بقلم: عماد عجوة*

المسجد الحرام عُرف بالبيت والبيت الحرام والبيت المحرَّم والبيت العتيق، وسمِّي أيضًا بالكعبة لتكعيبه أي تربيعه، والبيت الحرام هو أول بيتٍ مبارك وُضع للناس؛ ليعبدوا فيه اللهَ عزَّ وجل ويهتدوا بفضله إلى الصراط المستقيم يقول تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ﴾ (آل عمران: 96)، وحينما تأذَّن الله سبحانه وتعالى بأن تُرفع قواعدُ بيته بوَّأ لسيدنا إبراهيم الخليل مكانَه، وأمَرَه أن يشيِّدَه ويرفعَ قواعدَه ومعه ابنه إسماعيل عليهما السلام ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (البقرة: 127).

 

وقد تفضَّل الله- سبحانه وتعالى- فجعل هذا البيت حَرَمًا طاهرًا، يلجأ إليه الناس، ويأمنون فيه، ويتخذونه مسجدًا ومصلًّى، يعكفون فيه ويطوفون حوله ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (البقرة: 125).

 

نشأة مكة

 الصورة غير متاحة
 
ونشأت حول البيت الحرام مدينةُ مكة المكرمة، التي صارت موطنَ قريش ذرية إسماعيل عليه السلام، وعلى الرغم من أن هذا الموطن كان بِوَادٍ غير ذي زرع فإنه صار مركزًا هامًّا بفضل البيت الحرام وموقعه وسط أهم طرق القوافل من اليمن في الجنوب والشام في الشمال، إذ استطاع أهله أن يتحكَّموا في هذه الطرق، وأن تكون لهم الكلمة العليا واليد الطولى على القوافل التي كانت تذهب في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام، وبالتالي عاشوا في أمنٍ من الخوف والجوع، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في سورة قريش ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ* إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ* فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ (سورة قريش)، ومن ثم استجاب الله سبحانه وتعالى لدعوة نبيه إبراهيم عليه السلام حين دعا ربه ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (إبراهيم: 37).

 

عمارة البيت قبل الإسلام

وصف أبو الوليد محمد بن عبد الله بن أحمد الأزرقي في كتابه (أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار) الكعبةَ التي بناها إبراهيم عليه السلام بأنها كانت بناءً ذا جوانب أربعة، ارتفاعه 9 أذرع، وطول جداره الشرقي 32 ذراعًا والغربي 31 ذراعًا والشمالي 22 ذراعًا والجنوبي 20 ذراعًا، وكان بابها إلى الأرض، وقد جعل إبراهيم عليه السلام في جدارها حجرًا أسود علامةً على مبدأ الطواف حولها، ولقد عرف القريشيون فضلَ البيت الحرام، فكانوا يتنافسون في إكرام حجَّاجه، وكانوا يتعاونون على إطعامهم وضيافتهم، وعُني العرب أيضًا بخدمة الكعبة وحراستها وتشرَّفوا بحفظ مفاتيحها، وليس من شكٍّ في أن الكعبة قد جرى على بنائها بعض الترميمات قبل الإسلام، ويقال إنها رمِّمت على يد قصي بن كلاب، وقد سقفَها بخشب الدُّوم الجيد وبجريد النخل.

 

وأعيد بناء الكعبة من جديد في حياة النبي- صلى الله عليه وسلم- وقبل بعثته، وقد تمَّت هذه العمارة بعد حملة أبرهة بحوالي 30 عامًا، ذلك أنه حدث أن أصاب الكعبة حريق