لعله من المفيد قبل الرد على هذا التساؤل أن نرجع الى سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لنجد فيها الإجابة الواضحة، فقد تعرض عليه الصلاة والسلام هو والمسلمون معه الى الإيذاء والتعذيب الشديدين من المشركين فى مكة، وكان يمر على آل ياسر وهم يعذبون ويقول لهم: (صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة)، وقد صبروا حتى استشهد ياسر وزوجته سمية رضى الله عنهما تحت التعذيب.

ولم يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أحدًا من المسلمين برد العدوان الإيذاء بالقوة فى ذلك الوقت لأن أى محاولة من ذلك القبيل لم تكن لمتوقف العدوان بل من شأنها أن تصعده وتصل به الى البطش الشديد الذى يقضى على المسلمين وهم لا زالوا قلة.

وتروى لنا السيرة أنه لما اشتد الإيذاء على بعض المسلمين قال أحدهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تستنصر لنا؟ فظهر الغضب فى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (ما يفيد): أن من كان قبلكم كانت تحفر لهم الحفر ويشقون بالمناشير ويفصل ما بين اللحم والعظم دون أن يصرفهم ذلك عن دينهم، ثم بشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمام هذا الأمر وقال:(ولكنكم تستعجلون) كان فى إماكنه صلى الله عليه وسلم أن يأمر بعض المسلمين بقتل أئمة الكفر كأبى جهل أو أبى لهب أو بتحطيم الأصنام أو بعضها ولكنه لم يفعل لما سبق أن ذكرنا، ولم يعتبر ذلك موقفًا سلبيًا منه، لكنه الحكمة والمصلحة الدعوة اقتضت ذلك، فليس الهم والقصد إيقاف الإيذاء الذى يقع على المسلمين ولكن القصد هو تبليغ دعوة الله وتكوين القواعد والدعائم التى سيقوم عليها صرح الدعوة والدولة الإسلامية، كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أن الإيذاء والابتلاء ليس أمرًا طارئًا غريبًا على طريق الدعوة يلزم التخلص منه وإيقافه فى الحال ولكنه سنة الله فى الدعوات لحكمة سامية هى التمحيص والصقل والزيادة الإيمان، لأن أمانات النصر ثقيلة ولا يقوى على تحملها وحسن أدائها إلا هذه النوعيات الممحصة بحيث لاتفتنها دنيا ولا تثنيها شدة.

ثم إننا نجد بمتابعتنا للسيرة بعد الهجرة، وعند بدء تكون قاعدة انطلاق المسلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفكر فى مواجهة المشركين بالقوة فعند خروجه الى بدر خرج لقافلة التجارة وليس للحرب، ولكن الله تعالى أراد أن تكون ذات الشوكة بعلمه وتقديره، فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يقف تحت العريش يدعو ربه ملحًا فى الدعاء حتى سقط البرد من على كتفيه ويقول:(اللهم إن تهلك هذه العصبة فلن تعبد فى الأرض) ومعنى ذلك أنه لا زال بتقديره البشرى مشفقًا على مجموعة المؤمنين أن يقضى عليهم فى تلك الحرب وهم قلة فتتوقف مسيرة الدعوة. لكن كان فى تقدير الله النصر للمؤمنين والهزيمة النكراء لأعداء الله، وكانت بدر فاصلة بين فترة الإيذاء والاستضعاف وفترة النصر والتمكين.

هكذا نرى أن البدء فى رد عدوان أعداء الله لابد له من توفر ظروف وملابسات تجعله مناسبًا، وأن أى محاولة قبل ذلك لا تؤمن عواقبها، وتكون فى غير صالح الدعوة التى هى القصد وليس أشخاص المعتدى عليهم.

ونقول أيضًا لعل فى موقف الإخوان فى بعض أجزاء العالم الإسلامى رد واضح لهذا التساؤل، وأنه لا يمكن أن يظلوا هكذا يتلقون الضربات دون رد أو مقاومة فليطمئن المتحمسون ولا يتسرع المتعجلون فالأمور تجرى بالمقادير:{والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون}.

هل هو خطأ القيادة؟
وفى جو المحن ومع طول أمدها يتهيأ الجو لتساؤل آخر، وربما يثيره البعض كتشكيك وهو: هل هذه المحن والضربات نتيجة أخطاء وقعت فيها القيادة؟ وهل كان من الممكن تفاديها؟.

ونعود أيضًا الى السيرة لنجد فيها الإجابة فنجد أن ما تعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته من إيذاء وتعذيب لم يكن نتيجة أخطاء وقعوا فيها، ولكنه الموقف الطبيعى لأعداء الله من دعوة الله والدعاة الى الله، إنهم يحسون فيها الخطر على باطلهم وعلى سلطانهم القائم على البغى والظلم، ويعلمون أن فى قيام دعوة الحق وانتصارها قضاء على باطلهم وهزيمة لهم، فهم لذلك يحاربونها ويحاولون القضاء عليها قبل أن تقضى عليهم، لكنهم يفشلون فى ذلك لأنها دعوة الله ونور الله، ولن يطفىء نور الله بشر:{يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون}.

القيادة اجتهدت وُسعها للخير
ولكن أعداء الله حينما يحاربون دعوة الله لابد وأن يقدموا لجمهور الناس أو للرأى العام مبررًا زائفًا يستندون إليه فى حربهم واعتدائهم، فيلصقون التهم الباطلة بالدعاة الى الله كما قالوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كاذب وساحر وكاهن وشاعر ومجنون، وأنه بدعوته وبدينه يفرق بين المرء وأهله الى غير ذلك.

وكما سبقهم فرعون والملأ حوله باتهام موسى وقومه بالإفساد فى الأرض، وكما حدث فى عصرنا هذا بأن اتهم أعداء الله الإخوان والدعاة الى الله بالتطرف والإرهاب والتستر وراء الدين للتسلق الى الحكم.

وكما افتعلوا الأحداث كمبرر لضربهم كتمثيلية محاولة قتل عبد الناصر فى الإسكندرية، الى غير ذلك من أساليب التضليل والتشكيك والتشويه، ولكن نور الحق أقوى وأسطع من أن تحجبه هذه التهم الباطلة، كما يحلو لبعض من تقصر همتهم عن مواصلة المسيرة نتيجة لهذه الضربات والمحن أن يعودوا باللائمة على القيادة وأنها التى تسبب فى هذه المحن نتيجة أخطاء وقعت فيها، وهذا غير الواقع وكما أنه لم يكن فى استطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتفادى وقوع الإيذاء والتعذيب عليه وعلى المسلمين معه إلا إذا تنازل عن كثير مما يدعو إليه مما يثير الأعداء ويقلقهم، وخاصة الدعوة الى إله واحد وترك هذه الأصنام وما كان له صلى الله عليه وسلم أن يتنازل عن شىء من ذلك والله يدعوه:{فاستمسك بالذى أوحى إليك إنك على صراط مستقيم وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون}، وبالتالى لم يتوقف اعتداء أعداء الله وإيذائهم له وللمسلمين حتى تحقق النصر، ولا نعنى بذلك أن الإخوان وقيادتهم معصومون من الخطأ، ولكن يجب أن نفرق بين أخطاء جزئية أو فردية لا تخلو منها جماعة أو حركة حتى الجماعة الأولى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن نرجع المحن فى أصلها الى أخطاء من القيادة أو أنه كان من الممكن تفادى المحن بتفادى الأخطاء فهذا التصور هو عين الخطأ.
---
من كتاب "تساؤلات على طريق الدعوة" للمرشد الراحل أ. مصطفى مشهور