بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على سيدِنا محمدٍ، رسولِ السلامِ، ونبيِّ الإسلامِ، ورحمةِ اللهِ للعالمينَ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ والتابعينَ.. وبعدُ!!

 

فمرحبًا بكمْ ضيوفَنا الكرامَ صفوةَ رجالِ مصرَ ونسائِها، وشكرًا جزيلاً لكم على تشريفِكِمْ لنا وتلبيتِكمْ دَعوتَنا في حفلِنا السنويِّ في إفطارِ رمضانَ، آملينَ استمرارَ اللقاءاتِ، وتواصُلَ الحواراتِ؛ للاتفاقِ على المبادئِ المشتركةِ؛ لتحقيقِ الإصلاحِ لأمتِنا ووطننِا العزيزِ، وانتشالِهِ من وهدةِ التخلفِ إلى ذروةِ التقدمِ؛ حيثُ المكانةُ التي تليقُ بمصرَ العظيمةِ وشعبِها العظيمِ صانِعِ الحضاراتِ وقلبِ العالَمَيْن العربيِّ والإسلاميِّ.

 

أيها الإخوةُ الكرامُ والأخواتُ الفضلياتُ..

يُسعدُنا أن نُهنئَكُم بشهرِ رمضانَ المباركِ، شهرِ الصيامِ، شهرِ التقوى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183) الصيامُ عن المباحاتِ، بل عن الضروراتِ، ومراقبةُ اللهِ في السرِّ والعلَنِ؛ لتكونَ حافزًا للمرءِ حتى يصومَ عن الحرامِ، عن المالِ الحرامِ عن الغشِّ والتزويرِ، عن الكذبِ والخداعِ، عن العدوانِ على الحرياتِ، عن اغتصابِ الحقوقِ، عن البَطشِ والظلمِ، عن الأخلاقِ الحرامِ، كما أنَّ رمضانَ هو شهرُ نزولِ القرآنِ الذي جعلَهُ اللهُ منهاجًا لحياةِ المسلمين، يَهديْها ويُنيرُها ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ* يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (المائدة).

 

وهو شهرُ التكافلِ والتراحمِ والتكاملِ، شهرُ الصبرِ والانتصارِ على النفسِ الذي هو المدخلُ الرئيسيُّ للانتصارِ على العدوِّ، فما أحوجَنا إلى التحلِّي بهذا الخلُقِ في زمنٍ تكالَبَ علينا فيهِ الأعداءُ، ولا عجَبَ أن يكونَ رمضانُ ظرْفًا تاريخيًّا لمعاركَ فاصلةٍ حوَّلت مَسارَ البشريةِ نحوَ الحقِّ والعدلِ والخيرِ، من هذهِ المعاركِ: غزوةُ بدرٍ، وفتحُ مكةَ، ومعركةُ عينِ جالوت، وحربُ العاشرِ منْ رمضانَ، التي نحتفلُ بذكراها هذهِ الأيام.

 

أيها الإخوةُ الكرامُ والأخواتُ الفضلياتُ..

يأتي احتفالُنا هذا العامَ مواكبًا لذكرى عزيزةٍ علينا غاليةٍ في نفوسِنا، وهي ذكرى مرورِ مائةِ عامٍ على مولِدِ إمامِنا الشهيدِ حسن البنا- رحِمَهُ اللهُ- مؤسسِ جماعةِ الإخوانِ المسلمين، ومِن حقِّه علينا أن نُشيدَ بجهدِهِ وجهادِهِ وعملِهِ وبنائهِ، فقد نشأ في تربةِ هذا الوطنِ، وارتَوَى بثقافتِهِ وحضارتِهِ، وحمَل همومَ أمتِهِ، ورَنَا إلى استعادةِ مجدِها وعزِّها، فنذَر نفسَه لتحقيقِ آمالِها فاعتذرَ عن بعثةٍ إلى أوروبا للحصولِ على الدكتوراه، بعد أن جاءَ ترتيبُه الأولَ على زملائهِ في (دارِ العلومِ)، وسعَى لدى الأعيانِ والكبراءِ والعلماءِ كي يتوحَّدوا لإنقاذِ الأمةِ من الاحتلالِ والتمزُّقِ والتخلُّفِ، فلما وجَدَ منهم عزوفًا وإعراضًا آلَى على نفسِهِ أن يحملَ هذه الهمومَ وحدَهُ ومَن يستجيبُ له من الناسِ، فكانت جماعةُ الإخوانِ المسلمينَ.

