رابط الجزء الأول من المقال

12 - وَمِنْهَا أن يعلَمَ أَنَّ مَرَارَةَ الدُّنْيَا حَلَاوَةُ الْآخِرَةِ وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ، وقد قال صَلَّى اللهُ علَيْه وسَلَّم: «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ» وَقَالَ: «حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ»

13 - وَمِنْهَا أن يعلَمَ أَنَّهُ يُحِبُّ رَبَّهُ وهَذَا يُوجِبُ ثِقَتَه بِمَوْلَاه، وَأَنَّهُ إنْ أَسْخَطَهُ فَهُوَ كَاذِبٌ فِي مَحَبَّتِهِ، وَإِنْ يَئِسَ فقَدْ برْهَنَ عَلَى ضَعْفِ يَقِينِهِ ونَقْصِ إِيمانِه، وكَانَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ: «أَحَبُّهُ إلَيَّ أَحَبُّهُ إلَيْهِ»، وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «إنَّ اللَّهَ إذَا قَضَى قَضَاءً أَحَبَّ أَنْ يُرْضَى بِهِ». وللهِ دَرُّ القَائِل:

إذَا بُلِيتَ فَثِقْ بِاَللَّهِ وَارْضَ بِهِ       إنَّ الَّذِي يَكْشِفُ الْبَلْوَى هُوَ اللَّهُ

إذَا قَضَى اللَّهُ فَاسْتَسْلِمْ لِقُدْرَتِهِ        مَا لِامْرِئٍ حِيلَةٌ فِيمَا قَضَى اللَّهُ

الْيَأْسُ يَقْطَعُ أَحْيَانًا بِصَاحِبِهِ         لَا تَيْأَسَنَّ فَإِنَّ الصَّانِعَ اللَّهُ

14 - وَمِنْهَا: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الطَوَارِقَ الَّتِي تَنْزِلُ بالْإِنْسَانِ هِيَ مِنْ دَلَائِلِ فَضْلِهِ، وَالمِحَنَ الَّتِي تُصِيبُه هِيَ مِنْ شَوَاهِدِ نُبْلِهِ. وَلِذَلِكَ إحْدَى عِلَّتَيْنِ: إمَّا؛ لِأَنَّ الْكَمَالَ مُعْوِزٌ وَالنَّقْصُ لَازِمٌ، فَإِذَا تَوَاتَرَ الْفَضْلُ عَلَيْهِ في شيء صَارَ النَّقْصُ فِيمَا سِوَاهُ، فَمَنْ رُزِقَ الإِيمانَ امتُحِنَ بالابْتِلاءِ بغَيْرِ المؤمِنينَ، ومَنْ رُزِقَ العقْلَ الوافِرَ امتُحِنَ بضِيقِ الحالِ وعَدَاوةِ الجَاهِلين. وَقَدْ قِيلَ: «مَنْ زَادَ فِي عَقْلِهِ نَقَصَ مِنْ رِزْقِهِ»، وقد قَالَ تَعَالى ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ (الأنعام 53)، وقال تعالى ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ (الفرقان 20)

وَإِمَّا؛ لِأَنَّ ذَا الْفَضْلِ مَحْسُودٌ، وَبِالْأَذَى مَقْصُودٌ، فَلَا يَسْلَمُ فِي بِرِّهِ مِنْ مُعَادٍ وَاشْتِطَاطِ مُنَاوِئٍ. وَقَالَ الشاعر:

مِحَنُ الْفَتَى يُخْبِرْنَ عَنْ فَضْلِ الْفَتَى           كَالنَّارِ مُخْبِرَةٌ بِفَضْلِ الْعَنْبَرِ

وَقَلَّمَا تَكُونُ مِحْنَةُ فَاضِلٍ إلَّا مِنْ جِهَةِ نَاقِصٍ، وَبَلْوَى عَالِمٍ إلَّا عَلَى يَدِ جَاهِلٍ. وَذَلِكَ لِاسْتِحْكَامِ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُمَا بِالْمُبَايَنَةِ، وَحُدُوثِ الِانْتِقَامِ؛ لِأَجَلِ التَّقَدُّمِ.

