تعرفت على القضية الأفغانية أول ما تعرفت عن طريق القراءة أو القراءات العابرة على مدى عدة سنوات في أواخر السبعينيات، كنت آنذاك في القاهرة، ولم تكن وسائل الإعلام العربية بعامة والمصرية بخاصة على مستوى القضية وأبعادها.

 

كان هناك نوعٌ من التعتيم الإعلامي المقصود على هذه القضية بكل أبعادها، وخصوصًا بُعدها الجهادي، وإسلامية هذه السمة في نضال الشعب الأفغاني، وكان الاتجاه السياسي الرسمي العام في ذلك الوقت يجنح نحوَ الكتلة الشرقية، وكانت نغمة "الاشتراكية" ما زالت تقرع الأسماع، وتلطم المشاعر، وتغالط الواقع والأخلاقيات، ورأينا بعضَ الصحف تصفُ جهاد الشعب الأفغاني بأنه محاولةٌ أو محاولاتٌ انقلابيةٌ، وبعضها وصفه بأنه تمرُّدٌ ضد الحكومة الشرعية، وظلَّت صحيفة "مصرية" يسارية متطرفة لا تصف المجاهدين إلا بالمتمردين.

 

وكانت رؤيتي وما زالت- شأن كل الإسلاميين- أن ما وُصف بالتمرد أو الخروج على "الشرعية" أو محاولة الانقلاب.. إلخ إنما هو صورةٌ نقيةٌ من صور الجهاد الإسلامي، ولا أبالغ إذا قلت إنها أنقى الصور القائمة على الساحة العربية والإسلامية في وقتنا الحاضر.

 

فلا عجَبَ أن نسعد بالجهاد الأفغاني سعادةً بلا حدود:

- لأنه جاء في وقته المناسب.. أي في وقتٍ اعتَقَد فيه أعداءُ الإسلام- بعد هزائم العرب المتكررة أمام الكيان الصهيوني- أن "الشخصية الإسلامية" المناضلة المثابرة لم يعُد لها وجودٌ.

 

- ولأنه جهاد صريح خالص لا تشوبُهُ شائبةٌ، ولا يحمل ولاءً لحكومة خارجية أو أيديولوجية غير إسلامية، فهو جهادٌ يحكمه سموُّ الغاية التي تتلخَّص في تحقيق أمرَين هما:

1- تحرير أرض أفغانستان بالكامل من الشيوعية والإلحاد والحكام العملاء الخونة.

 

2- إقامة دولة إسلامية تحكم بالقرآن والسنة وتسير على شرعة الله ومنهاجه.

 

- كما أن قيام دولة إسلامية بهذه الصورة يحمل معنًى كبيرًا جدًّا، ويبعث إحياءً قويًّا بالتحرر للجمهوريات الإسلامية التي التهمتها روسيا في غفلةٍ من الزمن والعالم وضمَّتها إلى ما يسمَّى بالاتحاد السوفيتي.

 

- وقيام مثل هذه الدولة- من جانب آخر- سيعدُّ ضميمة لها قيمتها، وطاقة قوية تضاف إلى طاقات الدول العربية في معركتها أو معاركها التي تواجِه بها "إسرائيل" على المدى الطويل، وتواجه بها التحديات السياسية والعقدية على المستوى العالمي.

 

كانت هذه هي رؤيتي للقضية الأفغانية من بعيد، ثم شاء الله أن أتقدَّمَ خطوةً أو خطواتٍ نحوَها لأراها عن كثَب، وأعايش لفترةٍ بعضَ الذين يعملون لها ويضحُّون من أجلها، ففي 18 من أكتوبر سنة 1981م- وكنت آنذاك مدرِّسًا بكلية الألسن بجامعة عين شمس- غادرتُ القاهرة إلى الولايات المتحدة مبعوثًا من وزارة التعليم العالي المصرية أستاذًا زائرًا لمدة عام بجامعة يل بمدينة نيوهافن بولاية كنكتكت بالولايات المتحدة.

 

وفي أواخر ديسمبر من العام نفسه- وعلى مدى أربعة أيام- حضرتُ مؤتمرًا بمدينة سبرنج فيلد "spring Field" بولاية ألينوي للشباب المسلم العربي، حضرَه قرابةُ عشرة آلاف من الشباب، وكان شعار المؤتمر "الأسوة الحسنة"، وحول هذا الشعار دارت أغلب المحاضرات والندوات، وقام الشباب المسلم- في دقة رائعة وانضباط منقطع النظير- بكل الأنشطة والأعمال والخدمات التي يتطلبها المؤتمر، يصدق ذلك على تقديم الطعام بوجباته الثلاث، وأعمال النظافة والحراسة، والتسجيلات الصوتية، والنشرة اليومية المطبوعة، والسوق الخيرية.. إلخ، حتى أشادت الصحف الأمريكية ببراعة هذا التنظيم ودقته، ويومها كتبتُ في نشرة المؤتمر التي كانت تصدر يوميًّا: ".. لقد آمنت بإمكانية قيام الدولة الإسلامية المنشودة؛ لأن ما رأيته من دقة وتعاون ونظام ونشاط وإخلاص في التدبير والتنفيذ.. يجعل من المؤتمر صورةً مصغَّرةً للدولة الإسلامية التي نتطلع إليها، وتهفو قلوبنا إلى وجودها..." وهو ما التقيت فيه مع المجاهد الحاج عباس السيسي، ابن مدينة رشيد العظيم، رحمه الله.