 

لقد غاصَ في مناهجِ الإصلاحِ وخرجَ منها بحقيقةِ أن لا سبيلَ إلى ذلك إلا بالإسلامِ الصحيحِ، فارتشَفَ رَحيقَهُ من القرآنِ الكريمِ والسنةِ المطهرةِ والسيرةِ العطرةِ، وظهَرَ على الناس بفكْرٍ إسلاميٍّ رصينٍ، مِن حيثُ الفهمُ والعملُ والحركةُ، فكان بحقٍّ مجددَ القرنِ العشرينَ، هذا الفهم يتلخَّصُ في أن الإسلامَ منهجُ حياةٍ، فكما أنه عقيدةٌ وعبادةٌ وأخلاقٌ.. فهو نظامٌ كاملٌ وشاملٌ للحياةِ بجوانِبِها السياسيةِ والاقتصاديةِ والاجتماعيةِ والتعليميةِ والتربويةِ.

 

أما منهجُهُ في العملِ والحركةِ فقد استمدَّه من منهجِ الرسولِ- صلى اللهُ عليه وسلَّمَ- الذي اعتمدَ على التربيةِ لتغييرِ المفاهيمِ والأخلاقِ والسلوكِ؛ تحقيقًا للقانونِ الإلهيِّ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ) كل ذلك بتُؤَدَةٍ وتدرُّجٍ يسايرُ الفطرةَ ولا ينقلبُ عليها ولا على المجتمعِ.

 

وضعَ- رحمهُ اللهُ- عمليةَ التغييرِ والإصلاحِ في صورةِ مراحلَ متكاملةٍ ومتوازيةٍ، تبدأُ بالفردِ المسلمِ الذي لخَّصَ صفاتِهِ فيما يلي: "سليمُ العقيدةِ، صحيحُ العبادةِ، متينُ الخلقِ، مثقفُ الفكرِ، قويُّ الجسمِ، قادرٌ على الكسبِ، مجاهدٌ لنفسِهِ، حريصٌ على وقتِهِ، منظمٌ في شئونِهِ، نافعٌ لغيرِهِ" ثم الأسرةِ المسلمةِ، فإصلاحِ المجتمعِ، ثم الحكومةِ الإسلاميةِ، التي تلتزمُ تطبيقَ شريعةِ اللهِ كاملاً، ثم استعادةِ الكيانِ الدوليِّ للأمةِ الإسلاميةِ.. كلُّ ذلكَ بأسلوبٍ سلميٍّ اختياريٍّ إراديٍّ.

 

كما وفَّق- رحمهُ اللهُ- بينَ المشاعرِ والمفاهيمِ والولاءاتِ الوطنيةِ والقوميةِ والإسلاميةِ توفيقًا أزالَ كلَّ معاني التناقضِ والتعارضِ، التي يثيرُها أنصارُ كلِّ دعوةٍ من هذهِ الدعواتِ.

 

وكان حريصًا على الوحدةِ والتجميعِ، محاربًا للفرقةِ والتمزيقِ فيما بينَ المذاهبِ الفقهيةِ والأحزابِ السياسيةِ، رافعًا شعارَهُ الحكيمَ: "نتعاونُ فيما اتفقنا عليه ويعذُرُ بعضُنا بعضًا فيما اختلفنا فيه" بل كانَ حريصًا على وحدةِ عنصرَي الأمةِ، وتوطيدِ العلاقةِ بينهما، فكثيرًا ما استَشهدَ في أقوالِهِ وكتاباتِهِ بالآيةِ الكريمةِ ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة: 8) ولم يقفْ عند حدِّ المعاني النظريةِ، بل تعدَّى ذلكَ إلى تعيينِ الأستاذَين كامل فانوس أخنوخ، وميريت غالي في اللجنةِ السياسيةِ للإخوانِ المسلمينَ.

