التفجيران اللذان وقعا في غزة مساء الثلاثاء 27 أغسطس 2019م، جاءا في ظل أوضاع ملتبسة وتطورات إقليمية سريعة؛ حيث أسفرا عن استشهاد 3 من عناصر الشرطة الفلسطينية وإصابة آخرين في القطاع المحاصر.

وفي هذا التقرير نرصد أبرز الملاحظات والأهداف، في محاولة لقراءة الحادث من أبعاد مختلفة، ربما تسهم في معرفة الجهة التي تقف وراء الجناة وأهدافها الخبيثة من هذين التفجيرين الآثمين.

أولى الملاحظات أن هدف الجهة التي تقف وراء هذه التفجيرات هو ضرب حالة الاستقرار التي تتمتع بها غزة منذ سنوات، ومع عدم قدرة الاحتلال الصهيوني على حسم الصراع عسكريًّا، فإن أصابع مخابراته "الموساد" وأجهزته الأمنية الأخرى تعمل باستمرار على تفخيخ الأوضاع وإثارة الفلتان الأمني.

جرى ذلك من خلال عدة عمليات قذرة، مثل حادثة اغتيال القيادي في المقاومة "مازن فقهاء"، وحوادث تفجيرات نجح الأمن بغزة في إحباط جلّها، ولم تسفر عن أضرار كبيرة، وحادثة تفجير "موكب رامي الحمدلله"، رئيس حكومة السلطة، والتي كانت ضمن هذا السياق، بالإضافة إلى أحداث أخرى، منها محاولة اغتيال مسئول قوى الأمن الداخلي في القطاع "توفيق أبونعيم".

إذًا لم تتوقف الحوادث ولا المحاولات التخريبية، ولن تتوقف، ونجاح الاحتلال أو أية جهات مخابراتية أخرى في تجنيد أشخاص وخلايا من بعض تنظيمات المقاومة واستخدامهم في "أعمال قذرة"، تهدف إلى ضرب السلم المجتمعي، مع الحصار الاقتصادي لدفع المقاومة إلى الاستسلام والقبول بصفقة القرن الأمريكية؛ التي سيتم الإعلان عن تفاصيل شقها السياسي بعد انتخابات الاحتلال في 17 سبتمبر الجاري.

ثاني ملاحظة أنه لم تعلن أي جهة عن مسئوليتها عن التفجيرين، بينما قالت وزارة الداخلية بغزة: إن شخصين فجّرا نفسيهما بحاجزي الشرطة، وإن "التحقيق متواصل لمعرفة الجهات التي تقف خلفهما". إذًا التفجيران يهدفان إلى "ضرب الحالة الأمنية وخلخلتها في غزة، وغرضها أن تُحدث بداية فلتان أمني بغزة" بعد استقرار طويل منذ القضاء على عناصر محمد دحلان المتمردة في 2007م، وفرارها إلى سيناء أو إمارات خليجية ضالعة في تحالف الشر العربي (السعودية والإمارات ومصر).. و"التحقيقات تشير إلى أن ما تم كان سيتبعه عمليات شبيهة في مناطق مختلفة بغزة، وهذا يدل على أن حالة الاستقرار في غزة تزعج الاحتلال".

وبحسب "هنية" فإن "هناك معركة أمنية تحت الطاولة بيننا وبين الاحتلال، ولا تقل خطورة عن المعركة العسكرية، ولقد حققنا انتصارات في المعركة الأمنية مع العدو، كما حقق المجاهدون انتصارات عسكرية".

ثالثًا: كما تستهدف هذه التفجيرات التشكيك في قدرات الشرطة في غزة، والتي حققت نجاحات ملموسة في تحقيق مستويات عالية من الاستقرار ومواجهة الجريمة، ولذلك أعلنت قيادات بالشرطة عن إلقاء القبض على العقل المدبر من حي الشجاعية وتُجرى حاليًّا التحقيقات معه لمعرفة ملابسات الجريمة والجهات المتورطة، ثم الإعلان عن ذلك بعد انتهاء التحقيقات.

رابع ملاحظة تتعلق بمغزى التوقيت الذي وقع فيه التفجيران، وهو ما صرح به السيد إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، يوم الإثنين الماضي 2 سبتمبر الجاري، خلال حفل تأبين لشهداء التفجيرين، حيث وقعت الجريمة في وقت تشهد فيه العلاقة بين فصائل المقاومة الفلسطينية أوج مراحل التنسيق والتعاون والتفاهم والتكامل سياسيًّا، عبر مسيرات العمل الوطني وكسر الحصار، وميدانيًّا وعسكريًّا عبر غرفة العمليات المشتركة، وأمنيًّا عبر التعاون الأمني الوثيق بين الأجهزة الأمنية في وزارة الداخلية وأجهزة أمن فصائل المقاومة"، ولذلك فإن الهدف هو ضرب هذه العلاقة ووضع الجميع في دائرة الاتهام والشكوك.

خامسًا: كما وقعت الجريمة أثناء انشغال الاحتلال الصهيوني بانتخاباته الداخلية، في ظل منافسة شرسة يخشى رئيس الحكومة بنيامين نتياهو من خسارة المعركة، ولذلك يريد أن يحقق مكاسب سريعة خاطفة دون خسائر تذكر.

وبحسب "هنية" فإن الانتخابات الصهيونية "عنصر مهم يقف وراء هذه التفجيرات"، وأن "رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو يريد أن يدفع غزة بعيدًا عن التأثير على العملية الانتخابية"، وبحسب مراقبين فإن الكيان الصهيوني يسعى إلى تهدئة التوتر على حدوده مع قطاع غزة؛ كي لا يؤثر ذلك على حظوظ نتنياهو في الانتخابات الصهيونية المقررة الشهر الجاري؛ ولذلك جاء التفجيران بعد يومين فقط من عدوان الصهاينة على مواقع لحزب الله اللبناني والحشد الشعبي في العراق ومواقع في سوريا يقول الكيان الصهيوني إنها تابعة لإيران.

وبحسب "هنية" فإن المخطط من هذه الجريمة هو دفع غزة بعيدًا عن أي تفاعل إيجابي مما قد يحدث في الشمال"، في إشارة إلى التوتر بين حزب الله اللبنانية والكيان الصهيوني.

سادسًا: "دلالة التوقيت والسياق الإقليمي الذي حدث في التفجيرين يقول لنا بشكل واضح: إن المستفيد الأكبر من هذه التفجيرات الإجرامية هو العدو الصهيوني، وذلك من خلال فرض أولويات جديدة على فصائل المقاومة الفلسطينية على حساب الأولوية الرئيسية، وهي مواجهة الاحتلال والتصدي لسياساته، وضرب النسيج المجتمعي والجبهة الداخلية الفلسطينية للشعب الفلسطيني.

سابعًا: لكن أخطر ما في هذين التفجيرين هو أن الإشارات القادمة من غزة تشير إلى أن من يقف وراء هذه الجريمة فئة من أصحاب الفكر المنحرف لتنظيم "داعش"، هذا إلى جانب الإشارة إلى انتماء بعضهم - أو بعض رؤسائهم - إلى تنظيم فلسطيني مقاوم، وهو الأمر الذي ينبّه بدوره على خطورة تسلّل هذا الفكر إلى المجتمع الفلسطيني، واستحكامه فيه، وتمدّده داخل الفصائل الفلسطينية، في عمليات اختراق مُهلِكة ومميتة. ومعلوم أن الكيان الصهيوني قد حقق اختراقات واسعة في صفوف هذا التنظيم؛ ما يعني أن ما يعجز عنه الاحتلال بشكل مباشر وبآلته العسكرية الرهيبة؛ يمكن أن تقوم به هذه الذئاب الضالة من خلال تكفير الجميع واستحلال الدماء وتمزيق النسيج الوطني الفلسطيني وإشغال حركات المقاومة بنفسها بدلاً من مواجهة الاحتلال الصهيوني.

وبذلك يحقق الاحتلال جميع أهدافه بضربة واحدة، وهو ما يلقي مسئولية واسعة على جميع الفصائل الفلسطينية من أجل التوعية بخطورة أفكار الدواعش على القضية الفلسطينية ومستقبل المقاومة ضد عدو لدود يسعى بكل الوسائل للقضاء على مواطن المناعة والمقاومة في الجسد الإسلامي المريض والمنهك.