ما أكتبه - عادة - يتناول قضايا عامة ، تتجاوز الأشخاص قدر الإمكان ، لأن القيمة تأتي قبل الشخص أيا كانت أهميته أو وضعه الاجتماعي والتاريخي . فالأشخاص زائلون ، والقيم باقية وممتدة ومستمرة ، وهو ما تحرص عليه الأوطان والشعوب والأمم .

 

أجدني اليوم حزينا وآسفا على موقف أحد الأشخاص الذين كنت أحمل لهم تقديرا خاصا بسبب مواقفه الموالية للشعب وليس السلطة ، لدرجة أنني ذات يوم كتبت عنه أشيد به  قبيل سقوط حكم العسكر برئاسة المخلوع مبارك ، وتلقيت منه اتصالا كريما لشكر لا أستحقه على واجب ، وكلمة حق يجب أن أقولها لمن يخدم الوطن ويعلى قيمة الحريات وكرامة الناس .

 

أتكلم عن حمدي قنديل الإعلامي الناصري الذي لمع في عهد الطاغية الأرحل المهزوم دائما جمال عبد الناصر ، وترك مصر في عهد السادات وعاد في عهد مبارك ليقدم برامج عن الصحف وما تقوله في أخبارها وأعمدتها ، آخرها تحت عنوان " قلم رصاص "، وتنقّل به عبر قنوات عديدة ، وطاف به من بلد إلى بلد بسبب الملاحقة والمصادرة والمطاردة ، وعندما قامت الثورة في يناير 2011 انضم للثوار ، وكان قريبا من الرئيس الشرعي محمد مرسي – فك الله أسره -  ولكنه للأسف انقلب مع المنقلبين ، وراح يقصف الرئيس مرسي بشدة على الإعلان الدستوري ، وعلى خطواته المختلفة ، صغيرة أو كبيرة ، تحت دعوى الديمقراطية والمشاركة لا المغالبة ، وبعد أن اعتلى قائد الانقلاب سدة الحكم عمليا في 3 يوليو 2013 انحاز حمدي قنديل إلى  الناصريين الخونة الذين ركبوا جنازير الدبابات ، وصعدوا إلى المناصب والمغانم ، وقطفوا ثمارا رخيصة على حساب الدماء المسلمة البريئة التي أراقها العسكر القتلة الفاشيون بدءا من الحرس الوطني مرورا برابعة والنهضة والمنصة ورمسيس ومسجد الفتح وأكتوبر وغيرها في القاهرة إلى  مذابح المحافظات مثل دلجا وكرداسة وناهيا والإسكندرية وسواها .

 

 في ندوة عقدها بالجزائر مؤخرا على هامش معرض الكتاب أكد حمدي قنديل أنه لم يندم على شيء في حياته مثل ندمه على وقوفه مع محمد مرسي مع أنه لم يدع إلى انتخابه، فلقي هجوما شرسا من أبناء بلد المليون شهيد وانتقادا عنيفا من حضور الندوة المثقفين .

 

من حق حمدي قنديل أن يتخذ الموقف الذي يريد ، وينحاز إلى الجانب الذي يستريح إليه ، ولكن ليس من حقه أن يدعي أنه يقف الآن في معسكر الشعب والوطن ، حين يسكت على الإعلانات الدستورية والقوانين الظالمة التي صدرت بالجملة مذ تولى قائد الانقلاب الدموي الفاشي رئاسة الدولة فعليا ، فقيّد الحريات ، وصادر حق التعبير ، وأدخل الناس والنساء والأطفال إلى المعتقلات ، وحوّل الشعب إلى مجردعبيد في جمهورية الخوف التي يديرها العسكر. لا أتكلم عن صمت حمدي قنديل عن انتهاك الحريات العامة ، وسفك الدماء ، والتنكيل بالشرفاء ، ومصادرة الأموال ، ومطاردة الأحرار ، واعتقال النخبة الحقيقية وإدخالها السجون بغير حق ، وتطفيش من بقي منهم إلى المنافي وبلاد الغربة ، ومن بينهم ناصريون محترمون ، مهما اختلفت  معهم لا يتنكرون للقيم العامة ، ولا يصفقون للبيادة ، ولا ينقلبون على الشرعية ، ولا يغنّون " تسلم الأيادي " فوق أنهار الدماء البريئة ،وإيقاع صوت الأباتشي التي أحرقت المعتصمين ، والجرافات التي ألقتهم في الصحراء !

