عاش حياته في خدمة الإسلام تحمَّل تبعات الدعوة ودفع ضريبتها من عمره راضيًا محتسبًا، ظل مرابطًا لم تهزه المحن والابتلاءات بل زادته يقينًا بطريقه، نعاه فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين، داعيًا الله سبحانه وتعالى أن يتغمَّده بواسع رحمته ومغفرته، وأن يُسكِنه فسيح جناته جزاءَ ما قدَّم للدعوة الإسلامية، وأن يُلهِم أهله الصبر والسلوان.

 

كما دعا الأمة الإسلامية وشباب الإسلام أن يسيروا على نهجه؛ ليكونوا دعاةَ حقٍّ وعدل، كما دعا تلاميذه إلى أن يحذوا حذو الشيخ الفقيد الذي لم يدَّخر جهدًا ولا وقتًا في سبيل الدعوة إلى الله، ونشْر الفهم الصحيح للدين.

 

 ونعاه إخوانه وأحبابه ورفقاء الدرب، وشركاء القضية قالوا في حقه رثاءً لرجل من رجالات الدعوة الكبار.

 الصورة غير متاحة

 الآلاف يشيعون جنازة الشيخ خيري ركوة

 

إنه العالم الجليل الشيخ خيري ركوة المتحدث الرسمي باسم جبهة علماء الأزهر، سابقًا ومسئول قسم نشر الدعوة في جماعة الإخوان المسلمين، وهو أحد علماء الأزهر الشريف المعروفين، تمَّ اختياره ليكون المتحدث الرسمي باسم جبهة علماء الأزهر، والتي أُنشئت عام 1946م، وتضم أكثر من ألف عالم وشيخ أزهري، قبل أن تتآمر عليها طيور الظلام وتغتالها بليل.

 

قال عنه الدكتور عبد الحميد الغزالي- الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية والمستشار السياسي للمرشد العام-: إن الشيخ ركوة كان من رموز جماعة الإخوان التي أسهمت بإخلاص وتجرد وثبات أصيل في جانب التربية والدعوة، وأضاف أن الشيخ كان له مواقفه العظيمة وتضحياته الكبيرة في سبيل نشر الدعوة، وكيف أن الابتلاءات التي لحقت به لم تنل منه بل تغلَّب عليها فكان يخرج من كل محنةٍ منتصرًا وأقوى مما كان.

 

وأوضح أنه كان نموذجًا وقدوة مشرفة لتلاميذه من بعده مربيًا فيهم حب الدعوة والثبات على طريقها مهما كانت العواصف والمحن، وكان سلوكه النبيل الذي يُجسِّد المسلم الفاهم والواعي بقضيته يترك انطباعًا إيجابيًّا وحبًّا يزداد بين تلاميذه، داعيًا الله عز وجل أن يتقبَّل منه وأن يرحمه ويسكنه فسيح جناته.

 

 الصورة غير متاحة

الحاج السبحي وجمع غفير يدعون للشيخ الراحل بالرحمة

الحاج مسعود السبحي- سكرتير المرشد العام للجماعة- أكد أن الشيخ ركوة كان من المجاهدين الأوائل في نشر الدعوة؛ حيث بدأ يعمل لهذه الرسالة وهو طالب بجامعة الأزهر ووظَّف لها حياته وحمل أعباءها ومسئوليتها على عاتقه، وكان يخشى أن يُؤتى الإسلام من قِبله فكان أشد ما يكون العبد إخلاصًا لربه وقضيته.

 

وأشار إلى أن ثباته على هذا الطريق عرَّضه للاعتقال في عهد الرئيس جمال عبد الناصر وأمضى في السجن ثلاث سنوات، ولكن هذه العقوبة استمرت إلى ست سنوات ثم أُعيد اعتقاله في عهد الرئيس حسني مبارك لمدة عام، وكان الشيخ الجليل يخرج في كل مرةٍ أشد ثباتًا وأقوى إيمانًا ولم يمنعه هذا المعتقل من أن يستمر محبًّا ومجاهدًا في سبيل لدعوته.

 

وأضاف أن الشيخ كان غيورًا على دينه وله كتابات عدة في مجال الدعوة إلى الله، كما أنه كان أحد المسئولين عن قسم نشر الدعوة، وظلَّ مجاهدًا صابرًا في طريقه إلى أن ابُتلى بالمرضِ الذي لم يمنعه من المداومة على الخير فكان يعمل ويرفض أن يُفوِّت لقاءً فيه خير إلا ويحضره، وظل كذلك حتى وافته المنية ولقي ربه صابرًا محتسبًا.

 الصورة غير متاحة

المهندس عاصم شلبي يتلقى العزاء في الفقيد

 

المهندس عاصم شلبي- المسئول الإعلامي للجماعة- أشار إلى أن الشيخ ركوة كان من أبرز رموز الدعوة كان له دور غاية في الأهمية في خارج مصر، وعندما عاد إلى مصر أصبح مسئولاً عن قسم نشر الدعوة وعضوًا بمجلس شورى الجماعة، وأشار شلبي إلى أن ركوة كان بليغًا، وكان من المتحدثين في كلامهم بالبلاغة والحكمة.

 

ولم تُثنه الابتلاءات والمعتقلات عن المضي قُدمًا في طريق دعوته فقد اعتُقل في العهد الناصري ورأيته في المعتقل أثناء إحدى زياراتي قويًّا جلدًا يُعطي لمَن حوله الثقةَ في قضاء الله والصبر عليه.

 

وضرب المثل في صبر الداعية عند الشدة وعند المنحة شاكرًا، ولفت النظر إلى أن إخلاص رجال هذا الجيل هو السبب في عدم قدرة خصومهم على تحجيم نشاطهم ونشاط دعوتهم، وهو ما جعلها تنتشر وتتسع بصدقهم وعزيمتهم.

 

الدكتور حازم فاروق- عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وأحد الذين تربوا على يد العالم الجليل- قال: إنَّ أعيننا تفتحت على الشيخ ركوة دءوبًا مربيًّا مثابرًا يرص اللبنة تلو اللبنة والشباب بجوار الشباب، ويبث فيهم الثقة في نصر الله وبأنهم جيل هذا النصر المنشود، كما أنه كان شعلةً تُضيء أمامنا الطريق ويدًا ترسم لنا ملامحه، يسافر هنا وهناك، ويربت على كتف الكبير ويحتضن الصغير حتى تثمر النبتة، واستمر الشيخ في جهاده لم يفتر ولم يُغيِّر ولم يبدل حتى لقي ربه صابرًا شاكرًا.

 

وأشار إلى أن الله اجتباه بابتلائه وامتحانه بالاعتقال والمرض حتى يخرج من ذنوبه ويلقاه راضيًا مرضيًا، وختم فاروق قائلاً: إن أعين محبيه وتلامذته وأهله وإخوانه لتدمع وإنَّ قلوبهم لتحزن على فراقه، ولكنهم لا يملكون إلا قولهم ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.