رغم أن المسلمين فى الهند يمثلون أقلية كبيرة لا يقل تعدادهم عن تعداد سكان الكثير من الدول، حيث يبلغ تعدادهم 200 مليون نسمة من إجمالي عدد سكان البلاد البالغ 1.3 مليار نسمة، إلا أنهم يواجهون اضطهادا لا نظير له في أي بقعة فى العالم .

هذا الاضطهاد جانب منه عرقي وجانب آخر سياسي، وجانب ثالث اجتماعى واقتصادي، إلا أن الأساس فيه هو الجانب الديني.

ويواجه المسلمون في الهند فى الوقت الحاضر مرحلة من أصعب المراحل في حياتهم؛ نتيجة تآمر الأحزاب الهندوسية المتطرفة التى تشن حملة إبادة منظمة تحت مرأى ومسمع الحكومة الهندية والعالم، وتغض الحكومة الهندية الطرف عن هذه الإبادة، بل كشفت تقارير حقوقية ودولية عن تورطها في هذه الأحداث .

هذه الاضطهادات التى لا تتوقف دفعت رئيس الوزراء الباكستاني، عمران خان، إلى توجيه انتقادات حادة إلى حزب "بهاراتيا جاناتا" الحاكم في الهند، وأحد أعضائه في البرلمان، على خلفية تصريحات عنصرية ضد المسلمين هناك، عقب تمرير قانون الجنسية الذي أثار غضبا واسعا وتسبب فى مقتل عشرات المسلمين في دلهي.

وقال خان، في تعليق على مقابلة تلفزيونية للبرلماني الهندي سوبرمانيان سوامي: "حزب بهاراتيا جاناتا يوحي لقادته بالحديث عن انفتاح على 200 مليون مسلم، كما كان النازيون يتحدثون عن اليهود" .

https://www.youtube.com/watch?v=XH1fe1TWB1E

الإسلاموفوبيا

الاضطهاد ضد المسلمين لا يتوقف، فهو يندرج ضمن ما يعرف بـ"الإسلاموفوبيا"، بل يستغل الهندوس كل حدث أو أزمة تمر بها الهند ويوجهون الاتهامات للمسلمين دون سند أو دليل، وهو ما يكشف كراهيتهم للإسلام والمسلمين .

آخر هذه الأحداث أزمة كورونا التى ضربت دول العالم أجمع، حيث اتهمت السلطات الهندية جماعة "التبليغ" المسلمة بأنها السبب فى انتشار هذا الوباء فى الهند؛ بحجة أنها تنظم تجمعات دينية كبيرة بأحد أحياء دلهي المزدحمة، أدت إلى تفشي الفيروس بحسب مزاعم السلطات.  

وروج مسئولون هنود أن العدوى انتشرت بسبب مشاركة أجانب في الفعاليات، ومن بينهم وعاظ من عدة بلدان مثل إندونيسيا، وماليزيا، وبنجلاديش، وقيرغيزستان، على حد زعمهم .

كما زعم مختار عباس نقبي، وزير في الحزب الحاكم في الهند، بهارتيا جاناتا، أنه ما حدث بمثابة "جريمة لحركة طالبان".

وتلقى الهندوس هذه الاتهامات الساذجة، ونشرت كتائبهم الإلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي وسوما عنصرية تدين المسلمين، كما نشر التلفزيون الهندي رسالة عنصرية، داعيا إلى وقف ما أسماه "جهاد كورونا". وبث عناوين من قبيل "أنقذوا البلد من جهاد كورونا" و"مَن هو الحرامي في نظام الدين (منطقة نظام الدين بالعاصمة الهندية حيث عُقِدت الفعاليات).

وانتشرت صور معادية للمسلمين، وروجت إحداها لفكرة أن الصين هي "منتجة" الفيروس، وأن المسلمين "موزعون" له.

