الشهيد سيد قطب

 

بقلم: د. خالد فهمي*

في ظلال القرآن تفسير شاء صاحبه أن يفرَّ تواضعًا من أن يهبه هذه التسمية، مع أنه في الحقيقة تفسيرٌ من طراز فريد، تفسير يُدرك تلاحم النص الذي يقوم على رعايته والعناية به والحدب عليه، وهذا النص المتلاحم هو القرآن الكريم.

 

وهو تفسير يدرك أنه قام على بيانِ ما في القرآن الكريم من تصوراتٍ أراد الله سبحانه أن تقود خطوات البشرية الضالة نحو السعادة، فلقد تسلَّم الإسلامُ القيادة بهذا القرآن وبالتصور الجديد الذي جاء به القرآن، وبالشريعة المستمدة من هذا التصور فكان ذلك مولدًا جديدًا للإنسان أعظم في حقيقته من المولد الذي كانت به نشأته.

 

لقد أنشأ هذا القرآن للبشرية تصورًا جديدًا عن الوجود والحياة والقيم والنظم، كما حقق لها واقعًا اجتماعيًا مزيدًا كان يعز على خيالها تصوره قبل أن ينشئه لها القرآن إنشاءً.

 

وأهم سمة تميز كتاب سيد قطب أو تفسيره هي أنه تفسير حركي، وأرجو أن نقف مليًا أمام هذا اللفظ الذي من أجله قال في ختام مقدمته ما نصه: "هذه بعض الخواطر والانطباعات عن فترة الحياة (أي حياته هو) في ظلال القرآن".

 

وهذان اللفظان وردا في هذا السطر الواصف لعمله في التفسير لا يصح أن يفسر ذلك التفسير الشائع بين الناس، فالخاطر نحو الانطباع هنا ليس كلامًا خاليًا من المنهج، وإنما المرد بهما في تعبير سيد قطب هو إرادة الإفادة من معاني القرآن الكريم في خدمة الواقع، وبيان التصورات الجديدة للقرآن الكريم ومحاولة قياس واقع الحياة المعاصرة بها، لنرى مدى المفارقة القائمة في حياة الناس وواقعهم عندما خاصموا النص الكريم، وجافوه، وابتعدوا عنه.

 

ولستُ أنفي هذا الكلام من باب الإعجاب بتفسير سيد قطب، بل من باب الدرس الموضوعي العلمي لذلك التفسير الفريد، ومن باب المعرفة بطبيعة سيد قطب العلمية.

 

يقول الدكتور إبراهيم عوض في كتابه (من الطبري إلى سيد قطب دراسة في مناهج التفسير ومذاهبه) (ص 265): "وليس التذوق الأدبي للنص القرآني عند سيد قطب مجرد نزعة انطباعية غامضة تعتمد على الوجدان الزائد وحده، كما يقول بعض الدارسين، بل يحكم هذا التذوق عنده عدة ضوابط".

 

وما يهمنا في التعقيب هو التقاط أنَّ ثمة ضوابط تحكم ما سمَّاه هو نفسه خواطر أو انطباعات، وإذا كان الدكتور إبراهيم عوض جعل منهج سيد قطب في تفسيره قائمًا على منهج التذوق الأدبي، فإن الباحث الكريم التفت إلى عددٍ من الأمور تجلَّت في ثنايا التفسير كله وهي التاريخ الفكري والثقافي لسيد قطب، واشتهاره بممارسة النقد الأدبي تنظيرًا بكتابه الرائد (في أصول النقد الأدبي) من جانب، وتطبيقًا بدراسته عن كثير من الآباء الذين أسهموا بكثير من أعمالهم الأدبية شعرًا أو روايةً.. إلخ.

 

كما أنه شاعر كان قريبًا من الأصوات الوجدانية (الرومانسية) في تاريخ الحركة الشعرية في مصر، ومشايعته للعقاد، وانتصاره له أمرٌ معروفٌ متداول.

 

هذا كله بالإضافة إلى اللغة البيانية الرائعة التي كَتَبَ بها تفسيره، لدرجة يمكن القول معها: إنَّ تفسير قطب أو وقفاته وخواطره التي سمَّاها (في ظلال القرآن) يمكن أن تعد نصًّا أدبيًّا له عناصره الشعرية أو الأدبية، من مجازٍ وتصوير وخيال.. لكننا مع إقرارنا ببروز هذه السمة الأدبية الطاغية على التفسير إلا أننا نرى أن نصنفه تحت قسم جديد هو قسم "التفسير الحركي".

 

ونقصد بهذا المنهج قراءة النص الكريم وبيان ما فيه أو تفسيره في ضوء الهد