- الإمام المودودي: ليلة إعدام الشهيد سيد قطب شعرت باختناقٍ حقيقي

- د. جابر قميحة: أستاذ جيلنا بكامله وتعلمنا منه الكثير

- د. إبراهيم عوض: يكفي أنه لم يتراجع عن آرائه وأقدم على الشهادة في صبر وثبات

 

إعداد- عمرو محمود

في كتابه عن أعلام المراكز الإسلامية المعاصرة ينقل المستشار عبد الله العقيل روايةً عن الشيخ خليل الحامدي- سكرتير الإمام المودودي- هذا نصها: "غداة تنفيذ حكم الإعدام في الشهيد سيد قطب دخلنا على المودودي في غرفته، وكانت الصحافة الباكستانية قد أبرزت الخبر على صفحاتها الأولى فقصَّ علينا الإمام المودودي هذه القصة: "فجأةً أحسستُ باختناقٍ حقيقي، ولم أُدرك لذلك سببًا، فلمَّا عرفتُ وقتَ إعدام الشهيد سيد قطب في الصحافة أدركت أنَّ لحظة اختناقي هي نفس اللحظة التي شُنِق فيها سيد قطب".

 

ويقول الدكتور أحمد عبد الحميد غراب: "لا ندَّعي العصمة للشهيد سيد قطب ولا لغيره من العلماء والدعاة المسلمين، فكلٌّ يؤخذ من كلامه ويرد إلا المعصوم- صلى الله عليه وسلم- ونحن لا نُقدِّس الشهيد، ولكن نقدره ونوفِّيه حقَّه، ولا نتجنَّى عليه ولا نطعن فيه، وما أضيعَ أمة لا تعرف حق علمائها العاملين وشهدائها المجاهدين، وهم الذين قال فيهم: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ (محمد: من الآية 4).

 

أستاذ جيل بكامله

 

أ. د. جابر قميحة

الدكتور جابر قميحة- أستاذ الأدب والنقد بجامعة عين شمس- يقول: كان الشهيد سيد قطب (رحمه الله) من أبرز النقاد ومنظِّري الأدب في العصر الحديث؛ حتى إنه- وهو طالب في كلية دار العلوم- ألقى محاضرةً بعنوان "مهمة الشاعر في الحياة" وطُبِعت بعد ذلك في كتاب، وقدَّم لها أستاذُه الدكتور مهدي علام- رحمه الله- الذي تنبََّأ في هذه المقدمة أنَّ سيد قطب سيكون من أعظم كُتَّابِ هذا العصر.

 

ويضيف الدكتور جابر قميحة: لقد تتلمذنا على كتب الشهيد سيد قطب ومنهجه النقدي، وكانت كتبه تمثل السراج للشباب بجانب كتب الإمام "البنا" و"أبو الحسن الندوي".

 

ويشير إلى منهجه الفريد في تفسيره الرائع "في ظلال القرآن"، الذي استطاع فيه أن يبرز القيم الإنسانية الإسلامية العليا في أداءٍ تعبيريٍّ أخَّاذ، متفاديًا الخلافات الفقهية والتاريخية.. لذلك كان تفسيره اسمًا على مسمًّى.

 

تجاهل مشروعه النقدي

ويتأسَّف الدكتور جابر قميحة على حال النقاد اليوم، الذي كتبوا عن كل من هبَّ ودبَّ، وأسقطوا اسم سيد قطب من قائمة النقد الأدبي، مع أنه الأعلى قائمةً، والأسلم منهجًا، والموسوعي فكرًا وعلمًا.

 

ويضيف: ومن الظلم الشديد الذي تعرَّض له الشهيد سيد قطب اتهامُه بزرع فكرة التكفير وهو منها براءٌ، وهو في ذلك مثل الشهيد عبد القادر عندما حُكم عليه هو وإخوانه بالإعدام وصدر تصريحٌ رسمي من هيئة كبار العلماء بأن هؤلاء يستحقون القتل؛ لأنهم يحاربون الله ورسوله، وجزاء هؤلاء معروف!! وبعد أن انتهى حكم عبد الناصر أكد العلماء المعتبرون العدول أنَّ هؤلاء قُتلوا ظلمًا وعدوانًا، وما جاء هذا الرأي إلا بعد تغير الأحوال والظروف.

 

طراز فريد بين الأدباء

الدكتور إبراهيم عوض- أستاذ النقد الأدبي بكلية الآداب بجامعة عين شمس- يرى أنَّ الشهيد سيد قطب كان طرازًا فريدًا بين الكتَّاب والأدباء، لا يملك الواحد إلا أن يحترمه، سواءٌ وافقه أو خالفه على رأيه؛ حيث لم يعرف منه- رحمه الله- أنه تزلَّف إلى أحد من أصحاب الأمر والنهي ولا نافق أحدًا في موقف من المواقف، بل لقد بلغت صلابتُه في الرأي والعقيدة أنه لم يفكر في التراجع عن آرائه عندما صدر ضده حكم الإعدام في عام 1966م، وكان في إمكانه أن يبديَ شيئًا من المرونة لينقذ رقبته.. لكنه لم يفعل، مع أن البشر بحكم طبيعتهم يتمسكون بالحياة.

 

أما بالنسبة لمكانته في دنيا الأدب والنقد والفكر الإسلامي فالمعروف أنه كان- رحمه الله- شاعرًا كبيرًا وله ديوان شعر وإن لم يحظ هذا الجانب بما يستحقه من دراسات، كما كتب بعض الروايات، مثل: المدينة المسحورة، وأشواك، وكذلك كتب- رحمه الله- سيرته الذاتية في كتاب بعنوان "طفل من القرية"، وهي عمل مهمٌّ لمَن يحاول التعرف على الجو الثقافي والاجتماعي في الريف المصري.

 

وفي مجال النقد يؤكد د. إبراهيم عوض أن المرحوم سيد قطب كان الناقد الأول عن جدارةٍ واستحقاق بما كتبه في مجلة الرسالة، وقد تجلت عبقريته الفذة في النقد الأدبي من خلال كتابيه "مشاهد القيامة في القرآن"، و"التصوير الفني في القرآن"، وهما الكتابان اللذان تدرَّب فيهما قلمه على السياحة في كتاب الله، ولما اكتملت لديه القوى الكافية أخرج لنا كتابه الفريد في التفسير "في ظلال القرآن" الذي شرَّق وغرَّب وفاقَ التفاسير الأخرى الموجودة.

 

ودافع الدكتور إبراهيم عوض عن الشهيد سيد قطب فيما كتبه د. النديهي في كتابه "ثقافة الناقد الأدبي" الذي اتهم فيه سيد قطب بأنه لا يجيد لغةً أجنبيةً؛ ولذلك لا يستطيع أن يكون ناقدًا، وردَّ عليه عوَض بأن النديهي نفسه لا يمكنه الإحاطة بلغات أجنبية كثيرة، فهل هذا يجعله لا يصلح أن يكون ناقدًا؟!

 

كما كتب عنه في كتبه (فصول من النقد الأدبي) و(من الطبري إلى سيد قطب.. دراسة في مناهج التفسير ومذاهبه)، وحلل فيها نتيجةَ تناول كتاب الله الجديد الذي جاء به، كما ناقش بعض القضايا التي أثارها، مثل شدته في نداء الأمة إلى النهوض، رغم أن الأمة نائمة فعلاً، ويرى الدكتور إبراهيم عوض أنَّ الشهيد سيد قطب كان يحمل هم الأمة النائمة كلها، رحمه الله رحمةً واسعةً.