وبِصَبْرِ الإِنْسانِ عَلَى تلْكَ الْمِحَنِ بَتَرَقَّى فِي مَدَارِجِ الكَمَالِ، ويَبْلُغُ الْمَنْزِلَةَ العَالِيةَ الَّتِي كَتَبَهَا اللهُ له، وَقد أخرج أَحْمَدُ وأَبُو دَاوُد عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدِ السُّلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: «أَنَّ الْعَبْدَ إذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنْ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْهَا، ابْتَلَاهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي جَسَدِهِ أَوْ فِي مَالِهِ أَوْ فِي وَلَدِهِ، ثُمَّ صَبَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يُبْلِغَهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».

15 - وَمِنْهَا: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ سُرُورَهُ مَقْرُونٌ بِمسَاءَةِ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ حُزْنُهُ مَقْرُونٌ بِسُرُورِ غَيْرِهِ. الأَمْرُ الَّذِي يُوّلِّدُ الحَسَدَ في نُفُوسِ الآخَرِينَ مِنْ خُصُومِ دَعْوَتِه تِجَاهَه، فَيَتَمَنَّوْنَ فَسَادَ حَالِهِ، ويَسْعَوْنَ في المكْرِ وإِنْزَالِ الأَذَى بِه، وقدْ يَنْجَحُون في ذَلكَ إلَى حِينٍ، فإنْ صَبَرَ علَى ما نَزَل بِهِ حتَّى يَنْقَضِيَ فَقَد فَازَ فوْزًا عَظِيمًا، وإنْ جَزِعَ وسَخِطَ فقَدْ عَرَّضَ نفْسَه للشَّمَاتَةِ الَّتِي تَزِيدُه غَمًّا وكَمَدًا، وقَدْ قِيل:

اصْبِرْ عَلَى كَيْدِ الحَسُودِ    فَإِنَّ صَبْرَكَ قَاتِلُه

فَالنَّارُ تَأْكُلُ بَعْضَها        إذَا لَمْ تَجِدْ مَا تَأْكُلُه


16 – وَمِنْهَا: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّه إنْ كَانَ يَاْلَمُ فَإِنَّ شَانِئِيهِ والْمُتَربِّصِينَ بِهِ يَأْلَمُون أَيْضًا، لَكِنَّه يَتَمَيَّزُ عَلَيْهِم بِأَنَّهُ يَرْجُو مِنَ اللهِ منَ الْخَيْرِ مَا لَا يَرْجُو الآخَرُون، قال تعالى ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾(النساء 104)، وقال تعالى ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ. أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران 139-142).

17 – ومنْهَا: أَنْ يعْلَمَ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَالْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَالْيُسْرَ مَعَ الْعُسْرِ. قال تعالى ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح 5-6 ) والفَرَجُ أقْرَبُ ما يَكونُ معَ تَعَاظُمِ البَلاءِ واشْتِدَادِ الكَرْب.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «الصَّبْرُ مُسْتَأْصِلُ الْحِدْثَانِ، وَالْجَزَعُ مِنْ أَعْوَانِ الزَّمَانِ».

وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: «بِمِفْتَاحِ عَزِيمَةِ الصَّبْرِ تُعَالَجُ مَغَالِيقُ الْأُمُورِ».

وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: «عِنْدَ انْسِدَادِ الْفُرَجِ تَبْدُو مَطَالِعُ الْفَرَجِ».

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّيْلَ لَمَّا تَرَاكَمَتْ        دُجَاهُ بَدَا وَجْهُ الصَّبَاحِ وَنُورُهُ

18 – وَأخيرًا: أنْ يَتَجَنَّبَ الأَسْبَابَ الَّتِي تَدْفَعُ إلَى الْجَزَع، والتي سأذكرها بعد قليل.

فَإِذَا ظَفِرَ الْمُصَابُ المبْتَلَى بِبَعْضِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ تَخَفَّفَتْ عَنْهُ أَحْزَانُهُ، وَتَسَهَّلَتْ عَلَيْهِ أَشْجَانُهُ، فَصَارَ وَشْيَك السَّلْوَةِ، قَلِيلَ الْجَزَعِ، حَسَنَ الْعَزَاءِ، رَابِطَ الجَأْشِ، ثَابِتَ النَّفْسِ، لا تَنَالُ منْهُ الأَحْدَاثُ، ولا تُزَلْزِلُهُ الأَهْوَالُ بِفَضْلِ الله.

