اتهام العقل ورؤية الهوى

أما ثانى واجبات المؤمن العاقل عند وقوع الفتنة فاتهام العقل، والتواضع الشديد فى تقدير نفسه، وفى وزن ذكائه، وقدرته على رؤية الأمور، وفهم جوانبها، وسبر أغوارها، وتوقع مآلاتها، وغير ذلك مما يغرى الناس. 

 وحسبك فى هذا أن تعلم أن نبيا من الأنبياء قد زكاه الله فى كتابه ووصفه بالحكمة والعلم وفصل الخطاب، داوود عليه السلام، فقد قال الله فيه: {وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} وقال فيه أيضا:{وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ}. هو نفسه داوود الذى غاب عنه فهم مسألة من مسائل القضاء، {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩)} غابت عن داوود الوالد النبى المعلم، وفهمها سليمان الابن التلميذ المتربى!

ولا يخفى أن أم سلمة رضى الله عنها قد أشارت على رسولنا العظيم صلى الله عليه وسلم- فى أكثر من موضع، وقد استمع لهذا النصح رسولنا العظيم صلى الله عليه وسلم. من ذلك نصيحتها له صلى الله عليه وسلم فى صلح الحديبية عندما دخل عليها مهموماً محزوناً، شفيقًا على أصحابه إذ لم يطيعوه، فلم يتحللوا من إحرامهم، فقالت: يا نبى الله أتحب أن يطيعوك، فاخرج إليهم، ولا تكلم أحدًا منهم، ولا تنظر إليهم، وانحر بُدنك، وادع حالقك فيحلقك، وسينصرك الله. وقد أخذ الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بمشورتها - رضى الله عنها، فلما رأى المسلمون ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً.

وقد زكى الله رأى عمر بن الخطاب المخالف لرأى رسول الله ورأى أبى بكر فى قضية أسرى بدر.

فإن كان ذلك لمثل هذه العقول، فكيف بعقلك! وقد ورد عَن أَنَس رضي الله عنه أَن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء برأيه».

وثالث الواجبات أن يرى المرء هواه، بل يبحث عنه، ويتحرى أثره فى كل قول وفعل، فى كل فكرة وشعور، فى كل رد فعل وقرار، فالهوى من لوازم الإنسان إلا من عصم الله من نبى كريم، {لا ينطق عن الهوى} بشهادة الله فى كتابه، أما غيره من البشر فلا يفارقهم الهوى، إذ ركبه الله فى كل نفس، ومن أنكر ذلك فقد زكى نفسه بالباطل، وقال على الله غير الحق، وقد قال تعالى: {فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} (النساء)  وبين أن سبب عدم الاستجابة للحق إنما هو اتباع الهوى {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ} 

يقول الإمام الشاطبي في معرض ذمه للبدع: " أنه اتباع للهوى لأن العقل إذا لم يكن متبعا للشرع لم يبق له إلا الهوى والشهوة، وأنت تعلم ما في اتباع الهوى وأنه ضلال مبين، ألا ترى قول الله تعالى: يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ [ ص: 26]، فحصر الحكم في أمرين لا ثالث لهما عنده، وهو الحق والهوى، وعزل العقل مجردا إذ لا يمكن في العادة إلا ذلك.

وعَن أَنَس رضي الله عنه أَن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء برأيه».

فالاعتصام بالله بكتابه وسنته! وما أجمل قول الذهبى رحمه الله : (إذا وقعت الفتنة! فتمسك بالسنة، والزم الصمت، ولا تخض فيما لا يعنيك، وما أشكل عليك فرده إلى الله والرسول، وقف! وقل: الله أعلم)