قال مايكل هيرش المراسل البارز ورئيس تحرير الأخبار في مجلة "فورين بوليسي"، إن الديمقراطية التونسية بحاجة للمساعدة، فهل يتحرك بايدن؟ وأشار في تقريره إلى أن تونس الفقيرة وغير المهمة استراتيجيا تظل مع ذلك الوريث الحي للربيع العربي.

فعلى مدى العقد الماضي انهارت ديمقراطية عربية ناشئة وراء الأخرى، ووقعت في يد الطغيان أو صارت ساحة نزاع طائفي أو حرب أهلية، إلا تونس التي كانت الأنجح في البحث عن طرق للتقدم أماما، والتحرك بين خيارين أحلاهما مر أو كما قال الروائي اللبناني- الأمريكي هشام ملحم بين “سيلا الأمن القومي وخاربيدس الإسلام السياسي” كما في الأسطورة الإغريقية.

وفي عام 2015 فازت رباعية الحوار التونسي جائزة نوبل لدورها في تعزيز العملية السياسية التشاركية بعد سقوط نظام الديكتاتور زين العابدين بن علي. لكن التجربة التونسية الحساسة تواجه خطر الفشل والفضل يعود إلى قيس سعيد ومحاولته السيطرة بالقوة على السلطة، حيث عزل رئيس الوزراء وعلق البرلمان وسيطر على مكتب المدعي العام ومنح التجمعات لمدة 30 يوما. وصدر عن العواصم الأوروبية وواشنطن في الأيام الأخيرة توبيخا لطيفا، واختفت تونس من عناوين الأخبار.

وبحسب بيان وزارة الخارجية يوم الإثنين فقد شجع وزير الخارجية أنتوني بلينكن، سعيد على الالتزام بالمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان. وبعد ذلك نشر بلينكن تغريدة قال فيها إنه حث الزعيم التونسي على "مواصلة الحوار مع اللاعبين السياسيين والشعب التونسي". لكن إجراءات سعيد التي اسماها طارئة لا تزال في مكانها وقالت وزارة الخارجية يوم الأربعاء إنه لن يتم اتخاذ تحركات. وقال متحدث الخارجية للمجلة “نحن نراقب وعلى تواصل”، لكن بعض الناشطين والمحللين في المنطقة يطالبون بضغط قوي. وقالوا إن الحفاظ على الديمقراطية التونسية سيكون بمثابة امتحان لالتزام بايدن بالدفاع عما أسماها "مسألة عصرنا" و "هل تستطيع الديمقراطيات العمل معا وتقديم مكاسب لشعوبنا في عالم يتغير بسرعة".

ونقل الكاتب عن تشارلس دان، الدبلوماسي الأمريكي السابق وبخيرة واسعة في الشرق الأوسط قوله إن رد إدارة بايدن على الأزمة في تونس هو بمثابة "الجلوس متفرجا".

وأضاف دان أن بيانات صدرت تدعم الديمقراطية لكن لم يتم اتخاذ تحركات حقيقية.

وبالمقارنة "رحب المستبدون في المنطقة مثل مصر والسعودية بسيطرة الرئيس التونسي على السلطة".

ويرى نقاد مثل دان أن إدارة بايدن فشلت في تحقيق ما تعهد به بلينكن في خطاب مهم له في 3 مارس وقال فيه إن السياسة الأمريكية " ستحفز السلوك الديمقراطي وتشجع الأخرين على القيام بإصلاحات مهمة ومحاربة الفساد".

وما هو على المحك أمر أكبر من ديمقراطية مختلة وظيفيا في دولة من 12 مليون وتقع على هامش العالم العربي.

ويقول الخبراء إن نجاة الديمقراطية التونسية قد تقدم حلا طويل الأمد للإرهاب الإسلامي.

ويرى نوح فيلدمان، من جامعة هارفارد ومؤلف كتاب الشتاء العربي إن حزب النهضة الإسلامي والجزء المشارك منه في الائتلاف هو "هي في الحقيقة عينة امتحان ليس في العالم ولكن العالم الإسلامي بشكل أوسع" و "لو أرادت الإدارة أن تكون جادة بحماية الديمقراطية كنهج في السياسة فهناك بالفعل أماكن قليلة مهمة"، ولن تكلف الكثير كما يقول فيلدمان، لكن التعبير عن عدم الرضى بتحركات سعيد سيظهر أننا “نؤمن بالديمقراطية وأننا لا نتعامل مع الظروف فقط”.

وفي الوقت الذي صمتت فيه واشنطن والدول الغربية إلا أن الديكتاتوريات والملكيات في المنطقة سارعت في حث سعيد على المضي في طريق الديكتاتورية وتصنيف النهضة كجماعة إسلامية متطرفة.

وأشارت صحيفة "واشنطن بوست" يوم الثلاثاء إلى أن المعلقين الصحفيين وفي التلفزة والمؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي في السعودية والإمارات ومصر اعتبروا تحركات سعيد انتصارا للإرادة الشعبية ضد النهضة، وحاولت الدول الثلاث مع معارضي النهضة في تونس ربطها بالإخوان المسلمين والإرهاب. ويقول ملحم إن "إخوة الديكتاتوريات العربية تريد النمو في وقت ترغب فيه أن يحرم فيه الديمقراطيون العرب من نجمهم العابر".

وكشف تقرير لمنظمة هيومان رايتس فيرست أن عودة الديكتاتوريات العربية يعمل على ولادة جيل جديد من الإرهابيين. وأدى القمع الذي قام به نظام السيسي إلى حملة تجنيد واسعة لتنظيم "الدولة" في سجون مصر.

