5 سنوات مرت على رحيل الدكتور طارق الغندور،  الأستاذ بطب عين شمس،  الذي اغتالته نظام الانقلاب بالإهمال الطبي بالمعتقل  إثر نزيف حاد بسبب مرضه الكبدي.

وارتقى الشهيد يوم الأربعاء 12 نوفمبر 2014، بعد تدهور حالته الصحية بشكل كبير، وقد تم حرمانه من العلاج وتعنتت إدارة سجن “شبين الكوم” في نقله لمستشفى معهد الكبد في شبين الكوم يتلقى فيها العناية التي تناسب ظرفه الصحي كمريض للكبد، إلا بعد أن ساءت حالته الصحية بشكل كبير.

وأضاف مقربون منه أنه ظل ينزف 6 ساعات دون أن يتمكن الفريق الطبي بالمستشفى من إنقاذه؛ الأمر الذي أدى لاستشهاده رحمه الله.

واعتقل الشهيد من منزله يوم 18 ديسمبر 2013  وهو العالم المصري المعروف وأستاذ الجلدية بكلية الطب جامعة عين شمس، فضلاً عن إشرافه على أكثر من 100 رسالة ماجستير ودكتوراة وبحث علمي، وله العديد من المؤلفات في مجال الأمراض الجلدية والعقم، كما يحفظ القرآن الكريم وحاصل على العديد من الدرجات العلمية في الدراسات الإسلامية.

تدهور صحته

قام الدكتور طارق بإجراء عملية دوالي بالمريء وعقب العملية بسبعة أيام أصيب بنزيف حاد في الحادي عشر من نوفمبر 2014 في تمام الثالثة فجرًا، وظل حتى الثامنة صباحا ينزف، وتم نقله إلى مستشفى الجامعة دون أن يقوم أحد بمحاولة إسعافه أو التدخل السريع لإنقاذه .

وذكر أحد أبنائه أنهم توجهوا إلى المستشفى فوجدوه غارقا في دمائه دون وجود طبيب يحاول إسعافه قائلا: "الداخلية كانت سيباه يتصفي لحد ما يموت"، موضحًا أن المستشفى نقلته إلى معهد الكبد في حالة متأخرة، وهناك لم تفلح محاولات إسعافه، حيث توقف قلبه ودخل في غيبوبة خرج منها علي غرفة العناية المركزة في تمام الرابعة عصرا والتي ظل بها لليوم التالي حتى وافته المنية في تمام العاشرة صباحا.

واتهم نجل المتوفي مصلحة السجون بالتسبب في وفاة والده الذي دخل محبسه ومعه كافة التقارير التي تثبت سوء حالته الصحية وتعرضه للخطر، موضحًا أن القانون يكفل للمذنب - إذا اعتبرنا بصحة اتهاماته - أن يقضي فترة عقوبته بالمستشفى إن كان يعاني مرضًا مزمنًا.

قالوا عنه

وأحيا محبي الدكتور طارق الغندور الذكري الخامسة لوفاته، إذ كتب ممدوح محمد، أحد اصدقاء الفقيد قال إن صديقه أستاذ الأمراض الجلدية والتناسلية بكلية الطب جامعة عين شمس كان صديقا للطلبة، وكان دائما مدافعا عن حقهم في التظاهر والتعبير عن آرائهم، مطالبا دوما بالإفراج عنهم، كما أنه كان محبوبًا من الجميع لطيب خلقه وسماحته.

وأضاف أن "الغندور" كان معروفا بين صفوف المتظاهرين، وشارك في ثورة 25 يناير بميدان التحرير، وكان كبير الأطباء في المستشفى الميداني بالميدان، مشيرًا إلى أن خبر وفاته أحزن الكثير من النشطاء السياسيين ممن يعرفونه ومن لا يعرفونه أيضا.

و يذكر " محمود محمد علي " أحد مواقفه مع الشهيد فيقول "من ضمن المواقف التي أتذكرها لدكتور طارق الغندور عندما كنت أسمع له كتاب أبيات شعرية للقراءات السبع للقرآن الكريم أثناء تحركنا بسيارته و كان لا يتذكر بداية البيت كان يبدو مثل التلميذ الصغير و هو يقول متقولش يا محمود أنا هفتكر كم كان قلبه معلق بالقرآن و كنت أسأله على آيات بطريقة عشوائية فيجيبني بمكان الآية في الصفحة و كيف كان يأتي بمحفظ له ليعلمه القراءات السبع, رحمك الله و أسكنك فسيح جناته

تفوق الأبناء

لم يقصر أبناؤه في إنفاذ عهد والدهم مع الله، وهو ما كشفت عنه أرملته إيمان حسين شحاتة عندما زفّت خبرًا عن تخرج ابنها “البراء”، وكتبت عبر حسابها: “ابني الجميل وحبيب قلبي البراء بن طارق حفظك الله يا بني ونفع بك.. خليت الذكرى الخامسة لاستشهاد والدك الحبيب لها طعم آخر غير التي قبلها.. أجواء فرحة تشوبها ذكريات مؤلمة. أدعو الله أن يلحقنا به جميعا فى الفردوس الأعلى من الجنة”.

أما آية طارق فسبق أن نجحت وحصلت على درجة امتياز مع مرتبة الشرف بطب عين شمس؛ حيث كان والدها أستاذًا بنفس الكلية.

ذكريات في المعتقل

ومن ذكريات المعتقل، يقول محمد عبد الحفيظ رفيق زنزانة “الغندور”: أعرف د. طارق منذ 2007، ولكن زادت العلاقة أكثر بعدما دخلت السجن، أنا أول مرة أعتقل ولا أعرف ما المجهول الذي ينتظرني، حينما دخلت زنزانة 2 في قسم أول مدينة نصر وكانت بي بعض الكدمات والخدوش، حينما دخلت الحجز ونظرت إلى وجوه الجنائيين والدخان الذي يملأ أجواء الزنزانة وليس هناك مكان لقدم، انقبض قلبي فكان الدكتور طارق الغندور أول من استقبلني وأسرع نحوي وساعد في حملي وجعلني أنام مكانه، وقام على علاجي ودهن موضع الكدمات.

وأضاف: “وجدت الجنائيين يحبون الدكتور طارق حبا شديدا ويلجأون إليه في كل شيء ويستشيرونه في أمورهم وكان هو يحسن إليهم في كل شيء ويأتي إليهم بالأطعمة المختلفة والحلويات حتى إنه ذات مرة فاجأ أحد الجنائيين وكان نبطشي الحجز (مسئول الحجز) في يوم ميلاده بتورتاية جميلة أهله جابوها مخصوص في الزيارة لرضا الشهير بأبو الغضب المحبوس بتهمة السرقة، ومش عارف أقولكم كان شعور رضا ازاي لما الدكتور طارق قال الناس: النهاردة يوم ميلاد رضا، واحنا نقوله كل سنة وانت طيب ودى هدية منى له، لذلك كان رضا بيحلف بحياة الدكتور طارق وكان رضا يصحى الفجر ويصحى الناس الفجر بالعافية”.

وأشار إلى أنه “في مرة ظباط القسم حبوا يكدروا الدكتور طارق فنقلوه لأسوأ زنزانة في القسم ومشهورة بعنبر الكفار لأن فيها عدد كبير جدا وفيها كبار الجنائيين.. دخان البانجو والحشيش والسجاير.. دخل الغندور قعد فيها 3 أيام وعمل فيها تغيير محترم، أول ما دخل الجنائيين وسعوا له وقعدوه على المصطبة وجمعهم وبدأ يحكيلهم فى قصص الأنبياء وقالهم: فى الآخر هسأل شوية أسألة اللى هيجاوب على كل سؤال هياخد 25 جنيه هدية وده خلاهم يركزوا ويسمعوا ويجاوبوا على الأسئلة ويأخذوا الجوايز”.

وأضاف أنه “في يوم ترحيل الدكتور طارق لسجن أبو زعبل المساجين فى القسم كلهم كانوا زعلانين جدا وفيه منهم اللى عيط على فراق الدكتور طارق، أنا قعدت بعده فى القسم حوالى أسبوع قبل ما أترحل لأبو زعبل كل واحد فى الزنزانة الدكتور طارق هادية بحاجة واحد يقولك المرتبة دى غالية عليا قوى علشان الدكتور مدهالى والتانى معاه لبس والتالت معاه برفان وكله يقعد يحكي ذكرياته مع الدكتور طارق ويقولوا احنا حبينا الإخوان علشان الدكتور طارق الغندور”.

الدكتور طارق يحفظ القرآن عن ظهر قلب وكان يصلى بنا القيام بصوته العذب الهادئ فيؤثر في قلوبنا تأثيرا واضحا لأنه بكل بساطة كان يقرأ القرأن بقلبه وليس بلسانه فقط”.

وختم قائلا: “لو قيل لي اختر رجلا تحسبه من أهل الجنة لاخترت الدكتور طارق الغندور.. أحسبه شهيدا وقد جمع الله عليه الحبس فى سجون الظالمين ومرض الكبد فاستشهد رحمه الله في سجون الظالمين كما استشهد الامام بن تيمية والامام البويطى تلميذ الشافعى وأحمد بن نصر الخزاعى وسيد قطب وعبدالقادر عودة”.

آخر ما كتب:

عمرالظلم ما أخّر بكرة .. عمر السجن ما غير فكرة

قولوا للـ cc ويا عصابته .. لازم يوم هتفوقوا م السكرة

مهما تقتل فينا وتحبس .. مهما هتغسل مخ وتكره

لازم هنحرر أوطانى .. م الظالم وبطانته الماكرة

على يلا وعد سجونك .. واحشر فيها صحاب الفكرة

خلى الشرطة تواجه شعبى .. بسلاحها ووشوشها العكرة

إحنا إلهنا شايف سامع .. مش هيضيع جنده الشاكرة

أبدا مش هيوفق ظالم .. ولا أعوانه وخليها فاكرة

إنه بيهمل يوم والتانى .. مكره هنشوفه فيهم بكرة

يا شهيد سايرين على دربك .. عمرك يوم ما هتبقى ذكرى

وهتافنا راح يعلى ويعلى .. رغم أنوف كل اللى بيكره

عمر الظلم ما أخر بكرة .. وعمر السجن ما غير فكرة

في حماك ربنا بصوت الشهيد: