ما مهمتنا إذًا نحن الإخوان المسلمين؟ وماذا نريد؟

أما إجمالاً: فهي أن نقف في وجه هذه الموجة الطاغية من مدنية المادة وحضارة المتع والشهوات التي جرفت الشعوب الإسلامية، فأبعدتها عن زعامة النبي- صلى الله عليه وسلم- وهداية القرآن، وحَرَمت العالم من أنوار هديها، وأخرت تقدمه مئات السنين.. حتى تنحسر عن أرضنا ويبرأ من بلائها قومنا، ولسنا واقفين عند هذا الحد، بل سنلاحقها في أرضها، وسنغزوها في عقر دارها، حتى يهتف العالم كله باسم النبي- صلى الله عليه وسلم-، وتوقن الدنيا كلها بتعاليم القرآن، وينشر ظل الإسلام الوارف على الأرض، وحينئذٍ يتحقق للمسلم ما ينشده، فلا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5)﴾ (الروم).

وأما تفصيلاً: فهي أن يكون في مصر أولاً، بحكم أنها في المقدمة من دول الإسلام وشعوبه، ثم في غيرها كذلك:

- نظام داخلي للحكم يتحقق به قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ﴾ (المائدة: من الآية 49).

- ونظام للعلاقات الدولية يتحقق به قول القرآن الكريم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: من الآية 143).

- ونظام عملي للقضاء يستمد من الآية الكريمة: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا (65)﴾ (النساء).

- ونظام للدفاع والجندية يحقق مرمى النفير العام: ﴿انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ (التوبة: من الآية 41).

- ونظام اقتصادي استقلالي للثروة والمال، والدولة والأفراد، أساسه قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ (النساء: من الآية 5).

- ونظام للثقافة والتعليم يقضي على الجهالة والظلام، ويطابق جلال الوحي في أول آية نزلت من كتاب الله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)﴾ (العلق).

- ونظام للأسرة والبيت ينشئ الصبي المسلم والفتاة المسلمة والرجل المسلم ويحقق قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (التحريم: 6).

- ونظام للفرد في سلوكه الخاص يحقق الفلاح المقصود بقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9)﴾ (الشمس: 9).

- وروح عام يهيمن على كل فرد في الأمة من حاكم أو محكوم، قوامه قول الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ (القصص: من الآية 77).

نحن نريد إذًا:

- الرجل المسلم في تفكيره وعقيدته، وفي خلقه وعاطفته، وفي عمله وتصرفه.. وهذا هو تكويننا الفردي.

- والبيت المسلم في تفكيره وعقيدته، وفي خلقه وعاطفته، وفي عمله وتصرفه، ولهذا نعنى بالمرأة عنايتنا بالرجل، ونعنى بالطفولة عنايتنا بالشباب.. وهذا هو تكويننا الأسري.

- والشعب المسلم في ذلك كله أيضًا، ونحن لهذا نعمل على أن تصل دعوتنا إلى كل بيت، وأن يسمع صوتنا في كل مكان، وأن تتيسر فكرتنا وتتغلغل في القرى والنجوع والمدن والمركز والحواضر والأمصار، لا نألو في ذلك جهدًا ولا نترك وسيلةً.

- والحكومة المسلمة التي تقود الشعب إلى المسجد، وتحمل به الناس على هدى الإسلام من بعد كما حملتهم على ذلك بأصحاب رسول الله أبي بكر وعمر من قبل، ونحن لهذا لا نعترف بأي نظام حكومي لا يرتكز على أساس الإسلام ولا يُستمد منه، ولا نعترف بهذه الأشكال التقليدية التي أرغمنا أهل الكفر وأعداء الإسلام على الحكم بها والعمل عليها، وسنعمل على إحياء نظام الحكم الإسلامي بكلِّ مظاهره، وتكوين الحكومة الإسلامية على أساس من هذا النظام (انظر: رسالة إلى الشباب).