 

كما أحيَا فريضةَ الجهادِ ضدَّ المحتلينَ، وربَّى عليها الشبابَ، وسعَى لتحريرِ البلادِ الإسلاميةِ من نِيْرِ الاستعمارِ، فكانت كتائبُ الجهادِ التي خاضت حربَ فلسطينَ، وأبلَتْ فيها أحسنَ البلاءِ، وحربَ القناةِ ضدَّ الإنجليزِ، حتى أرغمَهم على الجلاءِ والرحيلِ.

 

هذه الدعوةُ المباركةُ التي غرسَ بَذرتَها إمامُنا الشهيدُ- رحمهُ اللهُ- أنبتت شجرةً متينةَ الساقِ، باسقةَ الأغصانِ، وارفةَ الظلالِ، غطَّت أكثرَ من سبعينَ دولةً من دولِ العالمِ، ولا تزالُ تتجذَّرُ وتمتدُّ، وتؤتِي أُكُلَها كلَّ حينٍ بإذنِ ربِّها.

 

حينما أدركَت القُوَى الاستعماريةُ المهيمنةُ خطورةَ هذه الدعوةِ على مصالِحِهَا حرَّضَت يدَ الغدْرِ على اغتيالِهِ، فذهب الرجلُ إلى ربِّهِ شهيدًا، واستمدَّتْ دعوتُهُ من استشهادِهِ زادًا تَصبِر به على لأْوَاءِ الحياةِ وظلمِ الطغاةِ وعداواتِ البغاةِ..

 

أيها الإخوةُ والأخواتُ..

مرَّ عامٌ منذُ لقائنا السابقِ.. عامٌ مفعَمٌ بالأحداثِ الجسامِ على كلِّ المستوياتِ، أستأذنُ حضراتِكُم في استعراضِها بإيجازٍ شديدٍ:

- لعلكم تذكرون أن انتخاباتِ الرئاسةِ صاحَبَها إعلانٌ عن برنامجٍ للإصلاحِ السياسيِّ والاقتصاديِّ والاجتماعيِّ، تتقدمُهُ انتخاباتٌ برلمانيةٌ نزيهةٌ، ولكن مع ظهورِ النتائجِ الأوليةِ للانتخاباتِ التي جرَت العامَ الماضي تحولَت الحكومةُ ومرشَّحوها وأجهزةُ أمنِها إلى أداةِ عنفٍ وقمعٍ لجماهيرِ الناخبينَ، وقد أدَّى ذلكَ إلى قتلِ 14 شخصًا، وإصابةِ المئاتِ واعتقالِ الألوفِ، وزُوِّرت نتيجةُ الانتخاباتِ في عددٍ من الدوائرِ بشهادةِ القضاةِ، وتمَّ إغراءُ عددٍ من أعضاءِ مجلسِ الشعبِ من المستقلِّين للانضمامِ إلى الحزبِ الوطنيِّ لتحقيقِ أغلبيةٍ كبيرةٍ لتمريرِ القوانينِ الظالمةِ، وكان ذلك أولَ انقلابٍ على برنامجِ الإصلاحِ، ثم تعاقبت الانقلاباتُ على البرنامجِ الرئاسي، فتمَّ تأجيلُ انتخاباتِ المجالسِ المحليةِ لمدةِ عامَين، وتمَّ تمديدُ العملِ بقانونِ الطوارئِ الذي يعطِّلُ الدستورَ ويصادِرُ حقوقَ الناسِ وحرياتِهم، واستمرَّ تجميدُ انتخاباتِ النقاباتِ المهنيةِ ونوادي أعضاءِ هيئاتِ التدريسِ في الجامعاتِ، وتزويرُ انتخاباتِ الاتحاداتِ الطلابيةِ والغُرَفِ التجاريةِ..

