تشن الحكومة الصينية حملة اعتقالات غير مسبوقة منذ سنتين بحق الأقلية المسلمة في إقليم "الإيجور" شمال غربي البلاد، وتزج بمئات الآلاف في شبكة واسعة من السجون والمعتقلات في منطقة "سنجان شنجيانغ"، وإلى جانب الاعتقالات الواسعة شيدت الصين شبكة واسعة من معسكرات إعادة التأهيل، فضلاً عن نظام استطلاع واسع النطاق لرصد وقمع ملايين الأقليات المسلمة.

وتؤكد صحيفة "نيويورك تايمز" - في تقرير نشرته أول أمس الأحد - أن الحكومة الصينية اتجهت إلى وسيلة أكثر قسوة (ملء السجون في شينجيانغ) لفرض سيطرتها وإكراه المسلمين على الانصياع لرغبات الحكومة المركزية في بكين، في إشارة إلى تكثيف الإجراءات الرامية لرد المسلمين عن دينهم.

قفزة في أعداد السجون

ووفقًا لـ"نيويورك تايمز"، فإن السجون الضخمة تقف محيطة بالبلدان والمدن في جميع أنحاء شينجيانغ، وكثير منها حديث التشييد، كما تضاعفت ميزانية إدارة السجون الإقليمية تقريبًا في عام 2017م، وتوسعت العديد من السجون في شينجيانغ، بحسب ما تظهره إعلانات البناء المتوفرة عبر الإنترنت.

على جانب آخر، فإن تقارير أصدرتها إذاعة "آسيا الحرة" (وهي خدمة إخبارية مقرها واشنطن تقدم تقارير مكثفة عن شينجيانغ من خلال خدمتها بلغة الإيجور) تحدثت عن قطارات مليئة بالمحتجزين الذين يجري شحنهم من المنطقة إلى السجون الواقعة في أجزاء أخرى من الصين.

وكشفت تحليلات صور الأقمار الصناعية من 23 موقعًا للسجون المحتملة في شينجيانغ - والتي حددها شوان تشانغ، الحاصل على شهادة القانون من كندا بتخصص في دراسة تعزيز الأمن في المنطقة - عن وجود مرافق احتجاز مشددة، وتشمل خصائصها العديد من الجدران والأسوار وأبراج مراقبة طويلة ومباني حراسة، مع إمكانية الوصول إلى الجدران، وشُيد تسعة من المواقع منذ عام 2016، فضلاً عن توسيع 12 منشأة بنيت سابقًا بضم مبان جديدة في ذلك الوقت.

معسكرات إعادة التأهيل

وعلى جانب آخر، يثير العدد المتزايد في السجون تساؤلات حول الاعترافات الأخيرة لمسئولي شينجيانغ بأن معظم السجناء في معسكرات إعادة التأهيل - وهو نظام منفصل للاعتقال - أُطلق سراحهم، وينفي نشطاء الإيجور هذه المزاعم، مؤكدين أن حكومة الصين ماضية في مخططات القمع الوحشي دون هوادة.  
وصرح مواطنو الإيجور الذين يعيشون في الخارج في حديث أجري مع صحيفة "نيويورك تايمز" بأن نسبة كبيرة من الأشخاص المحتجزين في معسكرات إعادة التأهيل ينتهي بهم المطاف في السجون، مستشهدين برسائل من الأقارب الذين ما زالوا في شينجيانغ، وقالوا: إن المحتجزين اعتقلوا وأدِينوا بعد أن قرر المحققون في المخيمات أنهم ارتكبوا جرائم وأرسلوا بهم للتحقيق الجنائي.

وعلى عكس معسكرات إعادة التأهيل، يتطلب السجن إجراءً قضائيًّا، مهما كان سريعًا وفجًّا، بما في ذلك الحكم بالإدانة والعقوبة الجنائية.

وتخضع السجون لحراسة مشددة أكثر من معسكرات إعادة التأهيل، ومن المتوقع أيضًا أن يخضع السجناء للتلقين العقائدي.

خطة شيطانية وأرقام مفزعة

وتناول تقرير الصحيفة الأمريكية الإجراءات التي تقوم بها الحكومة الصينية لضمان ولاء المسلمين للحزب الشيوعي الحاكم، وسلطت الضوء على لغة الأرقام التي تؤكد عمليات السحق المتواصل.

أولاً: في سبيل تحقيق أهداف الحكومة الصينية تم تسييس القضاء من أجل المشاركة في هذه الجريمة المروعة، وحثت الحكومة المدعين العموميين والقضاة على العمل يدًا بيد كجزء من حملة "اضرب بقوة"؛ للقضاء على الهجمات العرقية والمقاومة، ووفقًا لتحليل نشرته الصحيفة الأمريكية للبيانات الرسمية التي لم يسبق نشرها، فرضت المحاكم في منطقة شينجيانغ، حيث تشكل الأقليات المسلمة من الإيجور والكازاخ أكثر من نصف السكان، أحكامًا بالسجن أو عقوبات أخرى على إجمالي 230 ألف شخص في عامي 2017 و2018، وهي عقوبات تتخطى أي فترة أخرى مسجلة للمنطقة منذ عقود.

