- غياب الثقة بين الكيانات السياسية أضاع فرصًا كثيرةً للمصالحة

- فتوى واحدة من القيادات الدينية قادرةٌ على وقف النزيف في العراق

 

بغداد- عبد الرزاق سعود

الدكتور حارث العبيدي أحد أساتذة كلية التربية بجامعة بغداد في قسم اللغة العربية، وكان أحد أعضاء جبهة التوافق العراقية، التي من خلالها حصل على مقعدٍ تحت قبة البرلمان العراقي.

 

وفي الفترة الأخيرة تعاقبت العديد من الكوارث والويلات على المواطن العراقي وفي مقدمتها تصاعد العنف الطائفي والموجه في أغلبه للسنة على يد الميليشات وفرق الموت إلى جانب النوايا الانفصالية للأكراد والشيعة والتي عبَّرت عن نفسها في تهديدات رئاسة كردستان بالاتفصال بسبب الخلاف مع الحكومة العراقية حول المسئولية عن حقولِ النفط إلى جانب محاولات الشيعة تمرير مشروع قانون يُمهِّد لفصل المناطق الجنوبية استنادًا إلى مبدأ الفيدرالية، وجرَّاء ذلك برَزَت على الساحةِ السياسية أسئلةٌ واستفساراتٌ تبحث عن إجاباتٍ واقعيةٍ، بعيدًا عن الخيال والأحلام، فكان لنا معه هذا الحوار:

* سمعنا الكثير عن مشروع المصالحة.. ماذا تعنون بالمصالحة؟! ومع مَن تتصالحون؟!

** في بادئ الأمر يجب أن نعرف أن مشروع المصالحة ليس الحل الوحيد، بل هو أحد المشاريع التي نسعَى من خلالها إلى تحقيق الأهداف المرجوَّة، والمصالحة هو المصطلح الذي اعتمدناه للقضاء على الطائفية والعنف الطائفي الدائر بين أبناء الشعب الواحد.

 

* ذكرت الأهداف المرجوَّة.. هل تعتقد أن هذا المشروع سيحقق أهدافكم المرجوَّة؟!

** ليست هناك مشكلةٌ ليس لها حلٌّ، ومشكلةُ العراق هي ما حلَّ به من فلتانٍ أمنيٍّ, وتدهورٍ  اقتصاديٍّ، ودمارِ البُنَى التحتية، والعراق ليس البلدَ الوحيدَ بين بلدان العالم الذي أصابته النكباتُ وما نتج عن الحروب أو الاضطرابات الأمنية والانقلابات العسكرية، وقد تمَّت معالجةُ ذلك بمرور الزمن.

 

وعلى الرغم من أن العراق تعرَّض لمصائب كبيرة لكن لا بد من أن يأتي اليوم الذي تنتهي فيه  كلُّ هذه المصائب، وبما أن هذه المصائب كبيرة فلا بدَّ لها أيضًا من وقتٍ وجهودٍ كبيرةٍ وجبَّارةٍ تتناسب وحجمها، وكذلك لا بد من تضافُر هذه الجهود من قِبَل جميع الأطراف والأطياف القوية وذات الثقل الجماهيري.

 

وأهداف المصالحة لن تتحقق إلا بوجود عزيمة قوية من قِبَل جميع الأطراف، شعبًا وقياداتٍ وشجاعةً وصراحةً، وبتقبُّل النقد البناء والطرح الصريح.. إذا توافرت كل هذه الأمور باعتقادي أن هذه المشكلة ستُحَلُّ.

 

ملامح المشروع

* وما ملامح مشروع المصالحة؟

** مشروع المصالحة فيه عدة قنوات تصبُّ في هدفٍ واحدٍ، هو تحقيق الصلح والوفاق بين أبناء الشعب العراقي كافةً، والقناة الرئيسة تتمثل في الأطراف السياسية، وقد تم تشكيل لجنة ضمت أعضاءً من الحكومة ومجلس النواب، وفي الوقت نفسه هناك لجنةٌ برلمانيةٌ سُمِّيَت باللجنة البرلمانية للحوار الوطني انبثَقت عن مجلس النواب فقط ضمَّت في عضويتها شخصياتٍ من جبهة التوافق والائتلاف، وعقدت هذه اللجنة عدةَ اجتماعات طَرحت فيها قضايا تخصُّ مشروع المصالحة، وحدَّد المجتمعون المبادئَ الخاصةَ بالمشروع والآلية والأهداف، وتوصلوا إلى رسم طريق المصالحة، ووضعوا لائحةً أثبتوا فيها بنودًا عديدةً، تم الاتفاق عليها من حيث المبدأ، والأمر الآن معلَّقٌ على موافقة مرجعيات هذه الأطراف المجتمعة (السياسية والدينية).

 

* نعيد السؤال نفسه.. هل سيحقق المشروع أهدافه؟

** مبدئيًّا نحن متفائلون في إمكانيةِ نجاح هذه المبادرة؛ لأننا لاحظنا الإقبالَ الشديدَ، والاستعدادَ التامَّ، والعزيمةَ على تحقيق الهدف، وهذه الأمور قد اتَّسم بها جميعُ الأطراف المجتمعة، بصورةٍ أوضح قد اجتمعت هذه الأطراف المعنية بشكلٍ خاصٍّ من أجل المصالحة، وأجمعوا على تحقيق الأهداف على أرض الواقع.