مِنَ الأَسْبَابِ الدَّافِعَةِ إلَى الجَزَع:

إذَا كُنَّا قدْ تنَاوَلْنا بعضَ الأَسْبابِ المعِينَةِ علَى الصَّبْرِ؛ فإنَّ مِنَ المناسِبِ أنْ نذْكُرَ بعْضَ الأَسْبابِ الَّتي تَدْفَع إِلَى الجَزَع والْيَأْس؛ حَتَّى يَتَجَنَّبَها المسلِمُ ويتَحَاشَاها:

1 – فمنها تَذَكُّرُ الْمُصَابِ حَتَّى لَا يَتَنَاسَاهُ، وَتَصَوُّرُهُ حَتَّى لَا يَعْزُبَ عَنْهُ، وَلَا يَجِدُ مِنْ التَّذْكَارِ سَلْوَةً، وَلَا يَخْلِطُ مَعَ التَّصَوُّرِ تَعْزِيَةً.

قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «لَا تَسْتَفِزُّوا الدُّمُوعَ بِالتَّذَكُّرِ». وَقَالَ الشَّاعِرُ:

وَلَا يَبْعَثُ الْأَحْزَانَ مِثْلُ التَّذَكُّر

2 - وَمِنْهَا: الْأَسَفُ وَشِدَّةُ الْحَسْرَةِ، فَلَا يَرَى مِنْ مُصَابِهِ خَلَفًا، وَلَا يَجِدُ لِمَفْقُودِهِ بَدَلًا، فَيَزْدَادُ بِالْأَسَفِ وَلَهًا، وَبِالْحَسْرَةِ هَلَعًا. وقد علمنا القرآن أن نقول نزول البلاء ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، وعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نضيف إليها: « اللَّهُمَّ اُؤْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا »، فَقد رَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ اللَّهُمَّ اُؤْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إلَّا آجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا».

3 - وَمِنْهَا: كَثْرَةُ الشَّكْوَى وَبَثُّ الْجَزَعِ. وقد قيل:

لَا تُكْثِرْ الشَّكْوَى إلَى الصَّدِيقِ ... وَارْجِعْ إلَى الْخَالِقِ لَا الْمَخْلُوقِ ... لَا يَخْرُجُ الْغَرِيقُ بِالْغَرِيقِ.

4 - وَمِنْهَا: الْيَأْسُ مِنْ حُصُولِ الخَيْرِ مِنْ مُصَابِهِ، وَالقُنُوطُ من إدْراَكِ مَطْلُوبِه، فَيَقْتَرِنُ بِحُزْنِ الْحَادِثَةِ قُنُوطُ الْإِيَاسِ، فَلَا يَبْقَى مَعَهَا صَبْرٌ، وَلَا يَتَّسِعُ لَهَا صَدْرٌ. وَقَدْ قِيلَ: «الْمُصِيبَةُ بِالصَّبْرِ أَعْظَمُ الْمُصِيبَتَيْنِ». أيْ أنَّ عَدَمَ الصَّبْرِ علَى المصِيبَةِ مُصِيبَةٌ أَعْظَمُ مِنَ المصِيبةِ ذاتِها.

5 - وَمِنْهَا: أَنْ ينشغل بِمُلَاحَظَةِ مِنْ حِيطَتْ سَلَامَتُهُ وَحُرِسَتْ نِعْمَتُهُ حَتَّى الْتَحَفَ بِالْأَمْنِ وَالدَّعَةِ، وَاسْتَمْتَعَ بِالثَّرْوَةِ وَالسَّعَةِ. وَيَرَى أَنَّهُ قَدْ خُصَّ مِنْ بَيْنِهِمْ بِالرَّزِيَّةِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُسَاوِيًا، وَأُفْرِدَ بِالْحَادِثَةِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُكَافِيًا، فَلَا يَسْتَطِيعُ صَبْرًا عَلَى بَلْوَى، وَلَا يَلْزَمُ شُكْرًا عَلَى نُعْمَى. وَلَوْ قَابَلَ بِهَذِهِ النَّظْرَةِ مُلَاحَظَةَ مَنْ شَارَكَهُ فِي الرَّزِيَّةِ، وَسَاوَاهُ فِي الْحَادِثَةِ لَتَكَافَأَ الْأَمْرَانِ، فَهَانَ عَلَيْهِ الصَّبْرُ، وَحَانَ مِنْهُ الْفَرَجُ بإِذْنِ الله.

