أثار الهجوم الذي شنه الرئيس اللبناني مشيل عون على الدولة العثمانية عاصفةً من الغضب العارم بين فئات كثيرة داخل لبنان وخارجها، خصوصًا وأن هذا التطاول من جانب "عون" يأتي بعد أسبوع واحد فقط من الزيارة التي قام بها السيد مولود تشاووش أوغلو، وزير الخارجية التركي، لبيروت.

وكان الرئيس اللبناني - الذي ينتمي إلى الطائفة المسيحية - قد هاجم الدولة العثمانية في عدة تغريدات على موقع "تويتر" بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس لبنان.

"عون"  زعم  في إحدى التغريدات  أن  "كل محاولات التحرر من النير العثماني كانت تقابل بالعنف والقتل وإذكاء الفتن الطائفية. إن إرهاب الدولة الذي مارسه العثمانيون على اللبنانيين خصوصًا خلال الحرب العالمية الاولى، أودى بمئات آالاف الضحايا ما بين المجاعة والتجنيد والسخرة".

ولقيت تغريدة الرئيس اللبناني تفاعلاً واسعًا حول السبب الذي غرد من أجله عون، وعن غياب ذكره الاحتلال الفرنسي لبلاده، مذكرين بأن الذين قصفوا لبنان هم الصهاينة وليس العثمانيين، هذا التطاول والتجريح من جانب "عون" دفع نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي إلى إطلاق وسم (#أيام_العثمانيين)، قارنوا فيه بين حال لبنان في عهد الدولة العثمانية وحاله اليوم؛ الذي يعاني فيه من التمزق والطائفية، وتنصيب الصغار أعلى مناصب الدولة.

وتنسجم تصريحات "عون" مع توجهات تحالف الثورات المضادة؛ الذي تقوده السعودية والإمارات ومصر والبحرين، مدعومين من الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية، وذلك لأسباب تتعلق بدعم تركيا ثورات الربيع العربي والدعم القوي لقطر ضد الحصار الظالم الذي فرضه تحالف الشر العربي، إضافةً إلى موقفها القوي من مقتل الصحفي جمال خاشقجي، وتقديم أدلة دامغة على تورط ولي العهد السعودي في الجريمة الوحشية.

كما يأتي تطاول "عون" على الدولة العثمانية في ظل هجمة إعلامية شرسة يقودها تحالف الشر العربي ضد تركيا؛ حيث تعتمد على نشر الأكاذيب وتحريف الحقائق التاريخية من خلال وصفها الإمبراطورية العثمانية بـ"دولة داعش الأولى".

نعرة طائفية

بدورها نشرت هيئة علماء المسلمين في لبنان بيانًا اعتبرت فيه أن "ميشال عون حرف الحقائق وأساء لموقع الرئاسة"، وأضافت أن "خطاب الكراهية الذي افتُتحت به احتفاليات الذكرى المئوية لإعلان لبنان الكبير، قد أساء لهذه المناسبة الوطنية ولموقع الرئاسة، فضلاً عن انتهاكه مقتضيات الحقيقة والعدالة"، متهمة الرئيس اللبناني ميشال عون "بإثارة النعرات الطائفية".

ويعلق الباحث والمحلل السياسي الموريتاني محمد المختار الشنقيطي على تغريدات "عون"، مؤكدًا أن “اتهام (الرئيس اللبناني) ميشال عون الدولة العثمانية بالإرهاب، جاء ضمن حالة انكشاف الروح الطائفية الأقلَّوية العميقة في المشرق العربي، وانفضاح خطابها الاستعلائي العنصري"، وأضاف الشنقيطي في تغريدة على حسابه الرسمي في “تويتر”، أن "البعض يفكر بعقلية القلعة الصليبية المتعالية على محيطها، في الوقت الذي يحلم فيه أن يكون قائدًا للعرب بعد تجريدهم من الإسلام".

ولفت الشنقيطي إلى أن "هذه الطائفية ليست جديدة على ميشال عون، الذي كان يصافح جيش الصهاينة يوم اقتحامهم بيروت عام 1982، وكان منذ شهور يشكر بوتين على مذابحه البشعة في سوريا، التي يرى عون أنها حماية لمسيحيي الشرق".

الجماعة الإسلامية: الإرهاب كان فرنسيًّا

وانتقد رئيس المكتب السياسي للجماعة الإسلامية في لبنان (ممثل الإخوان) عماد الحوت هذيان الرئيس اللبناني، وأكد - في بيان للجماعة - أن "الدولة العثمانية هي جزءٌ من تاريخنا الذي نعتز به ونفتخر، وأقامت حضارةً احترمها القاصي والداني في تلك الأيام"، مؤكدًا أن الدولة العثمانية لم تكن يومًا دولة إرهابية أو دولة احتلال، والإرهاب الحقيقي في ذاك الزمان كان الاحتلال الفرنسي، الذي انتفضت في وجهه جميع المكونات اللبنانية، فكانت ثورة الاستقلال التي نحتفل بها كل عام، وشدد البيان على أن بناء الوطن لا يكون بتشويه تاريخه واتهام الدولة العثمانية بالإرهاب، وإنما بالجد في تأمين مقومات النهضة والازدهار".

واعتبر الشيخ أسامة حداد، المفتش العام للأوقاف الإسلامية بلبنان، تصريحات الرئيس اللبناني تطاولاً بلا دليل أو بيّنة، نافيًا أن تكون "الدولة العثمانية دولة محتلة للبنان، بل كانت تحكم هذه البلاد كونها بلادًا واحدة"، لافتًا إلى أن عدد المسيحيين في لبنان في عهد الخلافة العثمانية كان أكبر من عددهم اليوم، متسائلاً: من الذي تسبب في تهجيرهم بعد إسقاط الخلافة العثمانية؟

رفض تركي

وأعرب متحدث حزب العدالة والتنمية التركي (الحاكم)، عمر جليك، عن رفضه هذه التصريحات، مضيفًا أن "الرئيس اللبناني يقول إن الدولة العثمانية مارست إرهاب دولة على اللبنانيين، ونحن بدورنا نتساءل ما إذا كانت هذه التصريحات إشارة إلى عدد من البلدان التي اتبعت مقاربات سلبية تجاه الإمبراطورية العثمانية في مناهجها المدرسية"، وتابع جليك: "لأنه لا معنى للإدلاء بهذا التصريح الذي لا أساس له من الصحة، فالتصريح لا ينعكس بالفائدة على العلاقات اللبنانية التركية ولا ينسجم مع الحقائق التاريخية"، وطالب جليك لبنان باتباع نهج من شأنه تعزيز علاقاته مع تركيا، بدلاً من التصريحات التي تقوض تلك العلاقات.

من جانبها، أدانت وزارة الخارجية التركية في بيان لها هذا التطاول من جانب عون حول الحقبة العثمانية في لبنان، واحتوى البيان التركي على عدة مضامين مهممة، منها:
1)  الإدانة بأشد العبارات والرفض الكلي لتصريحات الرئيس اللبناني واعتبرته مؤسفًا للغاية وغير مسئول وتضمن إشارات كيدية مغرضة.
2)  الجمهورية التركية تفتخر وتعتز بكونها وريثة الإمبراطورية العثمانية، ولا يوجد "إرهاب دولة" في تاريخ الإمبراطورية العثمانية.
3)  تأكيد أن العهد العثماني كان عهد استقرار في الشرق الأوسط دام طويلاً؛ حيث ساد التعايش المشترك بين المتجتمعات المختلفة دينيًّا ولغويًّا في أجواء ملؤها التسامح.
4)  عقب الحرب العالمية الأولى انقسمت هذه المنطقة إلى مناطق نفوذ استنادًا إلى "سايكس بيكو"، ولم تنعم بالسلام مرة أخرى، وإن بذور المشاكل والفوضى الحالية في المنطقة حاليا زُرعت في تلك الفترة.
5)    قيام الرئيس عون بتحريف التاريخ من خلال الهذيان، وتجاهله كافة الأحداث التي وقعت في عهد الاحتلال الذي يعد مصدرًا لكافة المصائب التي نراها اليوم، ومحاولته تحميل مسئولية هذه الأمور للإدارة العثمانية، ما هو إلا تجلٍّ مأساوي لحب الخضوع للاحتلال، وهذه المقاربة التي تفتقر إلى الوعي لا ولن تلقى ما يقابلها في المفهوم الموضوعي للتاريخ ولا في ضمائر شعوب المنطقة.

حقائق دامغة

وبحسب المؤرخ اللبناني اللبناني خالد الجندي - في تصريحات لوكالة "الأناضول" التركية - فإن الدولة العثمانية (1299: 1923) طورت العمران في لبنان، وأنشأت كنائس عديدة، ولم تفرق بين الديانات والطوائف، على عكس الاحتلال الفرنسي والأوربي عامة، وأضاف أنه في زمن السلطنة (العثمانية) كان يوجد تعايش بين جميع الطوائف، وكان العثمانيون يعاملون الجميع بمساواة. وأن السلاطين العثمانيين أصدروا فرمانات بإنشاء العديد من الكنائس في لبنان، بينما عمل الاحتلال الفرنسي والأوربي عامة على التمييز والتفرقة بين الديانات والمذاهب في لبنان، وتدمير الإرث العثماني في المنطقة، ونهب كل خيراتها.

وأوضح الجندي أن السلطنة العثمانية اهتمت بتطوير الحياة والعمران في لبنان، بما فيها خط سكك الحديد ودور العبادة لمختلف الطوائف والمذاهب، والمدارس والمقار الحكومية والمصانع.