المستشار علي جريشة

 

عرفتك- حقًّا أمينة- منذ أكثر من أربعين عامًا.. من خلال كتاباتك كنت سابقة لعمرك.. وكنت سابقة على مثلك.. كنت بنت الخمسة والعشرين ربيعًا.. وكانت كتاباتك إسلامية مشرقة، وكان أخوك سيد- رحمه الله- رهين الظالمين، وكان السنانيري- رحمه الله- كذلك رهين سجن الظالمين.. وعرفت قصته.

 

لعب شياطين الإنس بعقل زوجته وعاونوها أن تحصل على حكمٍ بالطلاق من زوجها المحكوم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة، وأبَت عليك مروءتك، وأبَى عليكِ دينك.. وتقدمتِ إلى أخيك.. تطلبين يد كمال السنانيري.. كما فعلت ابنة الرجل الصالح حين قالت لأبيها ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ (القصص: من الآية 26).

 

وكما فعلت أم المؤمنين خديجة- رضي الله عنها- حين تقدمت إلى محمد- صلى الله عليه وسلم- عن طريق صاحبتها حين ذهبت إلى محمد- صلى الله عليه وسلم- تعرض عليه أمر الزواج وحين دلَّت على خديجة- رضي الله عنها- ورفض كمال السنانيري في البداية وألححْتِ.. وقبِلَ، وأبيتِ إلا أن يتم عقد القرآن وقتها، وانتظرت عشرين عامًا!!

 

وخرج، وكان البناء, وأنت ابنة الخامسة والأربعين، وهو ابن الخامسة والخمسين، وعاش معك ثلاثة أعوام، وانتزعه الظلمة المجرمون من أحضانك، وتعرَّض للتعذيب، وسلَّموه لكِ جثةً هامدةً بها- كما حكيت- آثار التعذيب.

 

الشهيد كمال الدين السنانيري

 

ولحيته محلوق نصفها (عن طريق النتف) ليتحقق بها ألم التعذيب، وألم السخرية وهو تعذيب آخر!! وكان قد تمَّ التخلص منه (خنقًا) بعد أن ضاقوا بتعذيبه!!- وشهدت- في أوروبا صلاة الجنازة عليه.

 

وشهدت ألمانيا أكبر مظاهرة إسلامية في تاريخها الحديث- حوالي ستة عشر ألف مسلم- تحمل شعارات "دم السنانيري أغلى من دم السادات"، "حاكِموا قتلة السنانيري".

 

وكان رئيس مصر في أول زيارةٍ له لألمانيا الغربية، وأُحرج الرئيس، وأوفد مَن زعم أنه يتحدث باسمه، ولا أسترسل في تفصيلاتٍ ليست أوانها ولا محلّها هذه الكلمات لأعود إليكِ أختي أمينة.

 

هل أتحدث عن كتاباتكِ، وهي مسجَّلة في الأوراق، والرجوع إليها سهل يسير؟!

هل أتحدث عن أخوكِ- الشهيد إن شاء الله- سيد.. وقد رأيتُه شامخًا- في عام 1965م- يبتسم ساخرًا من قضاته وجلاَّديه، ثم يبتسم سعيدًا بالشهادة حين سيق إلى حبل المشنقة، وحين طلب- كما سمعت في بعضِ الروايات- أن يُصلي قبل التنفيذ، ودعا ربه أن يقبضه قبل أن يتمكَّن جلادوه منه.. واستجاب له ربه، لكنهم علَّقوه بعد موته، ليتقدموا إلى رئيسهم.. (تمام يا فندم!!).

 

وشرفتِ أن صرتِ أختَ الشهيد، وغنمتِ أن تدخلي فيمَن يشفع لهم الشهيد.. "يشفع في سبعين من أهله".

 

هل أتحدث- بعد ذلك- عن رحلتك مع زوجك إن شاء الله- كمال الدين السنانيري؟

هل أذكر أن اقترانَكِ به في فترة السجن عشرين عامًا يجعلك إحدى اللائي قال فيهنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في رؤيا صالحة، ورؤيا الرسول- صلى الله عليه وسلم- حقّ؛ لأن الشيطان لا يتلبس به؛ حيث قال عليه الصلاة والسلام: "حق لزوجات الإخوان اللائي صبرن على فراقِ أزواج