لا يوجد ما يمكن أن نطلق عليه الموقف القبطي تجاه جماعة الإخوان المسلمين لسببين على الأقل:  الأول أن الأقباط ليسوا كتلة سياسية واحدة- ولا يجب أن يكونوا هكذا-  وهم بالتأكيد ليسوا أصحاب مشروع سياسي يعكس انتماءهم الديني. وبالتالي يصعب القول إن لهم موقفًا واحدًا تجاه ظواهر سياسية بعينها أو جماعات سياسية مثل الإخوان المسلمين أو غيرهم.

 

السبب الثاني: إنه لا توجد هيئة تمثيلية تستطيع أن تدعي الحديث باسم الأقباط؛ فالكنيسة لا يجب أن تتحدث باسم الأقباط في العمل العام. والمدنيون الأقباط لهم اتجاهات فكرية متنوعة، وموزعون بين التيارات السياسية السائدة سواء أن كانت ليبرالية أو يسارية أو حتى إسلامية.

 

في العقود الأخيرة تبنى نفرٌ من المدنيين الأقباط العمل تحت مظلة إسلامية كما حدث في تجربة حزب العمل، صفوة القول إنه لا يوجد رأي عام قبطي تجاه الإخوان المسلمين أو غيرهم من القوى السياسية. والأقباط شأنهم شأن بقية المواطنين يعكسون مساحات التنوع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي التي يشهدها مستوى التطور المجتمعي السائدة في المجتمع.

 

والموقف من أي جماعة سياسية-  في رأيي-  يتحدد بناءً على أمرين أساسيين هما الخطاب الفكري لهذه الجماعة من ناحية وسلوكها السياسي على أرض الواقع من ناحية أخري. وفي حالة الإخوان المسلمين فإن موقفهم تجاه الأقباط يتسم بقدر من المراوحة أحيانًا. فهناك حديث إخواني في المناسبات العامة يغلب عليه الود والمجاملات الرقيقة. في هذا السياق تندرج الأحاديث على موائد الإفطار في رمضان والتهاني في الأعياد. وفي نفس الوقت هناك حديث آخر مغاير يطفو على السطح حينًا آخر؛ فمثلاً نشرت مجلة الدعوة-  لسان حال الإخوان-  في عددها الصادر في شهر ديسمبر عام 1980م، فتوى لتنظيم عملية بناء الكنائس ورد فيها صراحةً أنَّ البلاد التي فتحها المسلمون عنوة تهدم فيها الكنائس مثل الإسكندرية والبلاد التي استحدثها المسلمون مثل العاشر من رمضان والمدن الجديدة عمومًا لا يجوز بناء كنائس فيها على الإطلاق. والشيء بالشيء يُذكر فإنَّ المرشد العام الأسبق للجماعة الأستاذ مصطفى مشهور أفتى بأن يستبعد الأقباط من الجيش ويلزموا بدفع الجزية في صحيفة (الأهرام ويكلي) في مطلع شهر أبريل عام1997م. 

 

ومن الإنصاف القول إنه في كل مناسبة يصدر فيها عن الإخوان المسلمين ما يزعج الأقباط تسرع قيادات إخوانية إلى رأب الصدع من خلال نفي ما تردد من أحاديث أو القول بأن ما تردد خطأ.. ولكن التدارك السريع للمواقف الملتهبة لا يفضي إلى تأكيد موقف واضح متكامل للإخوان تجاه الأقباط-  بعيدًا عن الصياغات العامة التي لا تخلو من مودة لكنها تفتقر إلى روح النص القانوني والسياسي الملزم في الحياة العامة.

 

وفي تقديري أن هناك التزامًا على جماعة الإخوان المسلمين بإصدار خطاب واضح تجاه الأقباط يقوم على الاعتراف الصريح بأن الأقباط لهم حقوق المواطنة كاملة في مجتمعٍ تعددي، وأن العلاقات الحاكمة لمختلف مكونات الجماعة الوطنية تقوم على أساس المواطنة الكاملة وليس إلى الرابطة الدينية التي تستبعد بحكم التعريف غير المؤمنين بها أو تضعهم في مرتبة أدنى أو أقل.

