سجلت معدلات التضخم في مصر أرقاما قياسية جديدة، للشهر الثالث على التوالي، وسط تحذيرات مرور البلاد بموجات "التضخم الحلزوني" الذي يهدد بانهيار مفاجئ بالأسواق.

وضعت معدلات التضخم التي شارفت على 40%، بنسبة 39.7% على مستوى البلاد، و37.2% بالمناطق الحضرية، المستهلكين تحت لهيب الأسعار المرتفعة محليا وتراجعها دولياً، متأثرة بتراجع العملة، وضغوط تعويم رابع مرتقب للجنيه، مع شح في الواردات تعطل المصانع، وتدفع إلى ندرة السلع بالأسواق، التي تباع وفقا لسياسات احتكارية ومزايدة يومية بين الموزعين والتجار.

تجاهلت مؤشرات التضخم، تحركات لنظام الانقلاب تخشى خطورة خفض جديد بقيمة الجنيه، فرحلت رفع أسعار الكهرباء والوقود، من يوليو الماضي إلى يناير2024، بما عطل التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، لاستكمال قرض بقيمة 3 مليارات دولار، لإنقاذ الاقتصاد من العثرة المالية الطاحنة.

جاءت الزيادة بمعدلات التضخم متوافقة مع رؤية أغلب الخبراء، وتوقعات البنوك المركزية. ورجح الخبراء ارتفاع التضخم إلى مستويات أعلى من 40% خلال الشهرين المقبلين.

سجل معدل التضخم السنوي لشهر أغسطس الماضي، 39.7% بالريف والمدن، مقابل 15.3% لنفس الشهر من العام السابق. بلغ الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين 184 نقطة في أغسطس 2023، مرتفعا بنسبة 1.6% عن شهر يوليو 2023، ومسجلا 37.2% على أساس سنوي بالحضر.

أرجع مؤشر التضخم الصادر عن جهاز التعبئة والإحصاء أمس زيادة معدلات التضخم إلى ارتفع أسعار السلع الغذائية والمواد الأساسية، مشيراً إلى زيادة أسعار الخضروات عن يوليو الماضي، بنسبة 22.4%، والأقمشة 5.4%، والزيوت والدهون 3%.

وسجل مؤشر التضخم ارتفاعا ضخما على أساس سنوي، حيث بلغ 71.9%، بأسعار قسم الطعام والمشروبات، بسبب ارتفاع الحبوب والخبز بنسبة 48.6%، واللحوم والدواجن 97%، والأسماك 85.9%، وغيرها.

انخفضت الأسعار الدولية لجميع السلع الغذائية لأدني مستوياتها خلال عامين، وذلك في أغسطس الماضي، باستثناء الأرز والسكر، وفقا لمؤشر منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة "الفاو" بنسبة 2.1%، عما كانت عليه في يوليو 2023، و24% عن الأسعار التي سادت الأسواق، بنفس الفترة 2022، والتي أعقبت اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا.

يؤكد خبير التمويل والاستثمار وائل النحاس في حديث لـ"العربي الجديد" أن معدلات التضخم ستظل متجهة نحو الصعود الدائم، لأن سياسات الحكومات في مواجهة التضخم، لم تتغير طوال السنوات الماضية، حيث تعتمد على رصد النزول بأرقام التضخم دون أن تعالج الخلل الحقيقي المؤدي إلى زيادة الأسعار والتي لم تشهد تراجعا عما وصلت إليه بقيمة أي سلعة على مدار عقود، على خلاف ما يشهده المستهلكون في الأسواق الدولية.

يوضح النحاس أن مصطلح "التضخم" في مصر أصبح غير معبر عن التغير الحقيقي في أسعار المستهلكين، مبينا أنه يظهر التغيرات بالأرقام ونسب الارتفاعات دون أن يحدث تغييرا حقيقيا في أسعار السلع بالأسواق، أو يصبح مؤشرا للتضخم.

ويشير النحاس إلى أن الأسواق، تمر بمرحلة "التضخم الحلزوني" الذي يشهد صعودا مستمرا دون ضوابط لكبحه، وارتفاعات متتالية غير مبررة في أسعار السلع والخدمات، بتأثير من زيادة قيمة الدولار والعملات الصعبة مقابل الجنيه.

وذكر أن تغير سعر الصرف، يؤدي إلى زيادة أسعار السلع، وفي وجود ضغوط يومية، تؤدي إلى ارتفاع تكاليف المعيشة اليومية، منها فرض رسوم غير مبررة على الطرق والخدمات الحكومية، وبيع السجائر ومنتجات أخرى في السوق السوداء.

أكد خبير التمويل والاستثمار أنه من دون السيطرة بطريقة احترافية على "التضخم الحلزوني" سيظل التضخم متجها للصعود بشدة، فإذا واجهته الحكومة بطرق إدارية سينخفض، ثم يقفز إذا رفعت أيديها عن الأسواق.

ويحذر من وضع حلول مؤقتة لمواجهة التضخم، في وقت تتجه فيه الحكومة إلى تعويم الجنيه مقابل الدولار والعملات الصعبة خلال الفترة المقبلة، بما يدفع الأسواق للسير عكس الاتجاه وقواعد السوق، والتي تظهر جلية في زيادة الاقبال على التعاملات بالبورصة، بينما تتراجع قيمة العملة وترتفع الفائدة على الجنيه بالبنوك.

ويرجع المحلل المالي للسلع الاستهلاكية، هشام حمدي، زيادة معدلات التضخم إلى زيادة أسعار المواد الغذائية الأساسية التي تمثل 32.5% من دخل الأسر المتوسطة شهريا، والتي تشمل الخضروات واللحوم والألبان.

أوضح حمدي في تصريح لـ"العربي الجديد" أن مؤشرات التضخم المرتفعة تعكس قوة تأثير زيادة سعر الدولار على الأسواق، والتي تمرر على شاكلة زيادة بتكلفة المنتجات لدى المصنعين وعلى أسعار جميع المنتجات، مع اتخاذ الحكومة قرارات معاكسة، من بينها وقف توزيع الأرز على البطاقات التموينية، اعتبارا من سبتمبر الجاري، وإلزام المواطنين بشرائه بسعر حر من المجمعات الاستهلاكية والأسواق بما يحمل المواطنين أعباء إضافية، ويؤثر على مستوى التضخم.

وبين حمدي أن زيادة التضخم يؤثر بشدة على الجهات المصنعة، التي تراجعت أرباحها خلال العام الحالي، بسبب تحملها جزء من تكلفة الزيادة بالأسعار، مع تمرير جزء من الزيادة إلى الجمهور، لتحافظ على حصتها السوقية بأقل الخسائر الممكنة.

وبيّن مؤشر الشركات الصناعية غير المنتجة للنفط، الصادر عن مؤسسة ستاندرد آند بورز لشهر أغسطس الماضي، استمرار القطاعات الإنتاجية والصناعية تحت 50 نقطة، لتبقى في وضع الركود للشهر 32 على التوالي، متأثرة بتراجع قيمة الجنيه، أمام العملات الصعبة وشح الدولار، وعدم إزالة البنك المركزي للقيود التي فرضها على معظم الواردات، والتي فرضها منذ مارس 2022، بهدف الحد من التصرف في النقد الأجنبي بالبنوك.