وَفي الختام، اعْلَمُوا إِخْوَانِي وَأَخَوَاتِي أَنَّهُ قَلَّ مَنْ صَبَرَ عَلَى حَادِثَةٍ وَتَمَاسَكَ فِي نَكْبَةٍ إلَّا كَانَ انْكِشَافُهَا وَشِيكًا، وَكَانَ الْفَرَجُ مِنْهُ قَرِيبًا.

ذكر بَعْضُ أَهْلِ الْأَدَبِ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الْكَاتِبَ حُبِسَ فِي السِّجْنِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، حَتَّى ضَاقَتْ حِيلَتُهُ وَقَلَّ صَبْرُهُ، فَكَتَبَ إلَى بَعْضِ إخْوَانِهِ يَشْكُو لَهُ طُولَ حَبْسِهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ جَوَابَ رُقْعَته بِهَذَا:

صَبْرًا أَبَا أَيُّوبَ صَبْرٌ مُبَرِّحٌ                 فَإِذَا عَجَزْت عَنْ الْخُطُوبِ فَمَنْ لَهَا

إنَّ الَّذِي عَقَدَ الَّذِي انْعَقَدَتْ لَهُ              عُقَدُ الْمَكَارِهِ فِيكَ يَمْلِكُ حَلَّهَا

صَبْرًا فَإِنَّ الصَّبْرَ يُعْقِبُ رَاحَةً        وَلَعَلَّهَا أَنْ تَنْجَلِي وَلَعَلَّهَا

فَأَجَابَهُ أَبُو أَيُّوبَ يَقُولُ:

صَبَّرْتَنِي وَوَعَظْتَنِي وَأَنَا لَهَا          وَسَتَنْجَلِي بَلْ لَا أَقُولُ لَعَلَّهَا

وَيَحُلُّهَا مَنْ كَانَ صَاحِبَ عَقْدِهَا            كَرَمًا بِهِ إذْ كَانَ يَمْلِكُ حَلَّهَا

فَلَمْ يَلْبَثْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي السَّجْنِ إلَّا أَيَّامًا حَتَّى أُطْلِقَ مُكَرَّمًا.

إذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى الْيَأْسِ الْقُلُوبُ             وَضَاقَ لِمَا بِهِ الصَّدْرُ الرَّحِيبُ

وَأَوْطَنَتْ الْمَكَارِهُ وَاطْمَأَنَّتْ وَأَرْسَتْ فِي مَكَانَتِهَا الْخُطُوبُ

وَلَمْ تَرَ لِانْكِشَافِ الضُّرِّ وَجْهًا       وَلَا أَغْنَى بِحِيلَتِهِ الْأَرِيبُ

أَتَاك عَلَى قُنُوطٍ مِنْك غَوْثٌ         يَمُنُّ بِهِ اللَّطِيفُ الْمُسْتَجِيبُ

وَكُلُّ الْحَادِثَاتِ إذَا تَنَاهَتْ  فَمَوْصُولٌ بِهَا الْفَرَجُ الْقَرِيبُ

علينا بالدعاء:

إنَّ الصبرَ على الْمِحَنِ والشَّدائدِ لا يعني التَّأَخُّر عن الدُّعاءِ، بل الواجبُ علَى المسلمِ أنْ تكونَ الشِّدَّةُ أكثرَ دفعًا له إلى الدعاءِ واللُّجوءِ إلى الله تعالى، بل الشدَّةُ والْمِحْنَةُ تجعلُ الدَّاعيَ في حالةِ الاضطرارِ التي يُسْتَجابُ مَعَها الدُّعاءُ ﴿أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ (النمل )، وقد اجتهد النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء في بدر مع يقينه بوعد الله إياه بالنصر، حتى أشفق عليه ابو بكر، فقد أخرج مسلم عن عُمَرَ بْنٍ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ»، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ، وَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (الأنفال 9) فَأَمَدَّهُ اللَّهُ بِالْمَلَائِكَةِ.

فلْنُكْثِرْ منَ الاستغفارِ والدُّعاءِ معَ الصَّبْرِ واليقينِ، ولْتَمْتَلِئْ قُلوبُنا يقينًا بوعدِ اللهِ بالنَّصرِ للصَّابرين الصَّادِقين.

والحمْدُ للهِ أَوَّلًا وَآخِرًا وظَاهِرًا وبَاطِنًا، وصَلَّى اللهُ علَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّم.