كشفت مصادر عن أن "الهيئة الوطنية للصحافة"، برئاسة عبد الصادق الشوربجي، ستعقد اجتماعاً هاماً خلال الأيام القليلة المقبلة، لإعلان قرارات جديدة بدمج بعض المؤسسات الصحفية القومية (مملوكة للدولة)، استجابة منها لتوجيهات الحكومة بشأن ترشيد أوجه الإنفاق، واستغلال أصول تلك المؤسسات التاريخية في تقليص مديونياتها لدى مصلحة الضرائب وهيئة التأمينات الاجتماعية.

وقالت المصادر لـ "العربي الجديد"، إن الهيئة ستتخذ قرارات هامة منها دمج مؤسسة "دار الهلال" التي يعود تاريخ إنشائها إلى عام 1892، ومن أشهر إصداراتها مجلات "المصور" و"الكواكب" و"حواء"، مع مؤسسة "الأهرام" الصحافية (تأسست عام 1875)، وما يتبع ذلك من هدم للمبنى التاريخي لـ"دار الهلال" في شارع المبتديان في منطقة المنيرة في قلب القاهرة، وطرح أرض المؤسسة للبيع.

وأضافت المصادر أن قرارات الهيئة المرتقبة ستشمل دمج مؤسسة "دار المعارف"، وأشهر إصداراتها حالياً مجلة "أكتوبر"، مع مؤسسة "أخبار اليوم"، وهدم مبنى "دار المعارف" المطل على كورنيش النيل، وطرح الأرض المقام عليها للبيع، وهي الدار التي أنشأها اللبناني نجيب متري عام 1890، وأدت دوراً مهماً في نشر الثقافة والتنوير في العالم العربي، من خلال طبع آلاف المؤلفات لكبار الكتاب. وتابعت بأن مخطط الدمج سيطاول كذلك مؤسسات مثل "الشركة القومية للتوزيع"، المسؤولة عن توزيع الصحف خارج البلاد، والتي يُعَدّ مبناها من المنشآت المميزة في شارع قصر العيني وسط القاهرة، و"دار روز اليوسف" التي خرجت إلى النور عام 1925، وتصدر عنها حالياً صحيفة "روز اليوسف" اليومية، ومجلتا "روز اليوسف" و"صباح الخير".

يأتي هذا فيما تلتزم نقابة الصحفيين الصمت المطبق، منذ إعادة انتخاب نقيبها ضياء رشوان في إبريل الماضي، الذي يشغل منصباً حكومياً هو رئاسة "الهيئة العامة للاستعلامات"، متخلية عن دورها الأساسي في التصدي لأي إجراءات من شأنها المساس بصناعة الصحف، وحقوق العاملين فيها، وهو ما أثار حالة من الغضب بين جموع الصحافيين، الذين طالبوها باتخاذ موقف إزاء مخطط الدمج.

من جانبه، نشر عضو مجلس نقابة الصحفيين، محمود كامل، بياناً على صفحته الشخصية في موقع "فيسبوك"، الإثنين، قال فيه: "أكتب إليكم بمناسبة مرور 94 يوماً منذ انعقاد آخر اجتماع لمجلس النقابة، وبعد أن طلبت عقد الاجتماع بشكل رسمي، ومن قبلها بشكل ودي"، مستطرداً "أذكّر نفسي قبل أن أذكّركم بأننا انتظرنا طويلاً الدعوة الرسمية للانعقاد من النقيب، ولكن الانتظار قد طال". وأضاف كامل: "قانون نقابة الصحفيين فرض علينا اجتماعاً واحداً شهرياً، ولم يكن هذا كافياً أبداً لمتابعة طلبات أعضاء الجمعية العمومية للنقابة. وأذكركم بأن مبنى النقابة (المكفن) منذ شهور طويلة يحتاج إلى عرض تفاصيل آخر تطورات ترميمه البطيء بشكل عاجل، بخلاف مئات الطلبات التي تلقاها المجلس، ولجانه، على مدار ثلاثة أشهر من زملاء يحتاجون التدخل السريع لحل مشكلاتهم". وأضاف: "لجان المجلس التي استولى عليها البعض تحتاج إلى تنشيط عملها، عبر عرض تقرير وافٍ وشافٍ على المجلس لمناقشة ما تم إنجازه، والتعرف إلى مدى رضاء أعضاء الجمعية العمومية عنها. وأذكركم بأن السكرتير العام للنقابة هو المسؤول عن إعداد محاضرها، وحفظها، وتوجيه الدعوات، والتنسيق الداخلي في الشؤون الإدارية للنقابة، وهي الصلاحيات التي أضاف إليها السكرتير الحالي مهام الانفراد بكل مقادير النقابة واللجان".

