التقيته أكثر من مرة واحدة في خريف 2012..

 

مهذب كعادته.. شديد الانتباه عند استماعه..لا يتجاوز المجاملات إذا تحدث..

 

كنت أنظر إليه من خلال برنامجه على الجزيرة الذي اجتذب إليه شبابًا مصريين وعربًا خلال العقد الأول من قرننا ومن خلال بعض كتاباته ابتداء من الثمانينيات.. وفضلت أن أتجنب تقييمه من خلال تجربته بالعهد الناصري.. معتقدًا أن التجارب تصنع الرؤى.. وأن الرؤى الأولية لا تأسر عقلاً رجّحت أن يكون كبيرًا.. خصوصًا عندما يتكشف، ليس فقط فشل تلك الرؤى، وإنما خطرها على حياة شعب..

 

حدثته عن كيفية تطوير المسار الديمقراطي وتكريس مبدأ الفصل بين السلطات وكيفية خلق توازن سياسي بين كل الاتجاهات بتوزيع السلطة بين رئيس ورئيس وزراء ومجلس نواب بما يسمح لأي معارضة أن تتمثل في واحدة على الأقل من كيانات السلطة.. فتكون الشراكة جزءا من بنية النظام لا منة من طرف.. وأن كل قوى الثورة مؤهلة لتحقيق ذلك بتجاوز أخطاء خارطة الطريق التي وضعها العسكر مملوءة بالفخاخ.. وأن الخلاف المصطنع بين حزب النور وليبراليين حول ما أسموه مواد هوية ليس سوى أحد تلك الفخاخ.. لكنه كان يستمع فيما يبدو وهو في وادٍ غير ذلك الذي كنت فيه..

 

وقع انقلاب 3 يوليو الذي توقعته صراحة منذ ديسمبر 2012.. بل جاء متأخرًا عن موعده.. فلم أُفاجأ به وإنما فاجأني أن يكون هو عرّابه بل اجتهاده المذهل ليضعه في نفس إطار حركة الضباط الأحرار في 23 يوليو متجاوزًا قانون التاريخ وعلم الاجتماع السياسي..

 

خرج للإعلام متحمسًا بشعور المنتصرين، بما قد يجاوز ما حدث له طيلة حياته الطويلة بعد أن ضنّ على الثورة ولو بظهور واحد.. خرج ليحذر نظام القمع من أخطاء إستراتيجية وينبهه إلى ضرورة اتخاذ إجراءات.. ليس لإصلاح الحقوق والحريات والتوقف عن عمليات القتل والتعذيب والمغامرة بمستقبل البلاد وإنما للحفاظ على بقاء نظام القمع.. فنصحه بالثورة – آه ولله بالثورة – على نظام مبارك، ليس لكونه نظامًا فاسدًا أو لأنه أهدر حقوق وحريات وثروات شعب ثلاثة عقود.. بل لكونه تهديدًا لسلطة الدكتاتور المستجد ومنافسًا له في التهام كعكة السلطة والثروة..

 

لم أستطع أن أرى خلف حديثه إلا محاولة للانتقام من نظام مبارك، ربما لأنه لم يعطه الفرصة، ودفاعًا مستميتًا عن نظام أعطاه دورًا في فيلمه الدموي.. وكنجوم هوليوود يشعر أنه الفيلم الأخير له.. وعليه التشبث به بأي ثمن..

 

لم أهتم بما جاء في التسريب الأخير من تدخله لدى جنرالات الدائرة الضيقة لسلطة القمع لإنهاء قضية ابنه.. لأن شيئا لم يعد يستحق أن نندهش له.. ولأنه لا يمكن أن يكون ذلك هو الثمن الذي لأجله قبل بأن يُشارك في مغامرته الأخيرة..

 

ولا يمكنني أن ألومه على رؤيته التي يستقيها من الماضي.. وعدم إدراكه للتحولات الكبرى التي لحقت بنية المجتمع أو عدم فهمه لحلم جيل يجاوز 60 بالمائة من شعب مصر يبحث عن مستقبل أكثر حرية ورخاء..

 

جيل لا يكره ناصر ولا السادات بل ولا حتى مبارك وإلا لما عاش يومًا بعد 11 يناير 2011.. ولا يحمل ميراث الكراهية ضد الإسلاميين أو اليساريين أو الليبراليين.. إنما يرغب في طي تلك الصفحة لأنها مكتوبة بأيدي متسلطين دون مشاركة الشعب.. وبمداد قوامه إذلال الناس وإفقارهم..

 

لكني ألومه على محاولته أن يُسهم في قتل حُلم هذا الجيل وهو يعلم أنه لن يتراجع ومحاصرة ثورة يعرف أنها لن تموت..

 

كان الأحرى به إن أراد دورًا أن يقف وقد جاوز عمر الأخطاء والمراجعات إلى جوارها.. فإذا وجد خطأ فيها نصح بتصويبه.. لا باستغلال أخطائها للقيام بدور تاريخي في إعادة منظومة قهر وفساد لمجرد أنها تمنحه دور.. هو أشبه بدور الأب الروحي لإحدى عصابات المافيا.. الممثلون الكبار، أيًّا كان رأينا فيهم، لا ينهون حياتهم بمثل تلك الأدوار التي يذهب بهاؤها ويتبدد الإعجاب بها سريعًا.. ولا يبقى سوى عارها..

 

في كل الأحوال الثورة مازالت تمتلك المبادأة وشبابها سيكتبون مشهد الختام.. وفي خلفية المشهد ستكون هناك لوحة الشرف بأسماء كبيرة ربما لمجهولين.. منهم من قضى ومنهم من حُرق ومنهم من جُرح ومنهم من حمل الشعلة حتى كتب النصر.. بينما في مقابلها ستحمل لوحة العار أسماء كبيرة ملء السمع والبصر شاركت أو سكتت.. باركت أو نصحت.. لا يستوون.