 

ثالثًا: أن هناك ما يمكن أن نطلق عليها فرصًا متنامية لعلاقات أفضل بين الأقباط والمسلمين في إطار حركة سياسية واحدة لا تسقط العامل الديني من تكوينها:

 

1.  أن الدين لم يكن يومًا بعيدًا عن الحياة العامة. فلم تعرف مصر نمطًا من العلمانية المفرطة. وبالتالي لا يوجد ما يمنع من وجود قيم دينية عامة في المجال العام في مصر.

 

2.  لا يوجد ثأر تاريخي بين المسلمين عامةً والأقباط عامةً في الحالة المصرية خلافًا لما شهدته مجتمعات أخرى وهو ما يجعل من إمكانية التوافق أعلى بكثير من احتمال الصدام.

 

3.  أن هناك سياقًا حاضنًا مما نطلق عليه القيم الواحدة الجامعة للشعب المصري على تنوعه واختلافه. مما يجعل من مفهوم الانعزال بمعناه الثقافي أو الجغرافي أو حتى الاجتماعي أمر غير وارد.

 

ولكن هذه العوامل الإيجابية للتوافق بين الأقباط والمسلمين في الحياة العامة تحتاج إلى ما يمكن أن نطلق عليه التيار الرئيسي الجامع للأمة. في مرحلة ما قبل عام 1952م، لعب حزب الوفد هذا الدور. وكان من الممكن أن يلعب التيار الإسلامي هذا الدور في الثلاثين عامًا الأخيرة لولا أنه تبنى-  في تقديري-  إستراتيجيات أضاعت عليه هذه الفرصة مثل الموقف من الأقباط والدولة المدنية.... إلخ.

 

الآن الفرصة سانحة في ظل التحولات التي يشهدها المجتمع المصري في اتجاه مزيد من الانفتاح والتعددية والديمقراطية أن ينشأ تيار رئيسي وطني جديد يجمع في رحابه مختلف مكونات الجماعة الوطنية من أجل إنجاز الاستقلال الثاني أو الإصلاح يقوم على عقد اجتماعي جديد من أهم ملامحه:

 

1- الاعتراف الكامل بالدولة المدنية مما يتطلب خلو المجال العام من كل الإِشارات والرموز الدينية حتى يصبح من الرحابة إلى الحد الذي يسع فيه كل المختلفين. وأن تكون السياسية على أساس المصلحة، والتشريع تعبيرًا عن تنوع الأمة.

 

2-  أن يتحول التيار الإسلامي من تيار ديني مغلق على أتباعه إلى تيار مدني ذي مرجعية أخلاقية مستمدة من القيم الدينية عامة، يضم في رحابه المسلمين والمسيحيين على السواء على أساس من المواطنة المتساوية.

 

3-  أن ينتظم المجتمع على أساس من الكفاءة والفرص المتساوية بين الجميع بغض النظر عن الاختلاف في الدين أو الجنس أو.... إلخ.

 

4-  ترسيخ مبدأ التعددية والتنوع في الفكر والعمل. ويستلزم ذلك إقرار حرية الرأي والاعتقاد لكل المواطنين، وأن يتحول الدين إلى مخزون واسع للقيم والأخلاقيات في ضمير المجتمع. هنا سنحفظ للدين قدسيته ووقاره وننأى به عن كل مظاهر التوظيف السياسي. 

 

 أتصور أنَّ هناك مسئوليةً ملقاة على عاتق التيار الإسلامي إذا أراد بحق أن يتحول إلى التيار الرئيسي للأمة، وهي مسئولية تحوله إلى تيار ليبرالي ذي إطار مرجعي ديني يزاوج بين السياسة والأخلاق بدلاً من القطيعة الحادثة بينهما، ويترك الاعتقاد الديني وممارسة الشعائر والطقوس التعبدية مسئولية مطلقة للفرد في علاقته مع خالقه.. إذا حدث ذلك فإنه سيصبح التيار السياسي المفضل لعموم الأقباط والمسلمين على السواء؛ لأنه يتفق مع المزاج الفكري العام لكل المصريين.

 -----------

 * صحفي قبطي