ابتداءً لا بد أن نعي جيدًا أن رسالة الإسلام:

- رسالة تربية قبل أن تكون رسالة تشريع وتنظيم

- ورسالة أخلاق وعقائد قبل أن تكون رسالة قتال وجهاد

- ورسالة قيم ومبادئ قبل أن تكون رسالة اتساع وانتشار

 

من أين نبدأ؟:

ولذلك كانت أولى خطوات التغيير والإصلاح موجهة إلى القلب والنفس، ومن أجل ذلك كانت وحدة القلوب المؤمنة سابقة على وحدة الصفوف بالتنظيم والتخطيط، ومن هذا التوجيه الرباني علمنا رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- من أين نبدأ، نبدأ بالصلاح قبل الإصلاح، إصلاح الإنسان لأنه أداة التغيير فنحن في حاجة إلى:

يقظة الأرواح وحياة القلوب

وصحوة الوجدان والمشاعر

نفوس حية قوية فتية، تتصور مثلاً عليًا وأهدافًا سامية لتسمو نحوها.

 

يقول الإمام البنا: "إن تكوين الأمم وتربية الشعوب وتحقيق الآمال ومناصرة المبادئ تحتاج من الأمة التي تحاول هذا أو من الفئة التي تدعو إليه على الأقل إلى قوة نفسية عظيمة تتمثل في عدة أمور: إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف، ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر، وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل، ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له، يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه والمساومة عليه والخديعة بغيره، على هذه الأركان الأولية التي هي من خصوص النفوس وحدها وعلى هذه القوة الروحية الهائلة تُبنى المبادئ، وتتربى الأمم الناهضة وتتكون الشعوب الفتية ووتتجدد الحياة فيمَن حُرموا الحياة زمنًا طويلاً.

 

وكل شعبٍ فقد هذه الصفات الأربعة أو على الأقل فقدها قواده ودعاة الإصلاح فيه فهو شعبٌ عابثٌ مسكين، لا يصل إلى خيرٍ ولا يحقق أملاً، وحسبه أن يعيش في جوٍّ من الأحلام والظنون والأوهام.. ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (يونس: من الآية 36).

 

ومن أجل ذلك قذف رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- في قلوب صحابته مشاعر ثلاثة:

1- قذف في قلوبهم أنَّ ما به هو الحق فآمنوا بعظمةِ رسالته.

2- وقذف في قلوبهم أنهم ما داموا على الحق فهم أساتذة العالم فلا بد أن يعتزوا بهذا الحق "كنا أذلة فأعزنا الله بالإسلام فمن ابتغى العزةَ في غير الإسلام أذله الله".

3- وقذف في قلوبهم أنهم ما داموا كذلك مؤمنين بهذا الحق، معتزين به، وبالانتساب إليه، فإنَّ الله معهم ويرشدهم إذا تخلَّى الناس عنهم، فهو سبحانه معهم أينما كانوا إنها الثقة في نصر الله.

 

إن المجتمعَ الذي يريده الإسلامُ هو مجتمعٌ رباني يستمد كل مقوماته من أوامر الله وتوجيهاته وحكمه، ويتجه إلى الله بكل شعوره ووجدانه وعمله، مجتمع العقيدة أساسه، والشعائر مظهره وتعظيمه، والأخلاق ضمانه، والشريعة ترجمته العملية، والواجبات فيه كلها مطلوبة، وهذا ما أوضحه ربعي بن عامر لقائد الفرس حين قال له: "إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن جور الحكام إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة".

 

لقد وضَّح الإمام البنا الفكرة التي قامت من أجلها جماعة الإخوان فقال:

"إن فكرة الإخوان وهدفهم يمكن أن يوضح في جملةٍ واحدة، إننا نريد أن نُحقق رسالةَ الإسلام؛ لأن الإسلامَ رسالةٌ هي أكمل وأوسع وأتم الرسالات الكبرى، لم ترَ الدنيا في تاريخ الرسالات أحسن ولا أتم بالخير والعدل والرحمة منها، ونحن نريد أن ينتفع الناس من هذه الرسالة الكاملة التي تسوق إليهم الغير سوقًا، وقد تلمس ما في هذا الخير من الطمأنينة والرضا، وما يشعر به الإنسان شعورًا يريح نفسه".

