د. جابر قميحة

 

بقلم: د. جابر قميحة

استطاع عبد الناصر وحواريوه أن يدبِّروا حادثَ المنشية الذي وقع- أو قيل إنه وقع- مساء 26 من أكتوبر سنة 1954م، وقد رأينا كيف كان هذا الحادث مسرحيةً خائبةً ساقطةً، سرعان ما انكشفت أبعادها، وانفضح ما خفي وراء كواليسها، وقد رأينا في الحلقة السابقة ما في هذه المسرحية من "خَيابة" وما تمتع به ممثِّلوها ومخرِجوها من غباء فائق، ولم نعتمد في استخلاص هذه الحقائق إلا على "صحفهم القومية" وخصوصًا (الأهرام).

 

وقد رمى عبد الناصر وبطانته- من وراء هذه المسرحية- إلى تحقيق هدفين، هما:

1- إقالة محمد نجيب، وإخفاؤه بعيدًا عن الشارع السياسي تمامًا، وقد كان أحب الشخصيات العسكرية وأقربها إلى قلوب المصريين والسودانيين.

 

2- ضرب الإخوان وتصفيتهم، أو على الأقل إنهاكهم وإضعافهم وإرهابهم، وحرمانهم من "الوجود السياسي" حتى ينفرد هو "بالأرض والبساط" كما يقول المثل الهندي.

 

وقد نجح عبد الناصر في تحقيق الهدفين- على اختلاف في درجة النجاح- فأُقيل محمد نجيب، واختفى من الحياة السياسية معتقَلاً في "أنشاص"، وامتلأت السجون الناصرية بعشرات الآلاف من الإخوان المسلمين.

 

ولكنَّ هذا النجاح كان "ظاهريًّا" من ناحية وشخصيًّا من ناحية ثانية، ومؤقتًا من ناحية ثالثة، وكانت خسارة الأمة- بسبب هذه التصرفات الناصرية- فادحةً فادحةً، فضاعت السودان، وانفصلت انفصالاً أبديًّا عن مصر، وهي التي عاشت تمثل الامتداد الطبيعي لمصر، وكان السودانيون ينظرون إلى "محمد نجيب" على أنه الأمل الصادق لتوحيد شعبَي وادي النيل في وحدة سياسية واحدة.

 

وتوالت الهزائم النكراء على مصر في عدوانَي 1956، 1967م، واشتدَّ عود الكيان الصهيوني وأصبح أقوى قوة ضاربة في الشرق الأوسط بعد أن غيِّب أعداؤه ومذلُّوه وهازموه من صفوة الشعب المصري وراء "الجدران الناصرية السوداء".

 

منهج التناول

وكان لمسرحية المنشية- كما أشرنا في الأسبوع الماضي- "توابع" بتعبير علماء الزلازل، منها الإرادي المدبَّر كعزل محمد نجيب، والمحاكمات والاعتقالات، ومنها غير الإرادي كالهزائم والانكسارات، والأزمات الخانقة التي انقضَّت على الشعب المصري، وإن كان كل أولئك نتائج طبيعية حتمية للمقدمات المنكودة التي سبقتها، وأهم التوابع "الإرادية" تشكيل مهزلة سموها "محكمة الشعب" لمحاكمة "الضالِعين" في محاولة اغتيال الزعيم، وقلب نظام الحكم، و.. و.. و..

 

وفي حديثنا عن هذه المحكمة المخصوصة سنتبع المنهج الذي اتبعناه في الحلقة السابقة، وخطه الرئيسي هو الاعتماد الكلي على المصادر الحكومية أو الناصرية، من صحف وكتب ونشرات، ولن نستعين بما كتبه الإخوان عن "المحن الناصرية"، وما كتبه المحايدون، حتى تقوم الحجَّة على هؤلاء العساكر أو "المناسر" الذين نجحوا نجاحًا باهرًا في تيتيم مصر.. مصر التي كانت تمثل "عرض" الأمة العربية وشرف العالم الإسلامي، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 

تشكيل المحكمة.. المهزلة

بعد أربعة أيام من "تمثيلية المنشية" وفي أول نوفمبر سنة 1954م نشرت (الأهرام) الصادرة في 2 نوفمبر 1954م قرارَ تشكيل "محكمة مخصوصة" ونظام هذه المحكمة وإجراءاتها، وذلك تحت عناوين ضخمة في الصفحة الأولى، ومما ذكرته بالنص:

* مادة (1) تشكيل المحكمة على الوجه الآتي:

1- قائد جناح جمال مصطفى سالم- رئيسًا.

2- قائمقام أنور السادات- عضوًا.