السلطة القضائية في البرامج الإخوانية

تمثل البرامج الانتخابية والرؤى الإصلاحية التي طرحتها الجماعة على مدار تاريخها أحد الركائز الأساسية لاستبيان مواقفها تجاه القضايا المختلفة وكان بالتالي موقفها من استقلال السلطة القضائية مطروحاً دائماً في معظم أدبياتها السياسية سواء في البرامج الانتخابية أو أطروحاتها المتعاقبة للمطالبة بالإصلاح السياسي المبنى على استقلال السلطات الثلاثة وسنطرح هنا موقف الجماعة من خلال بعض الرؤى والبرامج التي صدرت عن الجماعة.

أولاً: مشروع دستور إسلامي للدولة المصرية عام 1952م

    أصدرت الشعبة القانونية بجماعة الإخوان المسلمين عام 1952 ما أطلقت عليه (مشروع دستور إسلامي للدولة المصرية) وهو مشروع دستور متكامل قدمته الجماعة إلى قيادة الثورة حينها وما يهمنا في هذا الدستور هو نظرة الجماعة للوظيفة القضائية ودور القضاء وسنعرضها كاملة كما جاء في نص الدستور المقترح:

    الوظيفة القضائية:

        مادة 59: السلطة القضائية تتولاها المحاكم وتصدر الأحكام باسم الله جل جلاله.

        مادة 60: تنظيم القضاء وتعيين القضاة ورجال النيابة العمومية يكون على الوجه المبين بالقوانين.

        مادة 61: للقاضي أن يمتنع من تلقاء نفسه عن تطبيق أي قانون مخالف لأحكام هذا الدستور نصا أو روحا.

        مادة 62: وللمتقاضين أن يطلبوا إلى القاضي ذلك أثناء النظر في النزاع.

        مادة 63: لكل مواطن الحق في رفع دعوى يطالب فيها بإبطال قانون مخالف لأحكام الإسلام أو للدستور أو مجاف لها أمام محكمة خاصة ينظمها القانون.


ثانيًا: برنامج انتخابات عام 1987

    مثلت انتخابات عام 1987 احد المحطات التاريخية الهامة في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين وخاصة من منطلق مشاركتها السياسية والبرلمانية فقد حقق التحالف الذي ضم إلى جانب الإخوان حزبي العمل والأحرار نجاحا نسبيا ملحوظا في إطار المعادلة السياسية المطروحة حينها، وبقراءة بسيطة في برنامج التحالف حينها نجد اهتمام البرنامج بمبدأ استقلال القضاء وهو ما طرحه تحت عنوان (استقلال القضاء) فيطرح البرنامج رؤيته لاستقلال القضاء فيقول:

        أ- استكمال دعم القضاء يجعل كافة أموره من اختصاص مجلس القضاء الأعلى الذي يرأسه رئيس محكمة النقض وتشترط موافقته على كل ما يتعلق بشئونه وعدم الاكتفاء بأخذ رأيه وإلغاء جميع المحاكم الاستثنائية، وإزالة الازدواج الموجود بين النيابة العامة وبين المدعى العام الاشتراكي بإلغاء هذا المنصب.

        ب- حظر ندب رجال القضاء والنيابة للقيام بأعمال السلطة التنفيذية حفاظا على استقلال السلطة القضائية.


ثالثًا: مبادرة جماعة الإخوان المسلمين للإصلاح الداخلي في مصر

    أصدرت جماعة الإخوان المسلمين في مصر في مارس 2004 مبادرة للإصلاح الداخلي في مصر وتضمنت تلك المبادرة رؤية الجماعة للإصلاح في مصر في ظل تدهور الأوضاع الداخلية بصورة كبيرة وتضمنت تلك المبادرة العديد من النقاط الجديرة بالدراسة والتطبيق ولكن ما يهمنا هو طرح رؤيتهم للإصلاح القضائي:

    الإصلاح القضائي:

    باعتبار أن السلطة القضائية هي صمام أمن المجتمع وأمان المواطن، وأن استقلالها ضرورة أساسية للقيام بوظائفها الحيوية لإقامة مجتمع الحق والعدل، فإننا نؤمن بأن الإصلاح القضائي من أساسيات الإصلاح الشامل.

والذي يتمثل في نظرنا فيما يلي:

        كفالة استقلال القضاء بجميع درجاته، وبكل الإجراءات، ووضع كل الشروط لإبعاده عن أية مظنة أو مطمع، واحترام أحكام القضاء وعدم التحايل عليها، وألا يُحاكَم أحد إلا أمام قاضيه الطبيعي، وأن تُلغَى جميع أنواع المحاكم الاستثنائية، ويقتصر اختصاص المحاكم العسكرية على جرائم ومخالفات العسكريين فقط.

        الفصل بين سلطتَي الاتهام والتحقيق، وأن تكون النيابة مستقلة غير تابعة لوزير العدل، ويحق لكل من تحبسه احتياطيًّا أن يتظلم فورا من قرارها أمام جهة قضائية.

        تعديل القوانين وتنقيتها بما يؤدي إلى تطابقها مع مبادئ الشريعة الإسلامية، باعتبارها المصدر الرئيسي للتشريع، إعمالاً لنص المادة الثانية من الدستور.


رابعًا: رؤية الإخوان المسلمين للإصلاح الدستوري بمصر

    كما أصدرت جماعة الإخوان المسلمين رؤيتها للإصلاح الدستوري بمصر وتضمنت هذه الرؤية ضرورة أن يكون هناك قضاء موحد ومستقل استقلالاً حقيقياً فتقول تلك الرؤية:

        ثم كانت رؤيتنا لسلطة قضائية مستقلة استقلالاً حقيقيًّا، من خلال قضاء موحد، يختص دون سواه بكل ما يوصف بوصف "منازعة"، بتوحيد جهات القضاء في جهة واحدة وإلغاء كل أشكال القضاء الاستثنائي، كنص المادة 171، وتفعيل نصوص الدستور في كفالة الحقوق والحريات الأساسية بإخضاع كل أشكال النزاع في المجتمع لاختصاص جهة القضاء وحدها أيًّا كانت أسبابها أو أطرافها أو موضوعها. ويهيمن على شئون السلطة القضائية مجلس القضاء الذي يضمن تشكيله هذا الاستقلال ويترجمه، وكذا اختصاصاته بما يقطع ويُنهي صور التدخل الفجّ في شئون السلطة القضائية وذلك بإدخال عنصر الاختيار في أعضاء مجلس القضاء الأعلى من بين أعضاء الجمعية العمومية للنقض واستئناف القاهرة مع ضمان استقلال منصب النائب العام من خلال آلية اختياره من دائرة محددة من رؤساء الاستئناف وبموافقة مجلس القضاء الأعلى.

        وكذا إعلاء سلطات الجمعيات العمومية للمحاكم وعقد الاختصاص الأصيل لها في كل ما يتعلق بحسن سير العدالة داخل كل محكمة، فضلاً عن نشأة التفتيش القضائي في حضن مجلس القضاء الأعلى وتبعيته له دون سواه.

        كما نرى أن منظومتنا العقابية كافيةٌ بما تشمله من نصوص كفيلة بمكافحة ظاهرة الإرهاب وبها زيادة، وبهذه المناسبة نحذر من المساس بأي من الحريات العامة والحقوق المقررة بالبابَين الثالث والرابع من الدستور. لا سيما أننا من أوليات الدول التي وضعت قانونًا لمكافحة الإرهاب بموجبه أدخلت تعديلات جوهرية على قانوني الإجراءات الجنائية والعقوبات منذ عام 1992.


خامسًا: السلطة القضائية في برنامج حزب الحرية والعدالة

    كما مثلت رؤية حزب الحرية والعدالة (المنبثق عن جماعة الإخوان المسلمين) للسلطة القضائية أهمية خاصة نظراً لحداثة هذه الرؤية وصدورها في ظروف متغيره عن سابق الرؤى الأخرى فهذه الرؤية صدرت بعد ثورة 25 يناير وسقوط الرئيس حسنى مبارك وترتكز هذه الرؤية بصفة أساسية على ضرورة استقلال السلطة القضائية بصورة كبيرة فيقول الحزب في برنامجه:

    السلطة القضائية:

    هي الحصن الذي يلجأ إليه أصحاب الحقوق في استقضاء حقوقهم كما يحتمي به الأفراد من تغول أصحاب السلطان وظلم الحكام وأعوانهم ومن ثم فهي التي تقيم الحق والعدل في المجتمع وتبعث الطمأنينة في نفوس المواطنين وتوفر الاستقرار بين جنبات الوطن .

    وحتى تستطيع السلطة القضائية تحقيق ذلك لابد أن تحصل على استقلالها الكامل عن السلطة التنفيذية على وجه الخصوص .

    ولقد جاهد قضاتنا العدول من أجل الاحتفاظ باستقلالهم، في ظل هيمنة طاغية من الحكومات السابقة المتعاقبة وقدموا تضحيات كبيرة، واقترحوا قوانين عديدة للحصول على هذا الاستقلال، إلا أن معظم هذه القوانين تم تجميدها، وقد آن الأوان أن ينعم القضاء باستقلاله والشعب بأمنه وحريته وحقوقه، لذلك رأى حزب الحرية والعدالة إفراد هذه السلطة بالتأكيد على أسباب تحقيق استقلالها بما يلي :

        1. إلغاء كافة أشكال القضاء الاستثنائي، واختصاص القضاء المدني الطبيعي بالفصل في كافة قضايا المدنيين .
        2. مجلس القضاء الأعلى هو الذي يختص بكافة شئون القضاة من تعيين وترقية ونقل وندب وتأديب.
        3. فصل ميزانية القضاء عن ميزانية وزارة العدل، على أن يتولى مجلس القضاء الأعلى تحديد أوجه الإنفاق بعيدا عن سيطرة السلطة التنفيذية .
        4. إلغاء رئاسة رئيس الجمهورية لمجلس القضاء الأعلى ولو شرفيا .
        5. تعيين رئيس المحكمة الدستورية العليا من بين قضاتها وبالأقدمية المطلقة، وكذلك رئيس هيئة مفوضي المحكمة .
        6. استقلال منصب النائب العام بإقرار قواعد لانتخابه من مستوى قضائي معين، وأعضاء النيابة العامة مستقلون عن النائب العام في العمل القضائي دون الإداري .
        7. تعيين رئيسي محكمة النقض والإدارية العليا من بين قضاتهما وبالأقدمية المطلقة، دون تدخل من السلطة التنفيذية .
        8. نقل تبعية التفتيش القضائي للمجلس الأعلى للقضاء .
        9. حظر ندب أو إعارة القضاة إلى مواقع بالوزارات وهيئات السلطة التنفيذية .
        10. إعلاء سلطة الجمعيات العمومية للمحاكم المختلفة واختيار جميع رؤساء المحاكم الابتدائية، وكذا رؤساء محاكم الاستئناف بمعرفة مجلس القضاء الأعلى .
        11. إحالة القضايا للدوائر القضائية بالترتيب، وعدم توجيه قضية بعينها إلى دائرة بعينها .
        12. زيادة أعداد القضاة لضمان سرعة القضاء والعمل على احترام الأحكام وسرعة تنفيذها.
        13. نادى القضاة هو المعبر عنهم ولا سلطان لأحد عليه إلا جمعيته العمومية، ويجب أن تكون له ميزانية مستقلة ضمن أبواب ميزانية مجلس القضاء الأعلى.

أزمة قانون السلطة القضائية 2006 ودور الإخوان بها

كانت أزمة قانون السلطة القضائية والتي نشبت في عام 2006 أهم المحطات الفاصلة في المواجهة بين القضاة والحكومة المصرية منذ مذبحة القضاة وكان للإخوان المسلمين ونوابهم دور كبير في دعم مطالب القضاة برفض قانون السلطة القضائية المقدم من الحكومة والذي أقرته أغلبية الحزب الوطني في المجلس والذي اعتبره نادى القضاة أو التيار الاستقلال داخل النادي خطوة خطيرة تهدد مستقبل القضاء وحريته وتفرض عليه المزيد من تغول السلطة التنفيذية، وكان تعامل النظام المصري مع المظاهرات التي خرجت مؤيدة للقضاة تعامل عنيف جداً حيث تم الاعتداء بالضرب والسحل على المتظاهرين واعتقال ما يزيد عن الألفين كان كلهم أو معظمهم من الإخوان المسلمين وسنتناول هنا تلك المواقف من خلال رصد لبعض الصحف والمواقع التي تناولت تلك الأحداث وخاصة موقف كتلة نواب الإخوان في تلك الفترة .