- نحن لا نريد جمع المال وهو ظل زائل، ولا نريد سعة الجاه، وهو عرض حائل، ولا نريد الجبروت في الأرض ونحن نقرأ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)﴾ (القصص).. شهد الله أننا لا نريد شيئًا من هذا، وما لهذا عملنا ولا إليه دعونا.. ولكن ندعو إلى هدفين اثنين:

الأول- أن يتحرر الوطن الإسلامي من كلِّ سلطان أجنبي، وذلك حق طبيعي لكلِّ إنسان، لا ينكره إلا ظالم جائر أو مستبد قاهر.

الثاني- وأن تقوم في هذا الوطن الحر دولةٌ إسلاميةٌ حرةٌ، تعمل بأحكام الإسلام، وتطبق نظامه الاجتماعي، وتعلن مبادئه القويمة، وتبلغ دعوته الحكيمة إلى الناس.. وما لم تقم هذه الدولة فإن المسلمين جميعًا آثمون مسئولون بين يدي الله العلي الكبير عن تقصيرهم في إقامتها، وقعودهم عن إيجادها.

واجباتنا.. وعدتنا لتحقيقها

إن أول واجباتنا نحن الإخوان المسلمين، أن نبين للناس حدود هذا الإسلام واضحة كاملة بيِّنَة، لا زيادة فيها ولا نقص بها ولا لبس معها، وذلك هو الجزء النظري من فكرتنا، وأن نطالبهم بتحقيقها، ونحملهم على إنفاذها ونأخذهم بالعمل بها، وذلك هو الجزء العملي في هذه الفكرة.

وعمادنا في ذلك كله كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والسنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والسيرة المطهرة لسلف هذه الأمة، لا نبغي من وراء ذلك إلا إرضاء الله، وأداء الواجب، وهداية البشر، وإرشاد الناس.

وسنجاهد في سبيل تحقيق فكرتنا، وسنكافح لها ما حيينا، وسندعو الناس جميعًا إليها، وسنبذل كل شيء في سبيلها، فنحيا بها كرامًا، أو نموت كرامًا، وسيكون شعارنا الدائم:
الله غايتنا، والرسول زعيمنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا (المرجع السابق).

أما عدتنا لتحقيق تلك الواجبات فهي عدة سلفنا من قبل، والسلاح الذي غزا به زعيمنا وقدوتنا محمد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وصحابته معه العالم، مع قلة العدد وقلة المورد وعظيم الجهد، وهو السلاح الذي سنحمله لنغزو به العالم من جديد.. لقد آمنوا أعمق الإيمان وأقواه وأقدسه وأخلده بالله ونصره وتأييده، وبالقائد وصدقه وإمامته، وبالمنهاج ومزيته وصلاحيته، وبالإخاء وحقوقه وقدسيته، وبالجزاء وجلاله وعظمته وجزالته، وبأنفسهم فهم الجماعة التي وقع عليها اختيار القدر لإنقاذ العالمين وكتب لهم الفضل بذلك، فكانوا خير أمة أخرجت للناس.

فالإيمان إذًا هو أول عدتنا.. والجهاد من عدتنا كذلك، ونحن بعد هذا كله واثقون بنصر الله، مطمئنون إلى تأييده ﴿ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)﴾ (الحج) (انظر: رسالة "الإخوان المسلمون تحت راية القرآن").

أما وسائلنا لتحقيق أهدافنا وإتمام واجباتنا، فهي الوسائل العامة للدعوات، لا تتغير ولا تتبدل، ولا تعدو هذه الأمور الثلاثة:

1- الإيمان العميق.

2- التكوين الدقيق.

3- العمل المتواصل.

وهذه الوسائل تعني: الإقناع ونشر الدعوة بكلِّ وسائل النشر؛ حتى يفقهها الرأي العام ويناصرها عن عقيدة وإيمان، ثم استخلاص العناصر الطيبة لتكون هي الدعائم الثابتة لفكرة الإصلاح.. ثم النضال الدستوري حتى يرتفع صوت هذه الدعوة في الأندية الرسمية وتناصرها وتنحاز إليها القوة التنفيذية.

أما سوى ذلك من الوسائل فلن نلجأ إليه إلا مكرهين، ولن نستخدمه إلا مضطرين، وسنكون حينئذٍ صرحاء شرفاء، لا نحجم عن إعلان موقفنا واضحًا لا لبس فيه ولا غموض، ونحن على استعداد تام لتحمل نتائج عملنا أيًّا كانت، لا نُلقي التبعة على غيرنا، ولا نتمسح بسوانا، ونحن نعلم أن ما عند الله خير وأبقى، وأن الفناء في الحق هو عين البقاء، وأنه لا دعوة بغير جهاد، ولا جهاد بغير اضطهاد، وعندئذٍ تدنو ساعة النصر، ويحين وقت الفوز، ويتحقق قول الملك الحق المبين: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)﴾ (يوسف) (انظر: رسالة المؤتمر السادس).

الإخوان لا يعرفون اليأس

لعلمهم أن اليأس ليس من أخلاق المسلمين، وأن حقائق اليوم أحلام الأمس، وأحلام اليوم حقائق الغد، كما يعلمون أنه ما زال في الوقت متسع، وما زالت عناصر السلامة قوية عظيمة في نفوس الشعوب المؤمنة، رغم طغيان مظاهر الفساد، وأن الضعيف لا يظل ضعيفًا طول حياته، وأن القوي لا تدوم قوته أبد الآبدين: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (القصص: من الآية 5).

وأن الإخوان على استعداد دائم، ليقينهم أن الدور عليهم في قيادة الأمم وسيادة الشعوب، وأن العالم ينظر إلى دعوتهم، دعوة الهداية والسلام؛ لتخلصه مما هو فيه من آلام.. ولقد صارح المرشد المؤسس- عليه رحمة الله- إخوانه منذ البداية بمشقات الطريق، ووعورة دروبه فقال لهم:

"أحب أن أصارحكم أن دعوتكم ما زالت مجهولةً عند كثير من الناس، ويوم يعرفونها ويدركون مراميها وأهدافها ستلقى منهم خصومة شديدة وعداوة قاسية، وستجدون أمامكم كثيرًا من المشقات، وسيعترضكم كثير من العقبات، وفي هذا الوقت وحده تكونون قد بدأتم تسلكون سبيل أصحاب الدعوات، أما الآن فما زلتم مجهولين وما زلتم تمهدون للدعوة وتستعدون لما تتطلبه من كفاح وجهاد، سيقف جهل الشعب بحقيقة الإسلام عقبة في طريقكم، وستجدون من أهل التدين ومن العلماء الرسميين من يستغرب فهمكم للإسلام، وينكر عليكم جهادكم في سبيله، وسيحقد عليكم الرؤساء والزعماء وذوو الجاه والسلطان، وستقف في وجهكم كل الحكومات على السواء، وستحاول كل حكومة أن تحدّ من نشاطكم وأن تضع العراقيل في طريقكم.

وستدخلون بذلك ولا شك في دور التجربة والامتحان، فتُسجنون وتُعتقلون، وتُنقلون وتُشرَّدون، وتُصادر مصالحكم وتعطل أعمالكم وتفتش بيوتكم، وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2)﴾ (العنكبوت)، ولكن الله وعدكم من بعد ذلك كله نصرة المجاهدين ومثوبة العاملين المحسنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14)﴾ (الصف).. فهل أنتم مصرّون على أن تكونوا أنصار الله؟! (انظر: رسالة بين الأمس واليوم).

خصائص دعوتنا

أما خصائص دعوتنا التي خالفت بها باقي الدعوات فهي (انظر: رسالة المؤتمر الخامس):

- البعد عن مواطن الخلاف الفقهي؛ لأن الإخوان يعتقدون أن الخلاف في الفرعيات أمر ضروري لا بد منه، إذ إن أصول الإسلام آيات وأحاديث وأعمال تختلف في فهمها وتصورها العقول والأفهام، لهذا كان الخلاف واقعًا بين الصحابة أنفسهم.. وما زال كذلك، وسيظل إلى يوم القيامة.

- البعد عن هيمنة الكبراء والأعيان، كي لا يحاول أحد منهم أن يستغلها أو يوجهها في غير غايتها، وكي لا يطمس لون الدعوة الصافي لونٌ آخر من ألوان الدعوات التي يروج لها هؤلاء الكبراء.

- البعد عن الهيئات والأحزاب، لما يدور بها من تنافر وتناحر لا يتفق مع أخوة الإسلام، ودعوته العامة التي تجمع ولا تفرِّق.

- التدرج في الخطوات، لاعتقاد الإخوان أن كل دعوة لا بد لها من مراحل ثلاث: مرحلة الدعاية والتعريف والتبشير بالفكرة وإيصالها إلى الجماهير من طبقات الشعب، ثم مرحلة التكوين وتخير الأنصار وإعداد الجنود وتعبئة الصفوف من بين هؤلاء المدعوين، ثم بعد ذلك كله مرحلة التنفيذ والعمل والإنتاج.

- إيثار الناحية العملية، فيقوم الإخوان بجليل الأعمال وبضروب الإصلاح التي تنتج أحسن الآثار، ثم هم بذلك لا يتشدقون ولا يباهون، ولا يذكرون حتى الحقيقة فضلاً عن المبالغة والإغراق؛ مخافة أن تشوب هذه الأعمال شوائب الرياء.

- إقبال الشباب عليها، يؤمنون بها ويناصرونها ويؤيدونها، ويعاهدون الله على النهوض بها.

- سرعة الانتشار في القرى والمدن، فلم تعد الدعوة فيها مقتصرة على تنفيذ تعليمات رئاستها، بل إن المنتسبين لها في سائر تلك الأماكن يجدّون ويعملون في مناحي الخدمة العامة، وقد أقاموا العديد من المشروعات الخيرية والاقتصادية والاجتماعية.

من أين يقوم الإخوان بنفقات دعوتهم؟

ألا فليعلم الجميع أن دعوة الإخوان هي أعفُّ الدعوات، وأن جماعتهم هي أشرف الجماعات، وأن مواردهم من جيوبهم لا من جيوب غيرهم، ونفقات دعوتهم من قوت أولادهم ومخصصات بيوتهم، وأن أحدًا من الناس، أو هيئة من الهيئات، أو حكومة من الحكومات، أو دولة من الدول، لا تستطيع أن تجد لها في ذلك منة عليهم، وما ذلك بكثير على دعوة أقل ما يُطلب من أهلها: النفس والمال: ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ (التوبة: من الآية 111) (انظر: رسالة المؤتمر السادس)، وقد قبل الإخوان البيع وقدموا البضاعة عن رضا وطيب نفس، معتقدين أن الفضل كله لله، فاستغنوا بما في أيديهم عما في أيدي الناس، وقد منحهم الله البركة في القليل فأنتج الكثير.

وإلى الآن لم تُمنح الجماعة إعانة واحدة من حكومة من الحكومات.. وهذا ما نباهي به ونفاخر، ونتحدى الناس جميعًا أن يقول أحدهم إن خزانة الجماعة قد دخلها قرش واحد من غير جيوب أعضائها، ولسنا نريد إلا هذا، ولن نقبل إلا من عضو أو من محب، ولن نعتمد على الحكومات في شيء، ولن نبخل على دعوتنا يومًا من الأيام بقوت أولادنا وعصارة دمائنا وثمن ضرورياتنا، فضلاً عن كمالياتنا والفائض من نفقاتنا (انظر: رسالة المؤتمر الخامس).

إننا نعمل لغاية، على هدى من ربنا، وهي الإسلام وأبناؤه في كلِّ زمان ومكان، ولن نعمل في يوم الأيام لحساب هيئة من الهيئات، أو جماعة من الجماعات، ولن تمد أيدينا إلى أحد، ولن نستعين بفرد أو هيئة أو جماعة (انظر: رسالة إلى الشباب).

قوة دعوتنا وسر نجاحنا

إننا رغم تذرع الغاصبين بكلِّ طريق لمناهضتنا وإطفاء نور دعوتنا، إلا أننا نحقق نجاحًا إثر نجاح، وقد انتشرت دعوتنا في غالب بلاد العالم، وصار صوتها مسموعًا، ولها أنصارها، ومحبوها في كل مكان، ذلك لأننا ندعو بدعوة الله، وهي أسمى الدعوات، وننادي بفكرة الإسلام وهي أقوى الفكر، ونقدم للناس شريعة القرآن وهي أعدل الشرائع ﴿صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ (138)﴾ (البقرة)، وأن العالم كله في حاجة إلى هذه الدعوة، وكل ما فيه يمهد لها ويهيئ سبيلها، وأننا بحمد الله برءاء من المطامع الشخصية، بعيدون عن المنافع الذاتية، لا نقصد إلا وجه الله وخير الناس، ولا نعمل إلا ابتغاء مرضاته، وأننا نترقب تأييد الله ونصرته، ومن نصره الله فلا غالب له: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11)﴾ (محمد)، فقوة دعوتنا وحاجة الناس إليها ونبالة مقصدنا وتأييد الله إيانا هي عوامل النجاح التي لا تثبت أمامها عقبة ولا يقف في طريقها عائق: ﴿وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 21) (انظر: رسالة بين الأمس واليوم).

كيف يتربى رجال الإخوان المسلمين؟

إن الهدف الأساسي من التربية عند جماعة الإخوان المسلمين، هو تكوين الأفراد وتعبئتهم، وإعداد الرجال الذين يحملون على كاهلهم واجب نشر الفكرة وتبليغها وهم- أي الإخوان- يتوقعون من التربية أن تخرِّج أعضاءً يتمثلون مجموعة من القيم، يعيشون بها ولها (انظر: حول أساسيات المشروع الإسلامي لنهضة الأمة، "قراءة في فكر الإمام الشهيد حسن البنا"، د. عبد الحميد الغزالي، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2001م).

أما المواصفات الأساسية للمرشحين للحاق بالدعوة، فهي الجرأة، والحركة، وأن يكون هذا الشخص مفكرًا يُستأنس بعقله وفكره، منتجًا يقدم إنجازات ويحقق نجاحات.

وقد أعد الإخوان وسائل لتربية الأنصار، تعد بمثابة محاضن لتثقيفهم ثقافة شرعية وإنسانية وحركية، ولتجهيزهم جاهزية معنوية، وذهنية ومادية، ولتدريبهم على المهارات الحياتية وعلى استخدام ما جهزوا به الاستخدام الأمثل، ولإعدادهم للتخصص في المجالات التي سيخدمون فيها، أما هذه الوسائل فتشمل:

- الأسر، كمحضن للعلاقات الأخوية.

- الكتائب، كمعهد للتربية الروحية.

- الرحلات، كمحضن للعلاقات الاجتماعية.

- الدورات، كمركز للتأهيل والتدريب.

- المخيمات، كمعهد للتربية الجسمية.

- المؤتمرات، كمعهد للتربية العلمية والفكرية.

ولقد طرح الإمام المؤسس- منذ نشأة الجماعة- منظومة قيمية.. تشمل أهم المواصفات التي ينبغي أن يتحلى بها العضو تجاه نفسه وتجاه جماعته، وهذه المنظومة هي "الأركان العشرة للبيعة" التي تشمل: الفهم، والإخلاص، والعمل، والجهاد، والتضحية، والطاعة، والثبات، والتجرد، والأخوة، والثقة.

وهناك مجموعة من الأهداف- يتفرع منها مجموعة من الوسائل- يتعين على الأخ أن يحققها لإصلاح نفسه، وهذه الأهداف هي:

أن يكون: قوي الجسم، متين الخلق، مثقف الفكر، قادرًا على الكسب، سليم العقيدة، صحيح العبادة، مجاهدًا لنفسه، حريصًا على وقته، منظمًا في شئونه، نافعًا لغيره.

وهذه المبادئ يجمعها الأخ في خمس كلمات هي: الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن شرعتنا، والجهاد سبيلنا، والشهادة أمنيتنا.. ويجمع مظاهرها في خمس كلمات أخرى هي: البساطة، والتلاوة، والصلاة، والجندية، والخلق.