 

وفي هذا المؤتمر الحاشد كان أول لقاءٍ لي بالدكتور عبد الله عزام (1941- 1989) الذي كان واحدًا من أعلام المحاضرين والخطباء في المؤتمر، وفي إحدى الأمسيات شرح عبد الله عزام أمام هذه الألوف المؤلفة من الشباب أبعاد القضية الأفغانية، وسمعتُ منه كلامًا جديدًا جعلني أزداد إيمانًا بمصداقية الجهاد الأفغاني، كان عبد الله عزام يتكلَّم بنبض إيماني دفَّاق باسم الإسلام والجهاد والدم الزكيّ الذي بذله أكثر من مليون شهيد، ولكن هذه العاطفة القوية الجيَّاشة كانت مصحوبةً بمنطق عقلي علمي متزن وقور.

 

وفي تضاعيف كلامه حثَّ عبد الله عزام شبابَ المؤتمر على التبرُّع للمجاهدين واليتامى والأرامل والجرحَى ببعضِ مالهم، وانضمَّ لصوته صوتٌ قويٌّ آخر يتدفَّق بلاغةً وإيمانًا هو صوت الدكتور يوسف القرضاوي.

 

وفي ربع ساعة كان أمام الرجلين على منصة الخطابة ما يزيد على ربع ميلون دولار، عدا مفاتيح عشرات من السيارات الفاخرة، مصحوبة بتنازلات عن ملكيتها لصالح القضية الأفغانية، وهذا كله عدا "أثقال" من الحُلِيِّ الذهب تبرَّعت به السيدات المسلمات اللائي كنَّ يحضرن المؤتمر في قاعة مستقلة، وقد علمت أن الواحدةَ منهن كانت تجرِّد عنقها وأذنيها ويديها من حليِّها الفاخر وتضعه في منديل وتقدمه تبرعًا، وهي تلهج بقولها "ما عند الله خير وأبقى".

 

كان عزام مندوبًا عن المجاهدين الأفغان في المؤتمر، ولم أكن أعرف عنه إلا أنه فلسطينيُّ الجنسية، وأنه أحد الأعضاء البارزين المخلصين في جماعة الإخوان المسلمين، وأنه يعمل أستاذًا للشريعة الإسلامية في الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام أباد بباكستان، وأن له صلةً قويةً وثيقةً بقادة المجاهدين الأفغان وخصوصًا "عبد رب الرسول سياف"، وقيل إنه كان همزة الوصل بين المجاهدين الأفغان وبعض الشعوب العربية وأصحاب الاتجاهات الإسلامية الحريصين على مناصرة المجاهدين الأفغان، ونما المجهودُ المباركُ بعد ذلك بفتح مكتب في مدينة بشاور لإعداد المجاهدين من المتطوعين العرب الذين وفدوا إليه بالمئات، ولتلقي التبرعات، وتنسيق الجهود على كل المستويات، وكان عبد الله عزام هو القائم على أمر هذا المكتب ورعاية شئونه.

 

وكان لقاؤنا الثاني في الجامعة الإسلامية بإسلام أباد التي أُعِرْتُ للعمل بها لمدة خمس سنوات (1984م- 1989م) وهي الجامعة التي يعمل بها الدكتور عزام، وتعدَّدَت لقاءاتي به في الجامعة حتى كادت تكون لقاءاتٍ يوميةً سريعةً.

 

ثم كانت لقاءاتنا في منتديات ومحاضرات عامة، وكان- رحمه الله- حريصًا على حضور الأمسيات الشعرية التي كنا نقيمها في الجامعة أو مقر اتحاد الطلاب العرب، فقد كان يحب الشعر ويتذوَّقه ويحفظ كثيرًا منه، ويستشهد ببعض الأبيات الشعرية المتوهِّجة في مقالاته.

 

وأكر في هذا المقام أنه- رضوان الله عليه- ما كان يلقاني في الجامعة، ونحن في طريقنا لأداء محاضراتنا في الفصول إلا أوقفني وقال- وعلى وجهه ابتسامة عريضة-: "لن أتركك إلا إذا أمليت عليَّ بيتًا من شوارد الشعر" ويُخرج من جيبه "نوتة" صغيرة، ويسجِّل فيها ما تسعفني به الذاكرة، وأذكر أنه التقط بإعجاب قول أبي تمام في رثاء محمد بن حميد الطوسي:

 

وما كان إلا السيفَ لاقى ضريبة       فكسَّرها ثم انثنى فتكسَّرا

 

وقوله في رثاء إخوة ثلاثة من بني حميد قُتلوا في معركة واحدة:

 

لعمرك ما كانوا ثلاثةَ إخوة         ولكنهم كانوا ثلاثَ قبائلِ

 

وقول شاعر- لا أذكر اسمه- في نفس المعنى:

 

كان من نفسِه الكبيرةِ في جيـْ           شٍ وإن خِيل أنه إنسانُ

وذات يوم في لقائنا العابر بالجامعة قال "أريد بيتًا في الغربة" ضحكتُ وقلت له: اكتُب المثل المصري أو العربي المشهور: "الغربة كربة" قال مبتسمًا: "أعني غربة الروح" وأحسست أنه شعر بالارتياح العميق حينما كتب بيت ابن الرومي:

 

أعاذك أنسُ المجدِ من كل وحشةٍ         فإنك في هذا الأنام غريبُ

 

أما آخر اللقاءات فكان بعد صلاة العشاء مساء يومٍ من أيام فبراير سنة 1989م، كنت أُلقي محاضرةً عامةً في قاعة المحاضرات الكبرى بالجامعة، وموضوعها: (رائد الجهاد الفلسطيني عز الدين القسام: في التاريخ والأدب)، وأثناء المحاضرة دخل عبد الله عزام ومعه أبوه الذي جاوز الثمانين.. شيخٌ قصيرُ القامة، علاه الشيب، ولكنَّ الحيويةَ تَظهر في عينيه وقسمات وجهه، وكان معهما العالِم العراقي المجاهد الشيخ محمد الصوَّاف، وعلَّق الشيخان: عزام والصوَّاف على المحاضرة بكلام طيب، وكان تعليق عبد الله عزام كله أو أغلبه غَزَلاً في الشهادة ومقام الشهداء.. حديث من يمتد بنظره وروحه إلى نيل هذا الشرف العظيم.

 

هذا والمعروف أن عبد الله عزام ترك العمل بالجامعة سنة 1987م ليتفرَّغ تمامًا لمقتضيات الجهاد الأفغاني، وليصبح علَمًا من أعلام هذا الجهاد، أما الأدوار النبيلة التي قام بأدائها فهي أكثر من أن تُحصى وتُعَدّ.

 

وعدت إلى مصر- بصفة نهائية- في يونيو 1989م، وعلمت بعد عودتي بأسابيع نبأ استشهاده وولديه محمد وإبراهيم, بلَغَم خفيّ وهم في طريقهم لصلاة الجمعة في بشاور- المدينة الحدودية- يوم 24 من نوفمبر 1989م.

 

قلت: يرحمه الله، لقد حقَّق الله له أغلى أمنية حرص على تحقيقها طيلة حياته، وانعكست سيرته وعظمته حروفًا مشرقةً مضيئةً في قصيدة طويلة نظمتها عنه عنوانها: "الفارس الذي صعد".

 

وعودًا على بدء أقول إنني طوال خمس سنوات قضيتُها في إسلام أباد عِشْتُ بمشاعري بطولات من الجهاد الأفغاني لم نشهد لها مثيلاً إلا في عهد الرعيل الأول من الصحابة الكرام، وكانت مدينة بشاور الباكستانية التي تقع على الحدود الأفغانية هي قاعدة المجاهدين ومقر عبد الله عزام رحمه الله، وهي لا تبعد عن إسلام أباد أكثر من مسيرة ساعة ونصف بالسيارة، فكانت تصل إلينا أنباء البطولات قبل نشرها في الصحف وبثها في الإذاعات.

 

وهزَّنا نبأ استشهاده, ورأيت قلمي يجري بقصيدة طويلة, ختمتها بالأبيات الآتية, وهي تعكس آخر مشهد من مشاهد استشهاده, ومعه ولداه محمد وإبراهيم:

 

أما أنا

فإنني رأيتُهُ

نحو السماء صاعدًا وراقِيا

حاولتُ أن ألاحقَهْ

وأدرِكَهْ

لم أستطعْ

فقد دهانِيَ اللهاثُ

والإعياءُ والوهَنْ

ألسْتُ في غيابةِ العبيدِ مرتَهنْ

تشدُّني للقاع والضياعِ طينَتي

مجنونةً عطشَى لظلٍّ زائل

في دُنْيتي..؟

لذاك تاهتْ صيحتي...

رأيتُهُ

وفي يمينِهِ عزيزُه محمدٌ

وفي يساره الحبيبُ إبراهيْمْ

وصوتهم تكبيرةٌ علويةٌ:

"الله أكبرُ يا صحابْ..

جئنا لها..

فزْنا بها.."

ناديتُهُ:

«مهلاً.. أبا محمدٍ..

خذني معك.."

لكنه في سرعة الضياء

راحَ وانطلقْ

مجاوزًا نهرَ المجرةِ والفَلَكْ

لسُدَّة علويةٍ

أرقى من الأقطارِ والسماءِ

لا تحدُّها مشاعرٌ ولا بصرْ

وخلفَهُ

رأيتُ شلالاً من الدمِ الزكِيِّ

والمضاءِ

والإباءِ

والعلاءِ

والضياءِ

يبتسمْ..

 

-----------
*
[email protected]