 

* هل تعتقد أن خطة بغداد الأمنية ستقوّض أعمال العنف فيها؟!

** أعتقد أن الخطة الأمنية ونجاحها لا يقتصر على جهود الجبش والشرطة فقط، بل إن مفتاح المشكلة بيدِ السياسيين أنفسهم، فيجب أن تحل المشكلات والخلافات بين السياسيين قبل كل شيء، فكلنا يعرف أن تسليح الأجهزة الأمنية غير كافٍ، فضلاً عن وجود مظاهر مسلَّحة عديدة غير رسمية، منها الميليشيات المسلَّحة التي ترتبط بكيانات سياسية مشاركة في العملية السياسية، وهذا يحتاج إلى أن يجتمع السياسيون ويتفقوا على كثير من القضايا.

 

حل الميليشيات

* ماذا تقصد بأن يتفقوا على كثير من القضايا؟

** من القضايا التي يجب أن تعطَى أولويةً في المعالجة هي قضية حل الميليشيات المسلَّحة، وكذلك الاتفاق على إدانة ومحاربة جميع العمليات الإجرامية التي تستهدف الأبرياء من الشعب.

 

* برأيك بِمَ تبدأ خطوات الحل المناسب لتحقيق ذلك؟

** الحل بشكلٍ رئيسي سياسي يعود إلى القادة السياسيين، وهناك القيادات الدينية التي لها الأثر الكبير والقدرة على الإسهام في إيقاف الأعمال التخريبية والإجرامية، وللأسف الشديد إلى الآن لم تجتمع الأطراف الدينية على طاولة واحدة، وتعلن صراحةً تحريمَ الدم العراقي أو تعقد ميثاق شرف، ومما لا ريبَ فيه أن المجتمع العراقي متديِّنٌ ويكنُّ الاحترام والطاعة للقيادات الدينية.

 

وأنا باعتقادي لو اجتمعت القياداتُ الدينية المختلفة وأصدرت فتوى صريحةً وواضحةً تحرِّم الاعتداء على الأرواح والأموال والممتلكات مع اجتماع السياسيين واتخاذ الإجراءات الحازمة والصارمة واتفاقهم على المبدأ نفسه الذي اتفقت عليه القياداتُ الدينية فإن ثلاثة أرباع المشكلة ستُحَلُّ، وبعد هذا كله يتم اعتماد الحلول العسكرية من خلال توفير الأسلحة والآليات التي تساعدها على حماية نفسها وردْع المتمردين والخارجين على ما اجتمعت عليه القيادات الدينية والسياسية، وهنا ستُؤتي الخطة الأمنية أكُلَها الطيبة وثمارَها المرجوَّة.

 

* بما أنكم تعرفون أسباب المشكلات وسبل علاجها.. فلماذا لم تتم معالجة المشكلات إلى اليوم؟

** سأكون صريحًا معك؛ فإن البرلمان يتكون من كُتَل وأحزاب سياسية كثيرة تمثل أطرافًا وائتلافاتٍ، وإن هذه الكُتَل لا يثِق بعضها بالآخر، وترى كل فئة لا تثق ومتخوِّفة من الأخرى ولها رؤية وفكرة سيئة عن الغير، وهذا في حدِّ ذاته مشكلة، فكيف يمكن لهذه الفئات المتناحرة أن تجتمع وتكوِّن رؤيةً واحدةً وحلاًّ واحدًا متفقًا عليه.

 

لكن ما أريد أن أوضحَه أن هذه الهوَّة الكبيرة بين الكتل بدأت تضمَحِلُّ شيئًا فشيئًا، وعندما تكون الثقة بين الفئات حاضرةً فأعتقد أنه ستكون هناك نتائجُ مثمرةٌ وكبيرةٌ ستتحقق على أرض الواقع، وأنا قد لمست هذا التحسُّن بيدي، فقد أصبحت لي علاقاتٌ مع أطراف من الائتلاف حميمة أكثر مما لديَّ مع جبهة الحوار أو أني قد لا أعرفهم أصلاً على سبيل المثال.. إذن فهذا يدعونا إلى تقريبِ الرؤى والأفكار في مستقبلٍ قريبٍ إن شاء الله.

 

* وكيف سيتم التعامل مع الميليشيات المسلَّحة؟

** لقد تناولنا في مشروع المصالحة إمكانية حلِّ هذه الميليشيات، ولكن هناك مَن يعتبرها مناضلةً ولا يجب أن تظلَم على أساس أنها اضطُّهِدَت في السابق وهُمِّشَت، وبرغم هذا كله   فالعقل والواقع يقول: يجب أن تُبنَى الدولة على مبدأ إشاعة القانون، ويجب أن تزال جميع أنوع التسلح غير الحكومي، ومع هذا كله فقد تدمج هذه الميليشيات بالمؤسسات الحكومية.

 

* ماذا عن التصريحات الحكومية التي سمعناها عن مشاورات مع جماعات مسلَّحة؟

** هذا ما صرَّح به رئيسُ الجمهورية، ولكن إلى الآن أنا شخصيًّا لم أسمع أية تفاصيل أخرى من جهاتٍ مسلَّحة واضحة بعنوانها أو تصريحات مفادُها وجودُ حواراتٍ مع الحكومة.