ويرى فيلدمان وغيره من المراقبين وكذا ناشطو حقوق الإنسان أن بايدن يمكنه عمل المزيد من أجل توصيل رسالة لسعيد وأن استمرار تدفق الدعم الدولي سيكون مشروطا بالسلوك الديمقراطي. وقبل سيطرة سعيد بفترة قصيرة وافقت مؤسسة تحدي الألفية التابعة للحكومة الأمريكية على تقديم 500 مليون دولار لتقوية قطاع النقل والتجارة والمياه. وتسعى حكومة سعيد للحصول على قرض 4 بـ مليارات دولار من صندوق النقد الدولي والذي يتأثر بضغط واشنطن والعواصم الأخرى. وفي 2020 وقعت الولايات المتحدة اتفاقا للتعاون العسكري مدته 10 أعوام مع تونس ويعقد الطرفان مناورات عسكرية مشتركة دورية.

واستثمرت الولايات المتحدة في العقد الماضي مليار دولار في الجيش التونسي، حسب القيادة المركزية الأمريكية في إفريقيا. وعبر نقاد آخرون عن خيبة أملهم من رغبة بايدن للغمز والإيماء إلى الديكتاتوريين في المنطقة مثل عبد الفتاح السيسي والملكية السعودية. ويقول بريان دولي من هيومان رايتس فيرست: “من الواضح أنهم لم يقرنوا القول بالفعل" و "حان الوقت للتوقف عن القول إن من الباكر الطلب من الإدارة، فقد مضى عليها ستة أشهر ولم يظهر منها أي موقف ملموس". ففي فبراير وافقت إدارة بايدن على تمرير صفقة 197 مليون لمصر التي سجنت عائلة ناشط أمريكي- مصري. وخارج إطار الدعم الخارجي الذي قد يترك آثاره على بلد فقير مثل تونس، لدى الإدارة أوراق ضغط أخرى مثل تعليق اللقاءات على مستوى عال وكذا اشتراط الدعم بحقوق الإنسان. ولكن الإدارة كما يقول دان "ترددت في استخدامها".

ورغم اهتمامه بحقوق الإنسان لم يظهر بايدن اهتماما بإحياء ما تبقى من الربيع العربي. وبالمجمل أظهرت الإدارة رغبة بأنها تريد مغادرة المنطقة والتركيز على منطقة الباسيفيك والصين. والرئيس يؤمن بالواقعية السياسية ولا يرغب بتنشئة ديمقراطيات جديدة بقدر تجميع الديمقراطيات الناضجة في جبهة واحدة ضد الصين وروسيا.

وفي مايو شكر بايدن عبد الفتاح السيسي على الدور الذي لعبته بلاده في وقف إطلاق النار بين حماس في غزة وإسرائيل. وقد شجع الرئيس الديمقراطية في مناطق أخرى حيث دعا المعارضة البيلاروسية سفيتلانا تيكانوفوسكيا إلى البيت الأبيض وتفكر إدارته بفرض عقوبات على رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو. ومن الواضح لبراجماتيين مثل بايدن أن الديمقراطية لم تكن مكسبا لتونس، فقد رحب الكثير من التونسيين بخطوات سعيد.

ويرى نادر هاشمي، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر "أعتقد أن الموضوع الأساسي هو أنك بحاجة لاستقرار اقتصادي لو أردت الحصول على ديمقراطية مستدامة".

وتظهر محنة تونس أن الديمقراطية ليست دواء لكل العلل- حتى في الولايات المتحدة وعندما يتعلق الأمر بمواجهة كوفيد-19. ويقول ملحم "الديمقراطية التونسية كانت هشة" و "فشل ذريع للحكم الذي كان واضحا خلال العقد الماضي، عاصفة كبيرة حصلت بالإضافة للخلل السياسي وأصبحت المشاكل الإقتصادية المزمنة خطيرة بسبب فشل النخبة الحاكمة في مواجهة كوفيد-19”.

وتعلق ميشيل دان، مديرة برنامج الشرق الأوسط في وقفية كارنيجي "هناك إمكانية لتجنب التونسيين الهاوية كما فعلوا عدة مرات وعندما بدا أن عملية الانتقال ستفشل"، "لكن الحادثة هذه تظهر، مرة أخرى صعوبة نجاح عملية التحول الديمقراطي بدون مناخ دولي داعم. ولا دعم لعملية الانتقال التونسية من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ودعم قليل من الدول الأوروبية والولايات المتحدة". وفشلت الديمقراطية في العالم العربي لعدة أسباب،

الحرب الأهلية في اليمن وسورية والخوف من الإسلاميين في مصر، ولكن تونس التي بدأت فيها الثورة بموت محمد بوعزيزي عام 2011 ظلت تواصل تجربتها الديمقراطية، فهل ستكون تونس هي المكان الذي سينتهي فيها الربيع العربي؟ لكن بعض الخبراء يرون أن الربيع العربي لم يمت بل هو في حالة سبات وتحتاج هذه المجتمعات دعما من الخارج، ومصداقية بايدن الداعمة للديمقراطية على المحك، وبخاصة عندما كان نائبا للرئيس باراك أوباما والتي تخلت عن الحركة الديمقراطية في مصر ودعمت سريعا انقلاب السيسي في 2013. ويقول هاشمي "ننسى في العادة أن الثورات الديمقراطية لا تنجح في المحاولة الأولى".