 

ولكي نضع ذلك موضع التنفيذ لا بد من:

وضوح الرؤيا والتدرج في الخطوات، واستخدام الوسائل المتاحة دون اعتماد على الإثارة العاطفية، والحماس المندفع، وبذلك تتحقق الأهداف الكبار، فلا تمني دون عمل، ولا حماسَ دون تخطيط، فالارتجال لا يفيد، والعنف يضر، يقول الإمام البنا: "ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول، وأنيروا أشعة العقول بلهبِ العواطف، وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع، واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البراقة، ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة، ولا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة، ولكن غالبوها واستخدموها، وحولوا تيارها، واستعينوا ببعضها على بعض، وترقبوا ساعة النصر وما هي منكم ببعيد".

 

واسمع إليه يؤكد المعنى الذي قلناه:

أيها الإخوان المسلمون:

إنكم تبتغون وجه الله وتحصيل مثوبته ورضوانه، وذلك مكفولٌ لكم ما دمتم مخلصين، ولم يكلفكم نتائج الأعمال ولكن كلَّفكم صدق التوجه وحسن الاستعداد، ونحن بعد ذلك إما مخطئون فلنا أجر العاملين المجتهدين، وإما مصيبون فلنا أجر الفائزين المصيبين، على أن التجارب مع الماضي والحاضر قد أفتت أنه لا خيرَ إلا في طريقكم، ولا إنتاج إلا مع خطتكم ولا صواب إلا فيما تعملون، فلا تقامروا بجهودكم ولا تقامروا بشعار نجاحكم، واعملوا والله معكم ولن يتركم أعمالكم، والفوز للعاملين ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة: من الآية 143).

 

ويقول الإمام البنا رحمه الله: رأيت القائمين بكل نهضة موفقة نجحت وأثمرت كان لهم:

1- منهاج محدد عليه يجتمعون

2- وهدف محدد إليه يقصدون

3- وضعه الداعون إلى النهوض، وعملوا على تحقيقه

4- خلفهم من قومهم غيرهم:

أ- يعملون على منهاجهم.

ب- ويبدأون من حيث انتهى أولئك.

ج- لا يقطعون ما وصلوا، ولا يهدمون ما بنوا.

د- ولا ينقصون ما أسسوا وشادوا، ولا يخربون ما عمروا.

هـ- فإما زادوا عمل أسلافهم تحسنًا.

و- أو مكنوا نتائجه تمكينا.

ز- وإما تبعوهم على آثارهم.

ح- فزادوا البناء طبقة وساروا بالأمة شوطًا إلى الغاية.

 

ومن هنا بدأ الإمام البنا بالآتي:

أولاً: التفكير في التحديات التي تواجه الأمة مع تحديدها بدقة

ثانيًا: دراسة التاريخ والواقع

ثالثًا: استخلاص الدروس

رابعًا: كيفية التعامل مع هذه الدروس

وكان لابد للعودة من:

أولاً: عموم الدعاية (الرأي العام)

ثانيًا: كثرة الأنصار (شبكة العلاقات)

ثالثًا: متانة التكوين (بناء المؤسسات)

ولقد مد الإسلام الأمة بدعائم من القوة استغلتها الاستغلال الأمثل لتحقق ما ترجوه أهمها:

1- الأمل الواسع الفسيح

2- الاعتزاز بالقومية والتاريخ المجيد

3- القوة الاستعداد والجندية

4- العلم الغزير (علم الدنيا والدين)

5- الخلق الفاضل القوي المتين والنفس العالية الطموحة

6- المال والاقتصاد

7- نظم الفرد والأسرة والأمة والحكومات والعلاقات بين الأمم والوسيلة لتحقيق ذلك ذات أركان ثلاثة:

