لحظة وفي كل مكان وبدون أعباء، مثلما يقول رسولنا الكريم- صلى الله عليه وسلم-: "مثل المؤمن مثل النخلة، إن جالسته نفعك، وإن شاركته نفعك، وإن شاورته نفعك، وإن صاحبته نفعك، وكل شيء من شأنه منافع، فكذلك النخلة كل شيء من شأنها منافع" (رواه الترمذي).

 

وفي هذا الحديث إشارةٌ قويةٌ إلى دورك الفعَّال في المجتمع في إرشاد بنات جنسك إلى الالتزام بالأخلاقِ الكريمةِ، ومراعاةِ حدود الله، وارتدائهن الحجاب، والتزامهن بالصلاة، والبعد عن الفواحش، وكذلك السعي لتخفيف الضغوط النفسية عنهن بسماعك لهن، وتهدئة خواطرهن، ونصحهن بالمعروف، وذلك مع أهلك وجيرانك وزملائك من بني جنسك، وأذكِّرك يا حبيبتي بقول رسولنا الكريم- صلى الله عليه وسلم-: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" (رواه مسلم)، ويقول أيضًا رسولنا الكريم- صلى الله عليه وسلم-: "الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار" (رواه الطبراني والمنذري).

 

والعبادات في الإسلام تُحدث أثرًا كبيرًا في أخلاقنا وسلوكنا، ولو تأملنا هذه الآثار نجد أهمَّها تعميق معاني العمل التطوعي.. فالصلاة عماد الدين.. توجِّه المسلم إلى أعمال الخير، فقد ورد في الأثر: "إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي ولم يتعاظم على خلقي وكفَّ نفسه عن الشهوات ابتغاء مرضاتي، فقطع نهاره بذكري ولم يبِت مصرًّا على خطيئته.. يطعم الجائع، ويكسو العاري ويرحم الضعيف ويزوي الغريب.. فذلك الذي يضيء وجهه كما يضيء نور الشمس، يدعوني فأُلَبِّي، ويسألني فأعطِي، ويقسم عليَّ فأبر قسمَه وأجعل له في الجهالة علمًا، والظلمة نورًا، أكـلؤه بقـوتي، وأستحفظه ملائكتي، فمثله عندي كمثل الفردوس في الجنان لا تيبس ثمارها ولا يتغير حالها" (من حديث طاووس- حلية الأولياء).

 

والصوم يُشعرنا بآلام الجوع ومرارة الحرمان؛ لذلك يفرض الحق- تبارك وتعالى- في نفس الشهر- شهر رمضان- زكاة الفطر والتي هي طعمةٌ للمساكين وطهرةٌ للصائم من اللغو والرفث، وفي فريضة الحج للفقراء والمساكين حقوقٌ محفوظةٌ، فيكون الهدي لفقراء الحرم خاصةً وفقراء المسلمين عامةً، فيطعم في الحج كل جوعان أو حتى في الخارج، بل ويقوم المسلمون ممن لم يحج بذبح الأضاحي ليطعم منها صاحبها والرحم والجار والفقراء والمساكين.

 

وحتى تقومي بهذه الأعمال أوصيكِ بالصبر والصلاة واليقين في نصر الله.. فبذلك ترزقين بدوام فعل الخيرات.. وتذكَّري دائمًا أن هذه الأعمال الخيرية سيكون لها منافعُ عدة لكِ، فهي:

1) مظهر للإيمان الصحيح.

2) باب من أبواب الجنة.

3) اقتداءٌ بالرسول الكريم والصحابة الغُرّ الميامين.

4) طريق أساسي لنصرة دين الله تعالى.

5) يدفعك إلى الاستمرار على الطاعة ويزيد قوتك وثباتك.

 

وأخيرًا.. أدعوكِ يا حبيبتي للاستغفار الكثير عن بداية حياتك، وكوني على ثقةٍ بأن التزامك وسعيك لعمل الخير وحبك لله تبارك وتعالى سيسعدك في الدنيا والآخرة إن شاء الله.