هذه مساجلة من طرائف المساجلات الفكرية، عقب فيها الأستاذ الهضيبي المستشار بمحكمة النقض على مقالة للإمام الشهيد حسن البنا، وردَّ عليه الإمام الشهيد موافقًا، ومبديًا إعجابه بفقه وثقافة المستشار الهضيبي وحسن فهمه للشريعة ومقاصدها، وتقديره لاهتمامه بهذا الموضوع الذي قلَّ مَن اهتم به من رجال القضاء في ذلك الوقت.. وهذا نص المساجلة: 

 - من حسن الهضيبي إلى حسن البنا:

"حضرة صاحب الفضيلة المرشد العام الأخ الشيخ حسن البنا".. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

وبعد فقد قرأت اليوم 3 ديسمبر1947- مقالكم الثاني: "ألا هل بلغت اللهم فاشهد"، وقد استوقفني منه عبارة جاءت في مقام الردِّ على اعتراض افترضتموه ممن يجهل حقيقة الإسلام وما فيه من مرونة في الأحكام تتسع لما يجد من الأحداث، ومؤدى هذه العبارة أن تاريخ التشريع الإسلامي يحدثنا أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- كان يفتي في الموسم القضية من القضايا برأي ثم تعرض عليه في الموسم التالي من العام القابل فيفتي برأي آخر، فيُقال له في ذلك، فيقول ذلك على ما علمنا وهذا على ما نعلم إلخ..".

 

كذا يحدثنا أن الشافعي- رضي الله عنه- وضع بالعراق مذهبه القديم، فلما تمصَّر وضع مذهبه الجديد نزولاً على حكم البيئة وتمشيًا مع مظاهر الحياة الجديدة من غير أن يخل ذلك بسلامةِ التطبيقِ على مقتضى القواعدِ الإسلاميةِ الكلية.. إلخ.

 

وقد يتوهم متوهمٌ في هذه العبارة أن عمر والشافعي- رضي الله عنهما- أخضعا حكم الدين لأحكام الزمان، ومعاذ الله أن يكون الأمر كذلك، فإن أحداث الزمان يجب أن تخضع لكتاب الله وسنة رسوله، مهما تراءى للناس أن الدنيا لا تحتمل هذا الإخضاع، فالدين هو السنة التي وضعها الله للناس، كما وضع السنن الكونية الأخرى للشمس والقمر والحيوان والنبات، وكل ما في السماء وما في الأرض وما عليها.

 

وفي ظني أن عمر لم يغيِّر فتواه نزولاً على حكم الحوادث، بل لأنه ازداد بصرًا بحكم الدين في المسألة، لذلك قال، ذاك على ما علمنا وهذا على ما نعلم، كما أظن من استقراء سابق لي بسبب تغير رأي الشافعي بين قديمه وحديثه أنه حين جاء إلى مصر سمع من رواة الحديث بمساجد الفسطاط ما لم يكن قد سمع بالعراق، فأقام عليه رأيه الجديد، وكان- رضي الله عنه- يقول إذا صحَّ الحديث عندي فهو رأيي.

 

هذا ولا منازعةَ في أن على المسلمين أن يجتهدوا في استنباط أحكام لم تكن من قبل لحوادثَ لم تكن من قبل، بل لكل مجتهد أن يستنبط ما يهديه الله له من أحكام الدين لجميع الحوادث جديدها وقديمها، وهذه هي المرونة التي جعلها الله من خصائص الدين الإسلامي، ولله الحمد والمنة.

 

فبودِّي أيها الأخ الكريم لو أعدتَ النظرَ في هذه الجملةِ بما يزيل الشبهةَ أو لعلي مخطئٌ وأنتم بذلك أعلم مني بلا ريب.

 

ولقد كنت أود أن أفضيَ إليكم بهذا الحديث في زيارةٍ لولا أن انحرافَ صحتي في الأسبوع الماضي لا زال منه بعض الأثر، وأسأل الله تعالى أن يعينكم وأن يهديَ أمةَ محمد إلى العمل بكتاب الله وسنة رسوله.

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، من المخلص: حسن الهضيبي.

- تعقيب الإمام الشهيد حسن البنا:

وعقَّب فضيلة الإمام الشهيد على فضيلة الأستاذ حسن الهضيبي بما يأتي بالعدد رقم 488 من جريدة الإخوان المسلمين الصادرة بتاريخ 4 ديسمبر 1947 فقال:

 

"أنا اشكر لحضرته هذه الغيرة على دين الله، والدقة الجميلة في البحث والتمحيص، وجميل جدًّا أن نرى من كبار رجال التقنين المصريين من يحمل مثل هذا القلب المؤمن والذهن الصافي المستنير، مع الدأب على الدرس والإلمام بكل أطراف الموضوع، فجزى الله الأستاذ حسن بك الهضيبي عن الدين والحق والعدالة خيرَ الجزاء وأكثرَ فينا من أمثالِه، وما ذكره في خطابه حقٌّ لا شكَّ فيه، والذي أردته بكلمتي هو الإشارة إلى أن من مرونة التشريع الإسلامي أن العرف والاجتهاد قاعدتان من قواعده فيما لا نصَّ فيه، أما حين يكون النص فلا اجتهاد معه طبعًا.

حسن البنا