1- المنهاج الصحيح

2- العاملون المؤمنون

3- القيادة الحازمة الموثوق بها

ومن مميزات هذا المنهج أنه ثابت المنحى، وئيد الخُطى، لا تستثيره الأحداث العابرة ولا تخرج به عن مرسوماته العواطف الثائرة؛ ولذلك فإن الإمام البنا يقول: "أيها الإخوة، وبخاصة المتحمسون المتعجلون منكم، اسمعوها مني كلمة عالية مدوية، من فوق هذا المنبر في مؤتمركم هذا الجامع، إن طريقكم هذه مرسومة خطواته، موضوعة حدوده، ولستُ مخالفًا هذه الحدود التي اقتنعتُ بها كل الاقتناع بأنها الطريق للوصول، أجل قد تكون طريقًا طويلاً، ولكن ليس هناك غيرها، إنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة، والجد والعمل الدائب، فمن أراد منكم أن يستعجل ثمرة قبل نضجها أو يقطف زهرة قبل أوانها فلست معه في ذلك بحال، وخير له أن ينصرف عن هذه الدعوة إلى غيرها من الدعوات، ومن صبر معي حتى تثمر البذرة، وتنبت الشجرة، وتصلح الثمرة، ويحين القطاف، فأجره على الله، ولن يفوتنا وإياه أجر المحسنين (إما النصر والسيادة، وإما الشهادة والسعادة)".

 

التغيير ومنهج التربية

إن عملية التغيير يجب أن تكون ضمن منهج تربوي متكامل، وفي نطاق خطة تتحقق فيها تربية الأفراد تربيةً شاملةً تصل إلى الأهداف المنشودة والآمال المعقودة، وسط قاعدة جماهيرية، آمنت بالفكرة إيمانًا يدفعها إلى التضحية من أجل تحقيقها والتفاعل معها لتصبح سدًّا منيعًا في وجه أعداء الإسلام، ولكي نبدأ العمل دون طاقات مهدرة يجب التأكد من:

1- أن المنهاج محكم وسلمي.

2- وأنه لا خلل يخاف في الصف نتيجة لنقص في التربية.

3- وأنه لا تفكك في التنظيم لأداء العمل.

4- ولا غموض في الرؤية.

5- ولا عجز في الإنجاز والاتقان وتحمل المسئولية.

 

ومما يعوق العمل أو يوقفه أو ينحرف به:

1- الخطأ في التصور المنهاجي للعمل الإسلامي.

2- الخطأ في عدم الاهتمام بتعميق الرابطة الإيمانية بين الأفراد، وتحقق الأخوة.

3- إهدار الوقت وقيمته من الحساب، فلا احترامَ لميعاد عمل، ولا تفكير في قيد الزمن.

4- عدم شحذ الإرادات بالشورى.

5- عدم الطاعة في تنفيذ التكاليف وعدم الشعور بالمسئولية.

6- عدم وجود الخبرة اللازمة تربوية تقنية أو إدارية، وعدم التعاون المنظم المنسق المنضبط بعد تحديد المفاهيم يجدر بنا إلى أن نشير إلى أمور هامة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالفهم في خطوات الإصلاح والتغيير ألا وهي:

أولاً: أن الهدف من تطبيق المنهج النبوي هو إيجاد واقع عملي إسلامي، تطبق فيه أحكام الشريعة نصًّا وروحًا، ولأنه لا يجب علينا أن نطالب الإسلام بإيجاد الحلول العملية لكل مشاكلنا، قبل أن نجد له الواقع الذي نطبق فيه شريعته وأحكامه.

 

ثانيًا: أن العمل لتحقيق الأهداف المرجوة يجب أن يقوم على أساس التخطيط المرحلي، بحيث لا ينتقل العمل من مرحلة إلى أخرى إلا بعد تحقيق أهداف المرحلة السابقة، وأن يتسم العمل في هذه المراحل بالمرونة؛ لأن طبيعة العمل في هذه المراحل متداخلة ومترابطة، إذ إنَّ تحقيق أهداف أي مرحلة سابقة سيساعد على تحقيق أهداف المرحلة اللاحقة، كما أن تحقيق جميع هذه المراحل سيساعد على تكوين الأسرة المسلمة، وتكوين الأسرة المسلمة سيساعد على تكوين المجتمع المسلم وهكذا.

