قال أنس بن مالك رضي الله عنه: "أتى عليّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا ألعب مع الغلمان، فسلم علينا، فبعثني في حاجةٍ، فأبطأت على أمي، فلمّا جئت قالت: ما حبسك؟ (أي ما أخرك؟) فقلت: بعثني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لحاجةٍ، قالت: ما حاجته؟ قلت: إنه سرُُّ، قالت: لا تخبرنَّ بسرِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدًا".

وقال العباس بن عبد المطلب لابنه عبد الله: "إني أرى هذا الرجل (يعني عمر بن الخطاب) يقدمك على الأشياخ (يعني كبار الصحابة)، فاحفظ عني خمسًا: لا تفشينّ له سرًا، ولا تغتابن عنده أحدًا، ولا يُجرِّبن عليك كذبًا، ولا تعصينَّ له أمرًا، ولا يطَّلعن منك على خيانة".

وهكذا كان الصحابة - رضوان الله عليهم -، وهكذا كان أجدادنا الأوائل يعلمون أولادهم المحافظة على السر، وهي من ألزم الأمور لسلامة الأمة وأمنها.

والواقع أن المدرسة الإسلامية عُنيت بالأمن والمحافظة على الأسرار أشدَّ العناية، ووضعت لهما المبادئ والأصول والأساليب، وأثبت تاريخ صدر الإسلام أن من أسباب انتصار المسلمين على أعدائهم الكثيرين، أن أسرار النبي-صلى الله عليه وسلم-، وأسرار المسلمين كانت مصونةً وبعيدةً عن متناول الأعداء، في الوقت الذي كان النبي - صلوات الله وسلامه عليه - يطَّلع على نيات أعدائه العداونية عن طريق عيونه وأرصاده (رجال مخابراته) قبل وقت مبكر، فيعمل من جانبه على إحباط ما يبيتونه للإسلام من غدر وخيانة ودسائس.

كذلك لم يستطع المشركون وأعداء الإسلام أن يباغتوا قوات النبي-صلى الله عليه وسلم-في الزمان والمكان وأسلوب القتال، بينما استطاع-صلوات الله وسلامه عليه - أن يباغت أعداءَه في معظم غزواته وسراياه.

كذلك لم يرد في تاريخ صدر الإسلام حوادث خيانة أو تخابر مع العدو إلا في حادثة حاطب بن أبي بلتعة في فتح مكة، وهي حادثة واحدة واعتذر منها صاحبها.

كل ذلك من منهج الإسلام في تربية المسلمين على الأمن والمحافظة على الأسرار، ومن المبادئ المعروفة أن الأمة التي تكتم أسرارها هي الأمة التي يمكن أن تنتصر، وما يُقال عن الأمة يقال عن الأفراد؛ لأن الأمة تتكون من أفراد.

واللسان الذي هو نعمة من نعم الله على عباده - يستطيعون بها التعبير عن آرائهم وتبادل المنافع مع الناس- هو وسيلة للخير والسعادة في الدنيا والآخرة إذا أُحسن استعماله، كما أنه سبب قوي للشر والشقاء في الدارين إذا أُسيء استعماله، فهو سلاح ذو حدين يمكن به النفع ويمكن به الضر..

والقرآن الكريم ينبئ بأن كل لفظ من الإنسان مسجل عليه، فيقول الله تعالى: ﴿مَا يَلفِظُ مِنْ قَولٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيْبُُ عَتِيْد﴾ (ق:18) فالكلمة أمانة عظمى لها مكانتها في الإسلام، وتقدير أمرها، والتدبر فيها قبل التلفظ بها مرتبط بالإيمان، كما يُفهم من قول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "من كان يومن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت".

ويقول الله تعالى:﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ* تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ* وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾(إبراهيم 24 - 26).

والمراد بالكلمة الطيبة شهادة أن لا إله إلا الله، وقيل دعوة الإسلام، وقيل: كل كلمة حسنة.. والمراد بالكلمة الخبيثة: كلمة الكفر أو الدعوة إليه أو الكذب، أو كل كلمة لا يرضاها الله تعالى.

وإفشاء الأسرار التي تعود على الأفراد والأمم بالأضرار من الكلام الذي لا يرضاه الله تعالى، وكذلك كل كلام فيه سعي بالفساد مندرج تحت الكلمة الخبيثة. ويقول النبي- صلى الله عليه وسلم -: "إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله - ما يظن أن يبلغ ما بلغته - فيكتب الله بها عليه سخطه إلى يوم يلقاه".

وعن شعبان بن عبد الله الثقفي قال: "قلت يا رسول الله حدثني بأمر أعتصم به، قال: (قل ربي الله ثم استقم) قال: قلت يا رسول الله، وأخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال: (هذا)".

كتمان الأسرار من الحذر والفطنة

وينبه الإسلام إلى اليقظة والحذر، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾، وكما في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: "المؤمن كيس فطن". فاليقظة والحذر والوعي والفطنة كلها تدفع إلى كتمان الأسرار، التي جعلها الله أمانة من الآمانات التي يجب على المسلمين أن يحافظوا عليها، كما قال تعالى﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الأنفال: 27).

وقال النبي عليه الصلاة والسلام: "ألا لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له"، وقال أيضًا: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان"، وقال: "إذا حدث الرجل الحديث ثم التفت فهو أمانة". وقال:"إنما يتجالس المتجالسان بالأمانة، ولا يحل لأحدهما أن يفشي على صاحبه ما يكره" وقال: "كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع".

الصمت

والصمت من أكبر أسباب الوقاية من إفشاء الأسرار(الوقاية خير من العلاج)، والإسلام يرشد إلى الصمت ويدعو المسلمين إليه، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت"."طوبى لمن أمسك الفضل من لسانه، وأنفق الفضل من ماله". وغير ذلك من الأحاديث التي تدعو إلى التمسك بهذه القيم الإسلامية.

دروس عملية من هدي النبي

والدروس العملية التي يستطيع المسلمون أن يتعلموها من النبي- صلى الله عليه وسلم- في مجال السرية والأمن أكثر من أن تُحصى.

فلقد كان من أسباب نجاح الدعوة الإسلامية أن رسول الله- صلوات الله وسلامه عليه- بدأ سرًا..

ولما شاهد عليٌّ - رضي الله عنه - النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يصلي هو وخديجة - رضي الله عنها -، قال: "يا محمد ما هذا؟ قال: دين الله الذي اصطفى لنفسه وبعث به رسله. فأدعوك إلى الله وحده لا شريك له وإلى عبادته وأن تكفر باللات والعزى.. فقال علي: هذا أمر لم أسمع به من قبل اليوم، فلست بقاض أمرًا حتى أحدث به أبا طالب" (أي أباه).

لكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كره أن يُفشي سر الدين قبل أن يستعلن أمره فقال له: يا علي، إذا لم تسلم فاكتم. فامتثل علي للأمر، حتى جاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الصباح التالي وأعلن إسلامه وكتم ذلك عن أبيه ولم يظهره.

وقد أثر عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قوله المشهور: "ليس كل ما يُعلم يُقال، ولا كل ما يُقال حضر أهله، ولا كل ما حضر أهله حان وقته".

وهجرته - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة من أعظم الدروس في السرية والأمن والكتمان حتى بلغ المدينة بسلام.

وعن كعب بن مالك-  رضي الله عنه - أنه قال: "ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد غزوة إلا وارى".

ومن الأمثلة العملية في ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - لما أراد تأديب بني لحيان، الذين غدروا بدعاة المسلمين - وكان هؤلاء الدعاة ستة من كبار الصحابة - أظهر أنه يريد الشام. وتحرك فعلاً بقواته شمالاً، فلما اطمأن إلى انتشار أخبار تحركه على الشمال باتجاه الشام، عاد راجعًا باتجاه مكة مسرعًا في حركته حتى بلغ منازل بني لحيان.

وفي غزوة الخندق جاء نُعيم بن مسعود الغطفاني (وكانت غطفان من القبائل التي انضمت إلى قريش للقضاء على المسلمين) إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخبره أنه أسلم ولا يعلم قومه، وطلب منه أن يأمره بما يشاء، فقال الرسول: "إنما أنت رجل واحد، فخذِّل عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة".

فقام نُعيم بمهمته خير قيام، ونجح في التفريق بين القوى الثلاث التي تجمعت لقتال المسلمين (قريش، والقبائل العربية ومنها قبيلته غطفان، ويهود بني قريظة)، وكان مما ساعد على نجاح مهمته مراعاة الأمن والسرية.

لقد كتم النبي - صلى الله عليه وسلم - إسلام نُعيم، وكتم نُعيم إسلامه، فلم يعرف قومه ولا بنو قريظة ولا قريش عن إسلامه شيئًا، فلو لم يطبق الرسول - صلى الله عليه وسلم - مبدأ السرية والأمن، ولو لم يطبقه نُعيم، فهل كان بإمكان نُعيم أن يقوم بهذا الدور الحاسم في تفرقة صفوف الأحزاب ونزع الثقة من نفوسهم؟

وقد ابتكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - (الرسالة المكتوبة) مراعاة للسرية والأمن، وحرمان أعداء المسلمين من الحصول على المعلومات التي تفيدهم عن تحركات المسلمين وأهدافهم، فقد بعث صلوات الله وسلامه عليه سرية من المهاجرين، قوامها اثنا عشر رجلاً بقيادة عبد الله بن جحش الأسدي في مهمة استطلاعية في شهر رجب من السنة الثانية للهجرة، وسلمه رسالة (مكتوبة) تحتوي على تفاصيل المهمة من حيث الهدف منها ومكانها وغير ذلك من التعليمات، وأمره ألا يفتحها إلا بعد أن يسير يومين.

وتعتبر غزوة فتح مكة من أروع الأمثلة التاريخية في مجال السرية والأمن والكتمان: إن أقرب المقربين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو صاحبه أبو بكر الصديق، أول من آمن به، كما أن عائشة بنت الصديق أبي بكر كانت أحب نسائه إليه" فقد سئل النبي عليه الصلاة والسلام: "يا رسول الله أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قالوا: إنما نعني من الرجال، قال: أبوها"، ومع ذلك كانت عائشة لا تُفشي لأبيها شيئًا من سر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان أبو بكر الصديق وابنته عائشة لا يعلمان من أسرار غزوة الفتح إلا قليلاً.

ولقد احتوت غزوة الفتح على الكثير من إجراءات الأمن التي كان لها أكبر الأثر في تحقيق المفاجأة الكاملة، وفتح مكة بلا قتال.