وخلال عام 2017 وحده، أصدرت محاكم شينجيانغ أحكامًا على حوالي 87 ألف مدعى عليهم بالسجن لمدة خمس سنوات أو أكثر، وهي أحكام أكثر بعشر مرات من الأحكام الصادرة في العام الذي يسبقه، كما زادت الاعتقالات لثمانية أضعاف، والملاحقات القضائية لخمسة أضعاف.

ثانيًا: تؤكد البيانات الأخيرة النتائج التي توصلت إليها مجموعة من المدافعين عن حقوق الإنسان في الصين بالعام الماضي، وهي مجموعة مناصرة، أن واحدًا من كل خمسة اعتقالات في الصين في عام 2017 وقعت في شينجيانغ، ووفقًا لكتاب سنوي إقليمي رسمي صدر مؤخرًا، صدق المدعون العموميون في شينجيانغ على ما يقارب 23 ألف عملية اعتقال في ذلك العام، أي أكثر من ثمانية أضعاف ما كان الوضع عليه قبل عام.

وفي عام 2018، صدقوا على 114.023 عملية اعتقال إضافية بحسب تقرير سنوي صادر عن مكتب الادعاء الإقليمي، وكان إجمالي عدد حالات الاعتقال خلال هذين العامين أعلى بنسبة 70% من الإجمالي التراكمي طوال السنوات العشر السابقة.

ثالثًا: أطلق سراح عدد قليل من المتهمين لثبوت براءتهم وفق محاكم حكومة الصين. فوفقًا لحولية القانون الصيني، أنهت محاكم شينجيانغ النظر في 147272 قضية جنائية في عام 2017، بزيادة أكثر من أربعة أضعاف عن العام السابق. أما في العام الماضي، نظرت المحاكم في 74348 قضية، وأعلنوا براءة 22 شخصا فقط. وفي عام 2018، فرضت محاكم شينجيانغ عقوبات جنائية على 133198 شخصًا، حتى أكثر من العام السابق، ويواجه الكثير من المدانين عقوبات تصل لسنوات عدة في السجن.

رابعًا: يتلقى البعض أحكامًا بالإعدام، على الرغم من أن العدد غير معروف علنًا؛ حيث تواصل الصين سياسة التعتيم ولا تصدر إحصاءات بشأن عمليات الإعدام، والتي تقدر جماعات حقوق الإنسان الدولية أنها تتجاوز أي دولة أخرى.

تهم واهية ومحاكمات جماعية

وتنقل "نيويورك تايمز" عن خبراء ومدافعين عن الحقوق ونشطاء الإيجور في المنفى، أن الاعتقالات غالبًا ما تستند إلى تهم واهية أو مبالغ فيها، كما أن المحاكمات تكون روتينية، مع احتمالات صدور أحكام بالإدانة على الأغلب، وما إن يصدر الحكم حتى يواجه السجناء انتهاكات محتملة، فضلاً عن الأشغال المضنية داخل مرافق مكتظة ومعزولة.

يقول دونالد سي كلارك، الأستاذ بكلية الحقوق بجامعة جورج واشنطن والمتخصص في القانون الصيني: "ما نراه هو بوضوح قفزة مذهلة في الأرقام. فحتى لو أراد قاضٍ في شينجيانغ منح المدعى عليه جلسة استماع منصفة، من المستحيل تخيل أن مثل هذا الأمر سيكون ممكنًا".

ويضيف البروفيسور كلارك - الذي كتب عن الاعتقالات الجماعية في شينجيانغ -: "إن لم يخضع المعتقلون لمحاكمات جماعية، فإن ما هم بصدده يصبح، بصفة أساسية، مجموعة من القضاة يقدمون مستندات فارغة إلى الشرطة أو المدعين العامين حتى يتمكنوا من ملء فراغاتها".

في ضوء ذلك يقول شون روبرتس، عالم الأنثروبولوجيا بجامعة جورج واشنطن المتخصص في شئون الإيجور الذين نجحت عقيدتهم ولغتهم التركية وتقاليدهم في عزلهم عن غالبية الهان في الصين: "يبدو الأمر وكأن جميع السكان يعامَلون باعتبارهم مذنبين حتى تثبت براءتهم. إذ لا تندثر معسكرات الاعتقال والسجون تلك، بل تقف بمثابة نذير في وجه السكان يذكرهم أن من الأفضل لهم أن يكونوا أكثر ولاءً للحزب الشيوعي".