 

ثالثًا: أن العمل لتحقيق هذه الأهداف يجب أن يقوم على أساس العمل الجماعي، الذي يقوم على أساس وجود قيادة شعبية على رأس طليعة مؤمنة تعمل لتحقيق قيادة الرأي العام الإسلامي بطريقة سليمة، تعتمد التربية المتأنية والإقناع بالحجة وكسب النصير، ثم رأي عام عالمي إسلامي تتضح له الفكرة ولا يعادي ويقتنع بالآخر، كل ذلك بتنظيم دقيق تقوم به جماعة؛ ذلك لأن العمل الفردي أعجز من أن يحقق هذه الأهداف، ولأن دين الإسلام هو دين الجماعة؛ ولذلك كان الإمام البنا يعتبر مثل هذا العمل الجماعي، واجبًا شرعيًّا لا يمكن التخلي عنه لأن يد الله مع الجماعة.

 

علمًا بأن مشروعنا الإسلامي لا يمكن أن تقوم به جماعة من الجماعات بمفردها؛ لأنه مشروع أمة فلا بد من تضافر جهود الأمة كلها لتحقيق ذلك الهدف الكبير.

 

فكيف يتحقق التغيير المطلوب؟

لا يتحقق ذلك إلا بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وتربية الفرد تربية إسلامية تشترك فيها جميع أجهزة الدولة ليصاغ الفرد صياغةً إسلاميةً باعتباره أداة التغيير.

 

ولذلك لا بد من العمل الدءوب على أن تسود قيم وكليات وشرائع الإسلام في واقع الأمة أفرادًا ومؤسسات عن إرادة واختيار، دون قهر أو إجبار أو عنف أو إكراه، والعمل بكل الوسائل المشروعة على المحافظة عليها من خلال مؤسسات الدولة المدنية لمؤازرة الجهود لتمكين دين الله في الأرض.

 

خصائص فهمنا

وعلى هذا يمكن التأكيد على بعض الخصائص الإسلامية المميزة لهذا الفهم وهي:
أولاً: أن سيادة الإسلام لا تتم إلا بعد أن تسود في المجتمع حقيقة وليس شعارًا وكلامًا مرسلاً أو مظهرًا، كليات وشرائع الإسلام مبتدئين بتربية الفرد حتى يتغير من داخله أولاً.

 

ثانيًا: أن هذه السيادة لدين الله بهذا المعنى تكون شاملة لوحدات المجتمع جميعها، أفرادًا ومؤسسات؛ لأن الإسلام ليس دينًا للأفراد فحسب ولكنه دين الجماعة، متمثلاً في مؤسسات المجتمع الخاصة والعامة؛ لذلك لا تحقق سيادة الإسلام إلا إذا تناول كلاًّ من الأفراد والمؤسسات.

 

ثالثًا: أن هذه السيادة لدين الله لا تتحقق في الأمة قسرًا أو قهرًا أو كرهًا أو جبرًا؛ لأن الأمر هو إقامة دين وليس الاستيلاء على السلطة، فالأولى إقامة بناء وتربية وإقناع وإيمان، والثانية سطو وقهر واستيلاء وفرض أمر، ومن ثم فإنه يجب أن يتم عن إرادة واختيار؛ فالأمر ليس استبدال حكومة بحكومةٍ أخرى بقدر ما هو تغيير منهج تفكيري وضعي دنيوي للحياة بمنهجٍ آخر رباني والاستبدال لا يعني سيادة المنهج، ولكن في واقع الأمر يصبح هذا الاستبدال تغييرًا شكليًّا، لا جذرَ له ولا ساق.

 

رابعًا: إن استمرارية المنهج ودوامه لا يمكن أن يتحقق حالة مؤقتة فلا يتمشى ذلك وخصائص هذا المنهج من حيث: الدوام والكمال والسمو والشمول والعموم؛ ولذلك ينبغي أن يقوم المنهج على جذورٍ عميقةٍ وعريقة في المجتمع.

 

خامسًا: أن هذه السيادة لدين الله ليست قضيةً وطنيةً أو محليةً تهم قطرًا دون قطر ولا قضية إقليمية تهم إقليمًا دون إقليم، ولكنها قضية أمة، وإلا ما أصبح الإسلام دين العالم أجمع كما أراده الله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)﴾ (الأنبياء).

 

فكرتنا واضحة

وابتداءً يجب أن تكون الفكرة واضحةً ومفهومة عند المدعوين حتى يصل المطلوب صحيحًا سليمًا؛ ذلك لأنَّ من الدعاة مَن لا يرى في الإسلام غير حدودِ العبادة فإن أداها أو رأى من يؤديها اطمأنَّ إلى ذلك ورضي به وحسبه أنه قد وصل إلى لُبِّ الإسلام.