 

- وعندما تزعَّم القضاةُ الشرفاءُ الدعوةَ إلى استقلالِ السلطةِ القضائيةِ عن هيمنةِ السلطةِ التنفيذيةِ، وتحقيقِ الإشرافِ الكاملِ لهم على الانتخاباتِ، من بدايتِها إلى نهايتِها، ضمانًا لنزاهتِها، وتحقيقًا للإصلاحِ السياسيِّ الصحيحِ، وتبنَّى ناديْهم مشروعَ السلطةِ القضائيةِ الذي تقدَّموا به منذُ ما يقربُ من خمسةَ عشرَ عامًا، وأيدهم في ذلك كلُّ قوَى الشعبِ وفصائلِهِ السياسيةِ.. عندها وُوجِهَ الجميعُ بأقسَى ألوانِ البطشِ، فتمَّ الاعتداءُ الوحشيُّ على أحدِ المستشارِينَ، وتحويلُ اثنَينِ من شيوخِ القضاةِ إلى التحقيقِ، وتعرَّضَ الناسُ للسَّحلِ في الشوارعِ وضربِهم واعتقالِهم، ولا يزالُ حتى الآن البعضُ منهم في السجونِ، وعلى رأسِهم الأخَوانُ المجاهدان الدكتور عصام العريان والدكتور محمد مرسي.. عصامُ العريان الذي كان في احتفال العام الماضي رهينَ السجنِ أيضًا، وهو في هذا العامِ رهينُ السجنِ، وكأنما تريدُ حكومتُنا أن يقضيَ حياتَهُ كلَّها في السجنِ، والدكتور محمد مرسي رئيسُ الكتلةِ البرلمانيةِ السابقِ للإخوانِ المسلمين، مثالُ الحكمةِ والاعتدالِ، وكلما انتهت لهما قضيةٌ لفَّقوا لهما أخرى في أسوأ استغلالٍ للحبسِ الاحتياطيِّ!!

 

- وبعد هذا الظلمِ والإرهابِ أصدرت الحكومةُ قانونَ السلطةِ القضائيةِ على هواها ودونَ أن يحقِّقَ استقلالَ القضاءِ، كما أصدرت قانونَ الحبسِ الاحتياطيِّ الذي أفادَ منه المتَّهَمون الجنائيون كثيرًا، ولم يُفِدْ منه السياسيون إلا قليلاً.. هذا وقد تعاقبَتْ بعد ذلك أعمالُ القبضِ والاعتقالِ لمئاتٍ من صفوةِ وخيرةِ رجالِ الوطنِ، وفي مقدمتِهم الأخُ المجاهدُ الدكتور محمود عزت، وذلك على فتراتٍ متقاربةٍ؛ إمعانًا في التضييقِ على جماعةِ الإخوانِ، ومحاولةِ ثنْيِ عزمِها عن المضيِّ قُدمًا في المطالبةِ بالإصلاحِ.

 

- ولا يزال حصارُ الأحزابِ السياسيةِ مضروبًا عليها، ومنعُ إنشاءِ أحزابٍ جديدةٍ قائمًا.

 

- وتزداد يومًا بعد يومٍ سيطرةُ رجالِ الأعمالِ على الحكمِ، بما يمثلُه ذلك من احتكارٍ وشبهةِ فسادٍ ماليٍّ وإداريٍّ يؤدي إلى مزيدٍ من تضخُّمِ ثرواتِ أفرادٍ مقابلَ إفقارِ آلافٍ بل ملايينَ، الأمرُ الذي يُنذرُ بانقسامِ الشعبِ إلى طبقتَين: "أقليةٍ شديدةِ الثراءِ، وغالبيةٌ عُظمى شديدةُ الفقرِ، مع اختفاءِ الطبقةِ الوسطى، الأمرُ الذي يهددُ السلامَ الاجتماعيَّ بأوخمِ العواقبِ.

