ننقل بتصرف كلام العلامة الدكتور يوسف القرضاوي في الحديث عن أولويات الحركة الإسلامية  فيقول:

الحوار مع العقلاء في الغرب

وحوار آخر مهم على الحركة الإسلامية أن تطرق أبوابه، مع ما فيه من محاذير وما فيه من صعوبات.

إنه الحوار مع الغرب، على ما بيننا وبينه من خلاف في الدين، فهو ـ في جملته نصراني، ونحن مسلمون. ومن خلاف في النزعة، فهو مادي، ونحن روحيون، وهو واقعي، ونحن مثاليون، ومن خلاف في السيادة، فهو منحاز في الأعم الأغلب لـ"إسرائيل"، خاذل لنا في جل مواقفه، على تفاوت بين دوله بعضها وبعض.

ومع هذا لا غنى عن الحوار مع الغرب.

فالغرب هو الذي يحكم العالم منذ قرون، وهو صاحب الحضارة التي تسود دنيانا اليوم، شئنا أم أبينا، وقد حكم ديارنا، واستعمر أقطارنا مددا من الزمن، ثم رحل عنها كرها أو طوعا، ولكنه لا يزال يؤثر فيها، وفي صنع القرار فيها من قريب أو بعيد، وتأثيره في عقول حكامنا وعلى إرادتهم معروف غير منكور.

ولم يعد في وسع مجموعة من الناس أن تعيش بعقيدتها ومبادئها وحدها، معزولة عن العالم من حولها. في مدينة فاضلة كالتي تخيلها الفلاسفة القدماء والمحدثون، فإن ثورة الاتصالات الهائلة قربت ما بين أطراف هذه الكرة التي نعيش عليها، حتى غدت كأنها قرية كبرى، كما وصفها أحد الأدباء بحق.

ولهذا كان الحوار مع الغرب فريضة وضرورة لنا، حتى يفهم ماذا نريد لأنفسنا وللناس، وأننا أصحاب دعوة لا طلاب غنيمة، ورسل رحمة لا نذر نقمة، ودعاة سلام لا أبواق حرب، وأنصار حق وعدل لا أعوان باطل وظلم، وأن مهمتنا أن نأخذ بيد الإنسانية الحائرة إلى هداية الله، وأن نصل الأرض بالسماء، والدنيا بالآخرة، والإنسان بأخيه الإنسان، حتى يحب كل امرئ لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه، وحتى تبرأ البشرية من (داء الأمم) (الحسد والبغضاء، فإنها الحالقة) ليست حالقة الشعر، ولكنها حالقة الدين.

نعلم أن الغرب لازالت تحكم تصوراته لنا وفكرته عنا، مواريث سوداء لوثت فكره وقلبه من جهتنا، ورثها منذ عهد الحروب الصليبية، ولم تفارقه في الأعم الأغلب إلى اليوم.

وقد اعترف بذلك كثير من مفكريهم الأحرار والمنصفين، مثل الفيلسوف الاجتماعي الفرنسي (جوستاف لوبون) فقد ذكر ذلك صراحة في بعض حواشيه في كتابه (حضارة الغرب) وأن الباحث الغربي حين يبحث في القضايا الإسلامية يتقمص شخصية غير شخصيته العادية المستقلة التي يدرس بها سائر القضايا، فهو هنا متحيز متحامل، وإن لم يشعر.

وذكر مثل ذلك حديثا المستشرق مونتجمري وات، في كتابه عن (الإسلام).

وها نحن اليوم نرى آثار هذه الروح الصليبية الموروثة تظهر ما بين الحين والحين في مجالات شتى.

نرى أثرها في موقف الغرب من "إسرائيل" المغتصبة، ومن شعب فلسطين المعتدى عليه.

نراها في موقفه من قضايا جنوب السودان، وأرتيريا، وكشمير، والفلبين، وغيرها من القضايا السياسية الإسلامية.

ورأيناها في قضايا اجتماعية متعددة، أبرزها قضية المدعو (سلمان رشدي) الذي انسلخ من جلده، وخان عقيدته وأمته.

وقضية (الحجاب في فرنسا) وكيف ضاقت بلاد تزعم أنها أم الحرية ببعض طالبات مسلمات، يفرض عليهن دينهن أن يلتزمن الحشمة في لباسهن، فهن يردن بزيهن رضوان الله تعالى والنجاة من النار… ولكن أرض الحرية وحقوق الإنسان لم تعطهن الحق في التزام ما يرضين الله به في أمر شخصي محض!

ومع هذا لا نيأس من الغرب ولا ننفض اليد من جدوى الاتصال به والحوار معه، وإن اختلفت حضارتنا وحضارته، وهل يكون الحوار إلا بين مختلفين؟ فليكن حوار الحضارات كما سماه المفكر المعروف رجاء جارودي، حوار الحضارات بدل صراع الحضارات.

وما لنا لا نحاوره وقد سن لنا القرآن سنة الحوار مع المخالفين، وجعل ذلك إحدى وسائل الدعوة إلى الله.

وأكثر من ذلك أن القرآن الكريم ذكر لنا حوار رب العزة جل جلاله مع شر خلقه إبليس، ولم يغلق في وجه هذا اللعين باب الحوار، وأي حوار؟ حوار مع رب العالمين.

إقرأ هذه الآيات من سورة (ص):

(إذ قال ربك للملائكة: إني خالق بشرا من طين: فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين. فسجد الملائكة كلهم أجمعون. إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين. قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين. قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين. قال فاخرج منها فإنك رجيم. وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين. قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون. قال فإنك من المنظرين. إلى يوم الوقت المعلوم. قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين. قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين) (ص: 71-85).

وليكن هذا الحوار مع الغرب على أكثر من صعيد.

على الصعيد الديني.

وعلى الصعيد الفكري.

وعلى الصعيد السياسي.