 

فالإسلام عند بعض الجماعات بل الأفراد نوعٌ من العقائد والشعائر التي لا يزداد عليها، فهي الإسلام وغير ذلك سياسة يجب الابتعاد عنها، ومنهم مَن يرى الإسلام كأنه دينٌ عقابي ينحصر في الحدودِ التي يجب أن تُقام، ومنهم مَن يرى الإسلام جهادٌ بالسيف لا يمكن أن يُقام إلا بقوةِ السلاح مستخدمًا منطق القوة، وليس منطق الحجة مخالفًا منهج رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- ومنهم مَن يتصور أن سبيل المؤسسات الحزبية والمجالس التشريعية ومؤسسات المجتمع المدني ليست وسائل فحسب بل هي السبيل إلى التغيير والإصلاح سواء بالمعارك الكلامية داخل هذا المجالس أو حتى سن القوانين.

 

أو التغيير بالاضرابات أو حتى العصيان المدني الذي يُدعى إليه أحيانًا وهو لا يسمن ولا يغني من جوعٍ بل قد يضر ضررًا بالغًا، أمام الحكم الاستبدادي بمفرده، وأكبر دليل على ذلك ما هو حادث من حزب الله في لبنان مع وجود الحرية الكاملة في التغيير هناك إلا أننا لا نرى بعد أكثر من شهرين أي استجابة لمطالب الذين افترشوا الأرض والتحفوا بالسماء، ولا مجيب والحكومة وأعوانها لا يبالون.

 

فهل تستوي هذه الأساليب وفكر هؤلاء مع مَن ينادي بمنهجٍ متكاملٍ دعوة وتربية ويحمل فكرًا بصيرًا واقعيًّا يعرفه أهل الإيمان ويتعايش معه رجال المواقف والدعوات؛ لأنه روح جديد يسري في قلب هذه الأمة فيحييه بالقرآن، ونور جديد يشرق فيبدد ظلام المادة بمعرفة الله، وصوت داو يعلو مرددًا دعوة الرسول- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- الذي يُربي الرجال على الإسلام أنه نظامٌ شاملٌ ينتظم مظاهر الحياة جميعًا، فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة، أو رحمة وعدالة وهو ثقافة وقانون، أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة كما هو عقيدة صادقة وعبادة لله سبحانه، فكر يعيش بالحب، ويعلن السلام، ويعلي الأخوة، ويحتضن الجميع مع اختلاف مللهم ونحلهم، واعتقاداتهم؛ لأنه رحمة للعالمين، يقدر خطوه، ويبصر طريقه، ويعرف وجهته، ويوضح هدفه، ويحدد صديقه من عدوه، ويتعامل مع نواميس الكون، ويستعين بالله ويثق في نصره.

 

إن غايتنا تنحصر في تكوين جيلٍ من المؤمنين بتعاليم الإسلام الصحيح، يعمل على صبغ الأمة بالصبغة الإسلامية الكاملة في كل مظاهر حياتها، ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ (البقرة: من الآية 138) ووسيلتنا في ذلك تنحصر في تغيير العرف العام، وتربية أنصار للدعوة على هذه التعاليم، حتى يكونوا قدوةً لغيرهم في التمسك بها، والحرص عليها، والنزول على حكمها، فأداة التغيير عندنا هو الفرد المسلم، ومن هنا يجب البدء به دعوةً وتربيةً حتى تظهر قيادة تقود الأمة، ولا تظهر هذه القيادة إلا في أمةٍ تستحقها فظهور مثل هذه القيادات التي تحكم تحتاج إلى قاعدةٍ تشد أزرها، ورأي عام ينادي بما تنادي به هذه القيادة، حتى يشعر المجتمع بضرورة وجودها، وهنا تبرز مسئولية المربين ودورهم في إعداد الأدلة وتهيئتها لهذه المرحلة الحاسمة.

 

ولذلك لم ينهج الرسول- صلى الله عليه وسلم- في سبيل الدعوة إلى الحقِّ في أي وقتٍ سوى منهج الحجة الواضحة والحكمة في الإقناع، وأمره ربه سبحانه بعدم الاستجابة إلى إيذاء معارضيه له ولغوهم في القول، واستكبارهم وعنجهيتهم في سياق الرفض.

 

فدين الحق يحتفظ للإنسان حين الإيمان به، بالحرية والمشيئة والاعتبار الإنساني، وترك له أن يكون رقيب نفسه، والله له كل شيء إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء، وأمرت أن أكون من المسلمين فهو صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يذكر دون أن يكره أو يلزم أحدًا بها حتى لا يحرج أحدًا في قبولها أو رفضها؛ ذلك لأن في ذاته لا يتفق وكرامة الإنسان ولا مع حريته الفردية ولا مع استقلاله في الرأي، فأي دعوة تريد أن تحقق حياة ذات قيم رفيعة لا بد أن تثبت قيمة الحرية الفردية، وإلا أين هذه الحرية في دعوة تقول: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (غافر: من الآية 29) فالإسلام كرسالة من الله إلى الناس جميعًا حريص كل الحرص على أن يُوفِّر الكرامة والإنسانية للفرد التي تتمثل في الحرية الفردية، والمؤمنون من أجل ذلك- سواء في القيمة والاعتبار- يسعى بذمتهم أدناها.

 

فلا يليق في شأن الداعي إلى الله أن يكون مكرهًا على الدعوة ولا ملزمًا إياها في أية صورة من صور الإلزام والإكراه، ﴿وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً (106)﴾ (الإسراء).

 

فالقرآن ليس بحاجةٍ إلى إكراه في قبوله؛ لأن الحق والصدق لازمة في إنزاله إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وفي وحيه إليه، وفي موضوعه ومهمته البشارة والنذارة، وهذا هو تكريم الإنسان في الاختيار، لا غلظةَ في التعامل ولا خشونةَ في الأسلوب، ولا فظاظةَ في الدعوة وقولوا للناس حسنًا.

 

إن الداعي إلى إنشاء دولةٍ تُقيم الحق، وتخفض الباطل، وتمنع الظلم، وتجمع الإنسانية، وتنشر التعاون بين الناس، وتمحو كل الفوارق التي تجعل بعض بني الإنسان يتحكم في الآخر، وتمنع الفساد في الأرض.

 

ولا يتحقق ذلك إلا بأن يربي الداعي فيهم روح العزة والكرامة، وينشيء منهم قوة ترفع الحق، هذا كله لا يتحقق بعنفٍ وإكراه، ولكن بقلبٍ يحب الإنصاف، والرحمة والمؤاخاة والرفق، وكل ذلك يتطلب تربية معاناة؛ لأن قيام هذه الدولة المسلمة تطبيق عملي للفضيلة والعدالة والمساواة، ويكون ذلك حجة في الأرض على الذين يدَّعون أن قيام دولة فاضلة على مبادئ الأخلاق من الأحلام والمنى، بينما هو عملٌ ثبت تحقيقه، وقامت في الوجود أعلامه.

 

فليست القوة وسيلةً لنشر الفكرة الإسلامية؛ لأن الدعوةَ الحقة إنما تخاطب الأرواح وتناجي القلوب وتطرق مغاليق النفوس، ومحال أن تثبت بالعصا أو أن تصل إليها على شبا الأسنة والرماح والسهام، ولكن الوسيلة في انتشار كل دعوة وثباتها معروفة معلومة لكل مَن له إلمام بتاريخ الجماعات، وخلاصة ذلك جملتان إيمان وعمل، ومحبة وأخوة.

 

وللسائل أن يسأل ماذا فعل رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- في غرس دعوته في نفوس الرعيل الأول من أصحابه، هل هناك أكثر من أنه دعاهم إلى الإيمان والعمل، ثم جمع قلوبهم على الحب والإخاء، فاجتمعت قوة العقيدة إلى قوة الوحدة وصارت جماعتهم هي الجماعة النموذجية التي لا بد أن تظهر كلمتها وتنتصر دعوتها، وإن ناوأها أهل الأرض جميعًا، وماذا فعل الدعاة من قبل ومن بعد أكثر من هذا؟ ينادون بالفكرة ويوضحونها، ويدعون الناس إليها فيؤمنون بها ويعملون لتحقيقها، يجتمعون عليها، ويزدادون عددًا فتزداد الفكرة بهم ظهورًا وانتشارًا حتى تبلغ مداها، وتبلتع سواها، وتلك سنن الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً.

 

ولذلك ما كانت دعوتنا بِدعًا من الدعوات، فهي صدى الدعوة الأولى نادى بها الإمام البنا رضوان الله عليه، دوَّت في قلوب المؤمنين وترددت على ألسنتهم، ثم حاول أتباعها أن يقذفوا بها إيمانًا في قلوب الأمة المسلمة ليظهر عملاً في تصرفاتها، لتجتمع قلوبها عليه، فإذا فعلوا ذلك أيَّدهم الله ونصرهم وهداهم سواء السبيل، وهكذا يتربَّى الرأي العام على منهج الإسلام.

 

ولقد أجاب الإمام البنا- رضوان الله عليه- على تساؤلاتِ الناس في زمانه عن موقف الإخوان من القوة والثورة والحكم، فبيَّن أن هذه المفاهيم ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان فوضَّح الموقف من القوة والثورة:

مفهوم خاطئ

يسري مفهوم خاطئ مفاده أن الحركة الإسلامية تعد العدةَ للجهادِ من غير حدود، وفي كل مكان، بل يقولون إن الحركةَ الإسلاميةَ تتخذ من الديمقراطية وسيلةً لتحقيق أغراضها، حتى إذا ما تمكَّنت ووصلت إلى الحكم فإنها سوف تعمل على إقصاءِ الآخر، وهذا ليس صحيحًا، فالإسلام يفتح القلوب والعقول ويدعو الناس بالإقناع قبل الدخول فيه، وأكثر الأمم التي دانت للإسلام، لم يحدث فيها قتال، فالحركة لا تفكر في هذا إلا في ظروفٍ استثنائية وأماكن محدودة، لا يكون أمامها خيار.

 

لأن شعارنا "الجهاد سبيلنا" ليس جهادًا بغير ضوابط في كل اتجاه، فالجهاد أولاً المقصود منه ضد الاستعمار الأجنبي، كما يحدث اليوم في فلسطين أو العراق، أو حين يحال بين المسلمين ودينهم ويحكم ذلك كله قواعد شرعية وضوابط فقهية لا ارتجالَ فيها ولا حماس بل أمور حاكمة تضبط المسير.

 

وموقفنا من بني وطننا النصيحة الخالصة والتربية الصالحة، وهذا موقف مبدئي إستراتيجي وليس تكتيكيًّا حركيًّا كما يفتري أعداءُ الإسلام؛ لأننا نصدر في كل أعمالنا عن أحكام الشريعة الإسلامية، والحكم الشرعي يفرض علينا النصيحة لأئمةِ المسلمين وعامتهم، وكما أنه يفرض علينا أن ننصر إخواننا المغلوبين على أمرهم إذا استنصرونا فلا نتردد ويحكمنا ضوابط الشرع.

 

ولقد أوضح الإمام البنا هذه القضية فقال:

"يتساءل كثير من الناس: هل في عزم الإخوان المسلمين أن يستخدموا القوةَ في تحقيق أغراضهم والوصول إلى غايتهم؟ وهل يُفكِّر الإخوان المسلمون في إعداد ثورة عامة على النظام السياسي أو النظام الاجتماعي في مصر؟ ولا أريد أن أدع هؤلاء المتتسائلين في حيرة، بل إني أنتهز هذه الفرصة فأكشف اللثام عن الجواب السافر لهذا، في وضوحٍ وفي جلاءٍ فليسمع مَن يشاء.

 

أما القوة فشعار الإسلام في كل نظمه وتشريعاته، فالقرآن الكريم ينادي في وضوحٍ وجلاء ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال: من الآية 60)، والنبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- يقول: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف"؛ بل إنَّ القوةَ شعار الإسلام حتى في الدعاء وهو مظهر الخشوع والمسكنة، واسمع ما كان يدعو به النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- في خاصة نفسه ويعلمه أصحابه ويناجي به ربه: "الله إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال"، ألا ترى في هذه الأدعية أنه قد استعاذ بالله من كل مظهرٍ من مظاهر الضعف: ضعف الجيب بالهم والحزن، وضعف الإنتاج بالعجز والكسل، وضعف الإرادة والمال بالجبن والبخل، وضعف العزة والكرامة بالدين والقهر، فماذا تريد من إنسانٍ يتبع هذا الدين إلا أن يكون قويًّا في كل شيء؟ فالإخوان المسلمون لا بد أن يكونوا أقوياء، ولا بد أن يعملوا في قوة.

 

ولكن الإخوان المسلمين أعمق فكرًا وأبعد نظرًا من أن تستهويهم سطحية الأعمال والفكر، فلا يغوصون إلى أعماقها ولا يزنوا نتائجها وما يُقصد منها وما يُراد بها، فهم يعلمون أن درجةً من درجات القوة قوة العقيدة والإيمان، ويلي ذلك قوة الوحدة والارتباط ثم بعدهما قوة الساعد والسلاح، ولا يصح أن تُوصف جماعة بالقوة حتى تتوفر لها هذه المعاني جميعًا، وإنها إذا استخدمت قوة الساعد والسلاح ضد أعداء الأمة خاصةً المستعمرين منهم وهي مفككة الأوصال مضطربة النظام أو ضعيفة العقيدة خامدة الإيمان فسيكون مصيرها الفناء والهلاك.

 

هذه نظرة، ونظرة أخرى هل أوصى الإسلام والقوة شعاره باستخدام القوة في كل الظروف والأحوال أم حدد لذلك حدودًا واشترط شروطًا ووجه القوة توجيهًا محدودًا؟

 

ونظرة ثالثة هل تكون القوة أول علاج أم أن آخر الدواء الكي؟ وهل من الواجب أن يوازن الإنسان بين نتائج استخدام القوة النافعة ونتائجها الضارة، وما يحيط بهذا الاستخدام من ظروف؟

 

أم من واجبه أن يستخدم القوة وليكن بعد ذلك ما يكون؟ هذه نظرات يلقيها الإخوان المسلمون على أسلوبِ استخدام القوة، متى نظرتهم إلى القوة مقيدة بمنهج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يلتزمون به ويعملون له.

الخلاصة

لئن كان الذين ينادون بالحكم بما أنزل الله بالقوة والاستيلاء على السلطة لم يصيبوا منهج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فإن الذين يظنون أن تطبيقَ الشريعة مجرَّد تغيير قوانين بقوانين وخاصةً قوانين العقوبات والحدود مخطئون أيضًا؛ لأنهم يظنون أن تطبيق الشريعة الإسلامية هي في جلد شارب الخمر، وقطع يد السارق، ورجم الزاني أو جلده، وغير ذلك من الحدود وهذا خطأ في الفهم عظيم.

 

فنحن نريد تطبيق الشريعة الإسلامية.. استئناف حياة إسلامية متكاملة، حياة توجهها عقيدة الإسلام وتحكمها شريعة الإسلام، وتضبطها أخلاق الإسلام، وتسودها قيمه وآدابه، حياة مصبوغة بالقيم الإسلامية لحمًا ودمًا وروحًا، هذا ما نريده أن تحيا بالإسلام، ونحيا للإسلام فالأمر لا يتطلب مجرَّد تغيير قوانين بل تغيير حياتنا تغييرًا اجتماعيًّا وفكريًّا ونفسيًّا، وسلوكيًّا وأخلاقيًّا، ونحاول أن نعيش مسلمين صادقين ليس مجرَّد تغيير قوانين على الورق، فقد يحدث هذا ولا تغيير الحياة، ولا يتغير المجتمع، ولذلك لا بد من عملٍ قبل هذا كله، وهو أن يعمل المربون على تغيير نفسية الشعب إلى نفسيةِ إسلامية، فالتغيير النفسي هو أساس كل إصلاح كما قال المولى تبارك وتعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11).

 

وليس كما يقول الماركسيون: إن تغير الاقتصاد أو تغير علاقات الإنتاج يؤدي إلى تغيير التاريخ، بينما نحن نقول: غير نفسك يتغير التاريخ وتتغير الحياة بتغيير النفس، وتتغير الأنفس بالإيمان والتزكية، والتربية الإسلامية السليمة، ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾ (الشمس).

-----------

* عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين.