لا تزال الحكومة الصينية تواصل ممارستها القمعية ضد أقلية الإيغور المسلمة التي تعاني بشكل كبير من ويلات القمع والاضطهاد بسبب القرارات والقوانين المتشددة التي شرعت في السنوات الأخيرة، فأصبحوا بلا حقوق، تكال لهم الاتهامات يومًا تلو الآخر.

وتتعرض تلك الأقلية كما نقلت بعض المصادر لتضييق كبير من الحكومة الصينية بين الحين والآخر؛ حيث قامت السلطات الصينية باحتجاز أكثر من مليوني فرد من تلك الأقلية المسلمة، يضاف إلى ذلك منعهم من إقامة بعض الممارسات والشعائر الدينية الخاصة بهم.. فمن هم الإيغور؟

من هم الإيغور؟

والإيغور، هم قومية من آسيا الوسطى ناطقة باللغة التركية وتعتنق الإسلام يعيش أغلبها في إقليم "سنغيانغ" الذي كان يسمى "تركستان الشرقية" قبل ضمه من قبل عام 1949.

وتشير إحصاءات رسمية إلى وجود ثلاثين مليون مواطن مسلم في البلاد، 23 مليونا منهم من الإيغور. بينما تؤكد تقارير غير رسمية أن أعداد المسلمين تناهز مائة مليون، أي نحو 9.5% من مجموع سكان الصين.

وقد اتخذت العلاقة بين الإيغور والصينيين طابع الكر والفر؛ حيث تمكّن الإيغور من إقامة دولة تركستان الشرقية التي ظلت صامدة على مدى نحو عشرة قرون قبل أن تنهار أمام الغزو الصيني عام 1759 ثم عام 1876 قبل أن تلحق نهائيًا في 1950 بالصين الشيوعية.

وقبل الاستقرار في تركستان الشرقية بغرب الصين كان الإيغور قبائل متنقلة تعيش في منغوليا، وقد وصلوا إلى هذا الإقليم بعد سيطرتهم على القبائل المغولية وزحفهم نحو الشمال الغربي للصين في القرن الثامن الميلادي.

واللغة الأويغورية هي لغة قارلوقية، من اللغات الترکية ويستعملون الحروف العربية في كتابتها إلى الآن.

وكان الإيغور يعتنقون عددًا من الديانات على غرار البوذية والمسيحية (النصطورية)، والزرادشتية إلى حدود القرن العاشر الميلادي؛ حيث دخلوا في الإسلام وغالبيتهم سنية حنفية، وأقلية شيعية إسماعيلية.

وعلى مدى هذه المدة قام الإيغور بعدة ثورات نجحت في بعض الأحيان في إقامة دولة مستقلة على غرار ثورات 1933 و1944 لكنها سرعان ما تنهار أمام الصينيين الذين أخضعوا الإقليم في النهاية.

وحتى عام 1949 كان الإيغور يمثلون 80% من سكان إقليم تركستان الشرقية، ومارست السلطات الصينية صنوفًا مختلفة من القمع والاضطهاد ضد أبناء قومية الإيغور؛ ما أدى إلى نزوح مئات الآلاف منهم إلى الدول والمناطق المجاورة.

ومهّدت هذه الهجرة الطريق أمام الحكومة الصينية لحثّ الصينيين من قومية الهان على الهجرة إلى الإقليم تحت شعار الانفتاح والتعايش السلمي بين القوميات، وهو ما أدَّى بشكل تدريجي إلى زيادة في نسبة السكان من قومية الهان الصينية الذين أصبحوا يمثلون اليوم قرابة 42% من سكان الإقليم البالغ عددهم 24 مليونا.

مآسي مسلمي الإيغور

بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 كثف النظام الصيني من حملة مطاردته للاستقلاليين الإيغور، وتمكن من جلب بعض الناشطين الإيغور، خصوصًا من باكستان، وكازاخستان، وقيرغزستان، في إطار ما يسمى "الحملة الدولية لمكافحة الإرهاب".

وعلى الرغم من أن المادة رقم (36) من دستور جمهورية الصين الشعبية تنص على أن "كل مواطن صيني له حرية العقيدة والدين، والدولة تَحمي الشعائر الدينية للمُواطنين العاديِّين"، إلا أن الصين لا تزال تمارس الضغوطات على المسلمين؛ تتمثل في هدم المساجد، ومصادرة المصاحف وإلزام المرأة بلباس غير إسلامي، ومنع إطلاق اللحية والنقاب، والصيام، أو التسمية بأسماء إسلامية.

كما يتم معاقبة من يرفض متابعة القنوات الدولة، وإخضاع الأطفال للفكر الشيوعي الماركسي بإلغاء مدارسهم الإسلامية الخاصة، وإجبارهم على الالتحاق بالمدارس الحكومية التي تلزمهم بالإفطار في رمضان، وبتناول لحوم الخنزير، وحرق الجثث مخالفة للشريعة الإسلامية التي تأمر بالدفن إكرامًا للميت، ومصادرة بيت كل إيغوري هارب من الظلم.

وكذلك منع الحديث مع الأجانب، وبالأخص مراسلو الصحافة، وإجبارهم على السير، وفق تشريعات تحديد النسل لدى الأسرة الصينية، وإلزام الأئمة بقَسم حكومي لصالح الدولة، والتلاعب بكلمات الأذان والإقامة بإدخال الأناشيد الوطنية فيهما، ومحاربة النظام الأسري الإسلامي ككل، ومصادرة جوازات السفر، وعدم السماح بالحج إلا لكبار السن، وتوحيد الأذان وخطب الجمعة.

صمت دولي

لم تتعرض بكين حتى الآن إلى أي انتقادٍ جاد من الحكومات في العالم العربي والإسلامي، ولم تتحرك أي دولة عربية أو إسلامية، كما ينبغي لنجدة المسلمين المضطهدين في الصين، برغم التقارير التي تشير إلى احتجاز نحو مليون فرد من الإيغور الناطقين بالتركية في معسكرات "إعادة التثقيف" الصينية، وحسب تقرير لوكالة Blomberg الأمريكية، لم تُصدر أي دولة مسلمة بيانًا جديرًا بالذكر عن القضية.

ووصف وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو معاملة الصين لأقلية الويغور المسلمة بأنها "وصمة القرن"، واتهم بكين بالضغط على الدول كي لا تحضر مؤتمرًا تستضيفه الولايات المتحدة عن الحريات الدينية.

وقال بومبيو من المؤتمر الدولي الذي انعقد في واشنطن "الصين مرتع واحدة من أسوأ أزمات حقوق الإنسان في وقتنا الحاضر. إنها بحق وصمة القرن".

وأضاف أن مسئولي الحكومة الصينية سعوا لإثناء الدول عن حضور المؤتمر الذي استضافه وحضرته 106 دول.

وتساءل: "هل هذا يتماشى مع ضمان حرية العقيدة الدينية المذكور نصًّا في دستور الصين؟".

عنصرية ضد المسلمين

على صعيد متصل تفصل الصين بشكل متعمد الأطفال المسلمين عن عائلاتهم والبيئة الدينية واللغوية الخاصة بهم وتضعهم في مناطق بعيدة في إقليم زينجيانغ، وفقا لبحث أجري مؤخرًا.

وقد أكدت بعض المعلومات أن الحكومة الصينية تسعى إلى تصعيد حملتها ليتخلى الإيغور عن تقاليدهم الإسلامية، وإجبارهم على الاندماج في الثقافة الصينية.

وذكر تقرير لإذاعة "آسيا الحرة" أن النساء المسلمات اللائي احتُجز أزواجهن في معسكرات الاعتقال الصينية يُجبرن على مشاركة الفراش مع مسئولين حكوميين صينيين مكلفين بمراقبة منازل الإيغور.

وقال سكان من أقلية الإيغور المسلمة في إقليم تركستان الشرقية (شنغيانغ) أقصى غربي الصين: إنهم مجبرون على تناول لحم الخنزير وشرب الخمر، خلال عطلة رأس السنة الصينية (عام الخنزير) في البلاد.

وتحدثت صحيفة "الجارديان" في افتتاحيتها حول وضع المسلمين في الإيغور، مشيرة إلى أن العنف في شمال غرب الصين يتخذ عدة أشكال تستحق النظر والتدقيق فيها.

وتشير الصحيفة إلى أن "الأبحاث الأخيرة تكشف تفاصيل عن الجهود الرسمية لتغيير أساليب ارتداء المرأة المسلمة لزيها، التي بدأت في عام 2011، في (مشروع الجمال)، والتي شجعت النساء المسلمات على رمي النقاب والحجاب.

وتلفت الافتتاحية إلى أنه "في الوقت ذاته فإن الصور الفضائية كشفت عن تدمير عشرات المقابر في شمال غرب المنطقة في العامين الماضيين، ففي أكسو مثلاً حيث دفن شاعر إيغوري مشهور تم نقل القبور، وتم تحويل المقبرة إلى (متنزه السعادة) حيث وضعت فيه نماذج حيوان باندا وملاعب للأطفال، وكشفت السياسات ذاتها عن تدمير الأماكن الإسلامية".

وتنوه الصحيفة إلى أن "الولايات المتحدة وضعت 28 شخصية صينية من مكاتب الأمن والشركات على القائمة السوداء؛ بسبب معاملة المسلمين الإيغور وغيرهم من المسلمين، قائلة إنهم تورطوا في انتهاكات حقوق الإنسان، وفرضت واشنطن قيودًا على تأشيرات السفر".