 

- وفي الوقتِ الذي يَعِدُ برنامجُ الإصلاحِ الاقتصاديِّ بتخفيفِ المعاناةِ عن محدودي الدخلِ نفاجَأ برفعِ الأسعارِ، وتضييقِ نطاقِ الدعمِ.

 

- كلُّ ذلك مصحوبٌ بكوارثَ بشريةٍ؛ نتيجةَ انهيارِ مرافقِ الدولة، مثل: السكة الحديد، والعبَّارات، فضلاً عن تردي أوضاعِ التعليمِ والصحةِ والبحثِ العلميِّ والصناعةِ والصحافةِ، بما يضاعفُ من عناءِ الفقراءِ والكادحين، ولا يَخفَى أن ذلك كلَّه يؤدي إلى فقدانِ الولاءِ والانتماءِ، ويشجِّعُ على الانحرافِ والجريمةِ، أو التطرفِ والإرهابِ.

 

- ثم يأتي مؤتمرُ الحزبِ الوطنيِّ بوعودِهِ المعتادةِ بتنفيذِ برنامجِ الإصلاحِ الذي انقلبوا عليه فورَ إعلانِه، وهنا لا بد لنا من وقفةٍ، فالهدفُ الحقيقيُّ من هذا المؤتمرِ هو تأكيدُ سيناريو التوريث، وتلميعُ الوريثِ، رغم رفْضِ الغالبيةِ العُظمى من الشعبِ المصريِّ لهذا الأمرِ؛ لذلك فموقفُنا الحاسمُ هو رفضُ التوريثِ بكلِّ صورِهِ وأشكالهِ.

 

- وأما تعديلُ الدستورِ.. فالدستورُ هو منحةٌ من الشعبِ لنفسِهِ؛ ولذلك يجبُ أن يشاركَ الشعبُ في صياغتِهِ أو تعديلِهِ، عن طريقِ هيئةٍ منتخَبةٍ انتخابًا حرًّا نزيهًا، أما أن يحتكرَ الحزبُ الحاكمُ هذا التعديلَ ويقومَ بذلك كهنتُه في غرفٍ مغلقةٍ، ثم يفاجِئوا الناسَ بما فعلوه فذلك أمرٌ مرفوضٌ، وما حدثَ في تعديلِ المادةِ 76 يزيدنا رفضًا لهذا الأسلوبِ، خصوصًا أنَّ ما تسرَّبَ عن مشروعِ التعديلاتِ من معلوماتٍ يفيدُ بأنها انقلابٌ على الدستورِ، وإلغاءٌ لنصوصٍ تحمي الحقوقَ، وتؤكد على الحريات.. كل ذلك بهدف تكريسِ الاستبدادِ واحتكارِ السلطةِ وحمايةِ الفساد.

 

أما على المستوى الإقليمي والدولي:

- فقد حدثت الانتخاباتُ الفلسطينيةُ، وكانت انتخاباتٍ حرةً نزيهةً، وفازت فيها حركةُ حماس، وشكَّلت الحكومةَ، وهنا حدثَ انقلابٌ عالميٌّ على الديمقراطيةِ، وظهَرَ الوجهُ القبيحُ لدعاةِ الحريةِ والديمقراطيةِ وحقوقِ الإنسانِ، فقامت أمريكا والاتحادُ الأوروبيُّ والكيانُ الصهيونيُّ إضافةً إلى بعضِ الدولِ العربيةِ- للأسفِ الشديدِ- بحصارِ التجويعِ للشعبِ الفلسطينيِّ؛ عقابًا على اختيارِه الحرِّ، وساندَهم في ذلك بعضُ القُوى الفلسطينية في الداخلِ، فإما الجوعَ وإما الركوعَ، ولا تزال غالبيةُ الشعبِ الفلسطيني الصامدِ تدعَمُ حكومتَها وتؤيدُ المقاومة وتتمسكُ بالثوابتِ سبيلاً إلى استعادةِ الحقوقِ في تضحياتٍ لم يقدمْها شعبٌ من الشعوبِ.. وفي هذا الصددِ نؤكدُ على ضرورةِ وحدةِ الفصائلِ، وحرمةِ الدمِ الفلسطينيِّ، وإيقافِ الاشتباكاتِ والصداماتِ الدمويةِ فورًا، والعودةِ إلى طاولةِ الحوارِ.

 

- ولقد كانت الانتخاباتُ الفلسطينيةُ- ومن قبلها الانتخاباتُ المصريةُ- سببًا في التغيير الجذري في الموقفِ الأمريكيِّ من قضيةِ الديمقراطيةِ، وإطلاقِ يدِ الأنظمةِ الحاكمةِ المستبدةِ لاضطهادِ الإسلاميين والتضييقِ عليهم، ولذلك فقد تعرَّضنا لحملاتِ اعتقالٍ وحبسٍ طالت ما يزيدُ على ألفِ شخصٍ من الإخوانِ المسلمين.

 

- كما أسفرت الإدارةُ الأمريكيةُ عن إصرارِها على تنفيذِ مخططِ الشرقِ الأوسطِ الكبيرِ أو الجديدِ الذي تهدف من ورائه إلى تفتيتِ دولِ المنطقةِ والقضاءِ على كلِّ صورِ المقاومةِ، وإذلالِ الحكوماتِ والشعوبِ، وفرضِ التبعيةِ عليها، ونهبِ خيراتِها، وتحقيقِ الأطماعِ الإمبراطوريةِ الأمريكيةِ والهيمنةِ الصهيونيةِ علينا.

 

- ثم قامت الحربُ على لبنانَ بتخطيطٍ أمريكيٍّ وتنفيذٍ صهيونيٍّ لتدميرِ حزبِ الله رمزِ المقاومةِ اللبنانيةِ ونزعِ سلاحِه، ولم نجدْ أيَّ ردِّ فعلٍ لحكامِ العالَمِ العربيِّ والإسلاميِّ؛ استنكارًا للعدوانِ الوحشي على لبنان، لكنَّ الصمودَ البطوليَّ للمجاهدين وتكبيدَهم الصهاينةَ خسائرَ فادحةً، رغم الفارقِ الشاسعِ في السلاحِ والعتادِ وعَددِ الرجال، ورغمَ الدعمِ الغربي للعدو الصهيوني، إلا أنَّ فشلَه الذريعَ وجزَعَ شعبِه وهجرةَ مواطنيه أجبَرتْه على قبولِ وقفِ القتالِ في ثاني هزيمةٍ تُلحقُها به المقاومةُ في لبنان، الأمرُ الذي حطَّم خرافةَ "الجيش الذي لا يُهزم"، وبدَّد الهزيمةَ النفسيةَ التي عاشها العربُ عدةَ عقود.

 

- ويستمر ما تفعلُه أمريكا وحلفاؤها في أفغانستان والعراق ولبنان والسودان من جرائم تَشيبُ لهولها الولدانُ، وتُثبت أنهم لا يمتُّون إلى الإنسانية بصلةٍ.

 

- وفي غمرةِ هذه الأحداثِ يخرج علينا بابا الفاتيكان بتصريحاتٍ تتَّهم الإسلامَ ونبيَّه بالشرَِّ والإرهابِ وتنفي عنه احترامَه للعقلِ، وكأنه جاءَ يساند تلك الحربَ الأمريكيةَ التي أسماها بوش بالصليبية، الأمرُ الذي يؤكدُ الحربَ الشعواءَ على الإسلامِ دينًا ووطنًا وأمةً.. نحن حريصون على عدمِ الانزلاقِ إلى حروبٍ دينيةٍ أو صدامِ حضاراتٍ، ولكننا لن نفرِّطَ في دينِنَا وسندافعُ عنه بالغالي والنفيسِ.

 

وفي النهايةِ نحبُّ أن نحدِّدَ موقفَنا من القضايا الداخليةِ والخارجيةِ فيما يلي:

- يجب إطلاقُ حرياتِ الشعبِ، واحترامُ حقوقِه، والإقرارُ بالتعدديةِ السياسيةِ والتداولِ السلميِّ للسلطةِ، والإشرافُ القضائيُّ الكاملُ على الانتخاباتِ، وتحقيقُ التوازنِ بين السلطات.

 

- إن تعديلَ الدستورِ يَسبقُهُ العودةُ إلى الظروفِ الطبيعيةِ، وإلغاءُ حالةِ الطوارئِ والقوانينِ سيئةِ السمعةِ، ويتم بتوافقٍ وطنيٍّ كاملٍ وشفافيةٍ تامةٍ.

 

- التصدي لسيطرةِ رأسِ المالِ على السلطةِ، والقضاءُ على الاحتكارِ والفسادِ بكل صورِهِ وأشكالِهِ.

- إنشاءُ الأحزابِ السياسيةِ يتم بمجرد الإخطار، والقضاءُ هو الفيصلُ في مدى التزامِ برامجِها بالدستورِ والقانونِ.

- الشفافيةُ في المجالِ الاقتصاديِّ، والانحيازُ للفقراءِ، وتوفيرُ ضروراتِ الحياةِ لهم.

- على كلِّ المخلصين لمصلحةِ هذا الوطن أن يجتمعوا على مقاومةِ التوريثِ ورفضِهِ، وأنصحُ الوريثَ ومحبِّيهِ- مخلصًا من كلِّ قلبي- أن يَصرفوا النظرَ عن هذا الموضوعِ؛ حتى لا يبوءَ بميراثِ الكراهيةِ الشعبيةِ، الذي يحظَى بهِ النظامُ الحاكمُ، بما تحملُهُ هذه الكراهيةُ من مخاطرَ على الجميعِ.

 

- إطلاقُ سراحِ كافةِ المعتقلين السياسيين، وتجريمُ التعذيبِ، ومعاقبةُ مرتكبيه.

- حقُّ كلِّ الفصائلِ في إصدارِ صحُفِها، وإطلاقِ إذاعاتِها وقنواتِها الفضائيةِ.

- نؤيدُ مقترحاتِ المجلسِ القوميِّ لحقوقِ الإنسانِ لتعديلِ موادِّ الدستورِ.

- ندعو إلى إعادةِ النظرِ في اتفاقيةِ "كامب ديفيد"؛ تمهيدًا لإلغائها.

- ندعو الحكوماتِ إلى التحررِ من الهيمنةِ الأمريكيةِ والصهيونيةِ، والتصالحِ مع الشعوبِ، وتهيئتِها لمقاومةِ المخططاتِ الأمريكيةِ.

- تأييدُ المقاومةِ الوطنيةِ الشريفةِ في كلِّ البلادِ المستعمَرةِ ودعمُها؛ حتى تحصلَ على استقلالِها وحريتِها.

 

- اعتبارُ قضيةِ فلسطين هي قضيةَ العربِ والمسلمين الأولى، ودعمُ المقاومةِ وفكُّ الحصارِ عنها؛ حتى تستعيدَ حقوقَها وتُحرِّرَ بلادَها، وفي مقدمتِها القدسُ.

 

- تقويةُ جامعةِ الدولِ العربيةِ، وتفعيلُ اتفاقياتِها الاقتصاديةِ والسياسيةِ والعسكريةِ وغيرِها.

- التمسكُ بالهويةِ الإسلاميةِ والخصوصيةِ الثقافيةِ، مع الانفتاحِ على الآخرين، فنحن نملكُ الرسالةَ الخالدةَ وكلمةَ اللهِ الأخيرةَ للعالمين، التي تحترمُ العقلَ وتقدِّسُ التفكيرَ..

- وفي الختامِ نذكِّرُ بقولِه تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ وقولِه: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وكل عام وأنتم بخير