وتأتي هذه الاتهامات بعد أحداث عنف راح ضحيتها مسلمون على يد هندوس، تعلق بعضها بانتزاع المسجد البابرى من المسلمين بحكم قضائي، حيث سمحت المحكمة العليا بالهند ببناء معبد هندوسي على أنقاض المسجد، مما أدى إلى اندلاع احتجاجات واجهتها السلطات الهندية بعنف.

https://www.youtube.com/watch?v=HALlGN9H4fA

قانون المواطنة

وتعلق بعضها الآخر بما يعرف بقانون المواطنة الجديد، الذي يمنح الجنسية للمهاجرين من غير المسلمين في جميع أنحاء البلاد، بما يعد انتهاكا لحقوق أكثر من 200 مليون مواطن هندي مسلم، حيث يسمح القانون بمنح جنسية البلاد للمهاجرين غير المسلمين من أقليات دينية مختلفة من الدول المجاورة ذات الغالبية المسلمة، وهو ما اعتبره مراقبون تمييزا واضحا ضد المسلمين وتقويضا للنظام العلماني في الهند.

وهذا القانون جاء تماشيا مع أجندة قومية هندوسية صريحة تريد إعادة تشكيل الهند كدولة هندوسية أكثر منها علمانية، تمثلت هذه الأجندة في اتخاذ إجراءات قد تدفع الى تقسيم البلاد إلى خطوط طائفية، بهدف نبذ الأقلية المسلمة في هذا البلد.

وكان البرلمان الهندي قد صادق، فى 12 ديسمبر الماضي، على مشروع القانون الذي تقدمت به حكومة رئيس الوزراء الهندوسي ناريندرا مودي، والذى يمنح الجنسية الهندية للمهاجرين غير المسلمين، والسماح للبوذيين والمسيحيين والهندوس والجينيين والبارسيين والسيخ، الذين فروا من باكستان وبنجلاديش وأفغانستان قبل العام 2015، بالحصول على الجنسية الهندية.

ويؤكد المعارضون أنّ القانون جزء من برنامج رئيس الوزراء الهندي القومي الهندوسي ناريندرا مودي، لتهميش المسلمين في الهند .

خطاب كراهية

في المقابل حذرت بعض النخب الهندية من خطورة تحويل الأمر إلى "خطاب كراهية ضد المسلمين"، مشيرين إلى تصريحات للوزير الأول في ولاية أوتار براديش، كشف فيها عن إقامة احتفال هندوسي تم عقده أيضا بعد قرار فرض حظر التجوال، ضمن الإجراءات الوقائية والاحترازية لمواجهة فيروس كورونا.

وأكدوا أن مخالفة هذه الإجراءات ليست مرتبطة فقط بالمسلمين، وإنما تحدث فى أوساط الهندوس أيضا .وكشفوا عن خضوع 40 ألف شخص في البنجاب للحجر الصحي بسبب واعظ سيخي عاد من إيطاليا وألمانيا، وتجاهل الحجر الذاتي ووقف التجمعات وعقد اجتماعات شاركت فيها أعداد كبيرة من أبناء طائفته .

وبسبب هذه الاتهامات اضطر سعد الكاندهلوي، زعيم جماعة التبليغ، إلى توجيه رسالة صوتية لأتباعه يطلب منهم التعاون مع الحكومة الهندية لمكافحة المرض، الذى تتزايد أعداد الإصابات به يومًا بعد يوم، ووصل معدل الإصابات إلى 10 آلاف حالة فى بعض الأيام .

https://www.youtube.com/watch?v=LLI-ytrBhcI

ميراث عنصري

فى العصر الإسلامي ساد الوئام بين الهندوس والمسلمين قرونا طويلة، لا سيما في عهد حكم السلاطين المغول، واتسم حكم المسلمين للهند بالعدل ورحمة الحكام بالمحكومين، بغض النظر عن انتمائهم الديني والعرقي، حيث اعتنوا أشد العناية بمعابد الهندوس، وقدموا لها معونات مالية من خزانة الدولة، كما أن الحكام المسلمين كانوا يكنون الاحترام والتقدير للهندوس وعاداتهم وتقاليدهم، ومنحوهم كل حقوقهم ليعيشوا في أوطانهم بحرية ومساواة وعدالة، واستمر ذلك حتى سيطرة الاستعمار البريطاني على شبه القارة الهندية.  