في السياق نفسه، شرعت مؤسسات صحفية مصرية في خطة بيع أصولها تلبية لطلب "الهيئة الوطنية للصحافة"، وبمباركة من رؤساء مجالس إداراتها الذين يواجهون اتهامات بـ"التواطؤ مع الحكومة" من جانب العاملين فيها، ومنها مؤسسة "الأهرام" العريقة، التي باعت بالفعل ست وحدات سكنية في منطقة "غاردن سيتي" الراقية وسط القاهرة، ومثلها في شارع مراد في بمحافظة الجيزة.

ووافق مجلس إدارة المؤسسة، برئاسة الكاتب الموالي للنظام عبد المحسن سلامة، على تحويل المبنى التاريخي لها المطل على شارع الجلاء وسط القاهرة، إلى مجمع للبنوك وشركات المال والأعمال، إثر الاتفاق مع بنوك حكومية، وخاصة على إنشاء فروع لها في الدورين الأول والثاني للمبنى الخاص بإصدارات "الأهرام" الأسبوعية والشهرية.

واتخذت "الهيئة الوطنية للصحافة" قراراً في يوليو الماضي، بوقف طباعة ثلاث صحف مسائية قومية، وهي "الأهرام المسائي" الصادرة عن مؤسسة "الأهرام"، و"الأخبار المسائي" الصادرة عن مؤسسة "أخبار اليوم"، و"المساء" الصادرة عن مؤسسة "دار التحرير للطبع والنشر"، وتحويلها إلى إصدارات إلكترونية، مع احتفاظ العاملين فيها بوظائفهم، وحقوقهم المالية من أجور ومزايا مالية أخرى.

وعارض صحفيون تلك القرارات بمجرد صدورها، رغم تراجع معدلات قراءة الصحف الورقية في مصر بشكل كبير على مدار السنوات الماضية، ولا سيما بعد قرارات رفع أسعار الصحف الورقية المتعاقبة، لأنها تخفي وراءها نية مسبقة بوقف طباعة المزيد من الإصدارات الصحفية، تماشياً مع خطة التطوير التي تبنتها حكومة الانقلاب، وتعتمد على "مبدأ الدمج".

وباتت الصحافة المصرية تحت التأميم الفعلي لنظام الانقلاب بقيادة عبد الفتاح السيسي، فعملياً لا يمكن طباعة أي صحيفة، حكومية أو خاصة، من دون المرور بلجان رقابة، علماً أن جميع الصحف تُصنع على عين أجهزة الأمن في الوقت الراهن، التي أصبحت لها الكلمة العليا في تعيين أي منصب داخلها، بعد تعيين مجموعة من أضعف الصحفيين مهنياً في مناصب رؤساء مجالس الإدارة والتحرير.

وتأمر الحكومة بنشر ملاحق إعلانية في الصحف القومية، تُكتب على هيئة مواد إعلامية من الوزارات والبنوك والجهات الرسمية، مقابل نشر أخبار مؤسسات الرئاسة ومجلس الوزراء والقوات المسلحة في الصفحات الأولى، وحرمان أي صحفي حرية التعبير عن مشكلات الناس في الصحيفة العامل فيها، أو الالتقاء بهم في الشوارع من دون تصريحات أمنية.