 

من المفارقات أن حمدي قنديل وهو يتحدث في الجزائر عن ضرورة تحرير الإعلام العربي من القمع، ويصف حرية التعبير في العالم العربي بأنها تشبه مرحلة النظام السوفييتي. وأن الإعلاميين والسلطة فشلا (؟) في التوصل إلى صيغة لآليات العمل الإعلامي، ما جعل الإعلام العربي إما إعلاما مدجنا أو إعلاما منفلتا يثير غضب الجمهور والرأي العام - لم يشر إلى إغلاق الانقلاب العسكري الدموي الفاشي للصحف المعارضة ، والقنوات التي تنطق باسم الإسلاميين ، ومنْع الكتاب الوطنيين  من الكتابة في الصحف القومية والخاصة ، وتكميم الأفواه في كل مكان ، لدرجة سحب دكتوراه من جامعة الأزهر ومعاقبة لجنة الحكم عليها لأن الطالب وصف جريمة 3 يوليو2013 بالانقلاب !

 

بالطبع لن أطلب من حمدي قنديل أن يتحدث عن حقوق المصريين جميعا في الوطن ، ويطالب بنبذ العنصرية الفاشية التي تجعل من يجهر بإسلامه إرهابيا منبوذا ، ومحل مؤاخذة ومحاكمة ، لدرجة أن بعض المواطنين أصبحوا ينتقمون من بعضهم الآخر باتهامهم بالأخونة ، ويستطيعون أن يقدموا حمدي قنديل نفسه إلى الاعتقال بالتهمة ذاتها . تخيل أمين شرطة مثلا يتلقي بلاغا من مواطن يقول إن حمدي قنديل من الإخوان . لا ريب أنه سيأخذه إلى الحجز مباشرة إذا لم يكن لديه سابق معرفة به!

 

إن التغاضي عن استباحة الوطن ، وعسكرة الشوارع والميادين والمؤسسات ، نكبة كبرى على بلد كان رئيسه الشرعي يسبّه السفهاء والخونة والمأجورون ، ولم يتخذ ضدهم أدني إجراء ، بل إن أحد المواطنين رفع لافتة ضده ، وهو ذاهب إلى الصلاة ، فابتسم ، ووعده بحل مشكلته ..هل هذا هو ما جعل حمدي قنديل يندم على تأييده ؟ 

 

إن بعض المرتزقة الصغار من الناصريين الخونة يقولون إن اختيار مرسى لمنصب رئيس مصر، يعد إهانة كبرى للحضارة والدولة المدنية الحديثة،  وإن إعلان حمدي قنديل عن ندمه في تأييد  محمد مرسى فى البداية، هو تجل للمعدن الأصيل للمثقف الكبير حمدى قنديل . وهذا القول على ما فيه من وقاحة وسوء أدب ، يعبر عن فكر العبودية المرضي الذي يندرج تحت مسمي السادية أو الرغبة في التعذيب ، حيث  لا يستطيع هذا المرتزق أن يقول مثل هذا الكلام للعسكري الحاكم الآن ، لأنه مولع فيما يبدو بعبادة البيادة التي أهانت مصر منذ عام 1952 تحت حكم البكباشي الأرعن، وجعلتها معرة الأمم ، وتابعا رخيصا لدولة اليهود شذاذ الآفاق.

 

محمد مرسي كان مفخرة لمصر ، فهو العالم الجليل الذي درّس في الولايات المتحدة ، وهو الأستاذ الذي يعده العالم من النخبة العلمية النادرة المرموقة في مجال تخصصها العلمي، وهو الذي استعاد لمصر هيبتها الدولية رغم أنف التآمر الخياني الذي صنعته الدولة العميقة واللصوص الكبار والأعراب الجهلة .

 

كان من المتوقع من حمدي قنديل وهو من أنصار 30 يونيه الذين خرجوا  بدعوى أن مرسي ظلم وقمع المظاهرات وكان مسئولا عن قتل المتظاهرين ، أن يخرج الآن ليقول كلمة حق في وجه الفاشية العسكرية التي قتلت الآلاف وقمعت الملايين وهتكت الأعراض في السجون والمعتقلات ، ولكن قلم الرصاص فيما يبدو قد تحطم تماما !

 

فجيعتي في حمدي قنديل لا حدود لها ، ولكن يعزيني أنه جاء من مدرسة البكباشي الذي أسس دولة البصاصين وجمهورية الخوف وفلسفة الانسحاب أمام الأعداء وفن التهويش وإعلام أحمد سعيد الذي فاق إعلام جوبلز ! والعوض على الله !