وشكل الاستعمار البريطاني نقطة تحول خطيرة في تاريخ العلاقات بين الهندوس والمسلمين؛ حيث عملت بريطانيا على إثارة التفرقة والصراعات العرقية والطائفية بين المسلمين والهندوس والمسيحيين والسيخ والبوذيين، وعلى ذلك بدأ التنكيل بالمسلمين، ومارس الاستعمار البريطاني ضغوطه على المسلمين، وحرض الهندوس ضدهم، والإنجليز هم الذين أدخلوا مصطلح كراهية الإسلام وحذروا من قيام كيانات إسلامية تتمتع بالحكم الذاتي في أرجاء الهند .

وعقب استقلال الهند في 15 أغسطس 1947، شكلت سياسة التمييز العنصري ضد المسلمين ميراثا لدى الهندوس، خاصة لدى السيخ والبوذيين والطوائف الأخرى عامة، ونتج عن ذلك اضطهاد وقتل المسلمين وإحراق بيوتهم لإضعاف اقتصادياتهم ونهب متاجرهم، واستخدمت ضدهم الأسلحة النارية والمتفجرات، وهذه الأحداث تهدف إلى إرغام المسلمين على الهجرة، أو إضعاف مطالبهم بحقوقهم السياسية، أو تهميش ثقافتهم، أو دفعهم لانتخاب أعضاء حزب معين، ولهذا تزايدت الأعمال الوحشية، خاصة من الطائفة الهندوسية .

من أسوأ أحداث الشغب ما وقع فى الفترة من عام  1968م 1970م، في مدينتي أورانج آباد وبيواندي، واضطرابات ولاية آسام سنة 1979 م بحجة تسلل بعض المسلمين من بنجلاديش واضطرابات مدينة "عليكره"، والتي راح ضحيتها 26 شخصا، كما وقعت 510 حوادث شغب في الفترة بين سنتي 1977 م – 1978م، قتل فيها 147 شخصا وجرح ما لا يقل عن 953، ووقعت أحداث أخرى في فراناسي قتل فيها 20 من المسلمين وجرح 400 وقبض على 1300 مسلم، كما وقعت أحداث شغب ضد المسلمين في 8 مدن منها أحمد آباد، ومراد كاد، ودواركيلا، والله آباد.

ومن أبرز أحداث الشغب ما وقع في مدينة جمشدبور مركز صناعة الصلب في ولاية بيهار، ففي هذه المدينة تعرض المسلمون لعمليات إبادة نتيجة مؤامرة عام 1979م، حيث استولى قطاع الطرق على المدينة، وتعرض المسلمون لحركة إبادة وتدمير بشعة بعلم السلطات الحاكمة، وهاجم الهندوس أحياء المسلمين بمدينة جمشدبور وقتلوا حوالي ألفا من المسلمين وجرحوا أكثر من 1500 مسلم، ودمرت منازل قدرت قيمتها بـ3 ملايين من الدولارات، وكانت منطقة مانجو المسلمة بجمشدبور أشد المناطق إصابة بهذه الكوارث.

واحتج على ذلك الشيخ أبو الأعلى المودودي، مؤسس الجماعة الإسلامية، كما احتجت رابطة العالم الإسلامي، والهيئات والمنظمات الإسلامية، وطالبت حكومة الهند بوقف المذابح التي تتعرض لها الأقلية المسلمة. ومنذ استقلال الهند حتى سنة 1986م، وقع أكثر من 10 آلاف حادث عنف ضد المسلمين.