بقلم: د. حامد أنور

لم يكن ساهر حمد الله التمَّام يعلم- وهو يقود سيارته المفخَّخة التي أعدَّها له البطل المجاهد يحيى عياش في السادس عشر من أبريل عام 1993م للقيام بأول عملية استشهادية في فلسطين- أنه يكتب أول سطر في صفحة النهاية لبني إسرائيل، ويضع أول لبنة في حجر الأساس لاستئصال الكيان اليهودي من المنطقة ونهاية الشرِّ من العالم، لا يستطيع أحدٌ أن يصف إحساسه وقتَها وهو يمسك بعجلةِ القيادة، وهو يواعد الموت للقائه بعد دقائق من أجل الثأر لإخوانه، الذين كانوا حينئذٍ مبعَدين في (مرج الزهور)، ومن أجل الدفاع عن أرض الخلافة القادمة.

 

لكن أستطيع أن أقول إن ساعة التاريخ وقتها قد توقَّفت لتشير إلى متغيرٍ جديد؛ لذلك أتفهَّم جيدًّا ما قاله بعدها يعقوب بيري- رئيس جهاز الشاباك الصهيوني في كتابه (القادم لقتلك)-: إن العمليات الاستشهادية هي أول تهديد وجودي يواجهه الكيان اليهودي في تاريخه منذ اغتصابه أرض بيت المقدس.

 

إن العمليات الاستشهادية درَّة الجهاد الإسلامي في العصر الحديث، والتي كانت السلاح الأقوى لضرب هيمنة الكفر الحديث، ولم تستطع الحملة الصليبية اليهودية أن تجد سلاحًا مناوئًا له.. تلك الحملة التي ترفض وجود أحد إلا تحت رايتها، ولا تُعطي الحريةَ إلا لمن يناصرون جرائمها، فإذا بها تنهار أمام أُسود الاستشهاديين التي انطلقت تزأر في أرض بيت المقدس، تبحث عن اصطياد عناصر الشر؛ لتكتب على بني إسرائيل ما قضاه الله عليهم في التوراة والإنجيل والقرآن، من نهاية بدأت تتضح ملامحُها، وهم عرفوها كما يعرفون أبناءهم الذين يتساقطون مع شظايا التفجيرات الاستشهادية، فتتساقط معها خرافاتهم وضلالاتهم.

 

فلقد جاء في سفر آرمياء في الإصحاح السادس عشر.. الذي يحمل نفس تاريخ اليوم الذي انطلق فيه البطل ساهر حمد الله تمَّام وسطَّر أول عملية استشهادية في تاريخ فلسطين ما يشير أولاً إلى عودة بني إسرائيل من أرض أوروبا أرض الشمال، ومن كل الأراضي التي تفرَّقوا إليها إلى أرض بيت المقدس؛ حيث يقول: "لذلك ها هي أيام تأتي يقول الرب ولا يُقال بعد حي هو الرب الذي أصعد بني إسرائيل من أرض مصر، بل حي هو الرب الذي أصعد بني إسرائيل من أرض الشمال، ومن جميع الأراضي التي طردهم إليها فأرجعهم إلى الأرض التي أعطيت آباءهم إياها" (آرمياء: 14- 16).

 

ثم يشير الإصحاح إلى أولئك الأطال الذين سطَّروا التاريخ، فيعبر عن أولئك الاستشهاديين بلفظ جزافين، وهي صيغة مبالغة، أي معرضًا نفسه لأشدِّ الخطورة، وإن أولئك الجزافين أو الفدائيين سيصطادونهم ثم تكون المرحلة الثانية هي مجيء القناصين والمقاتلين الذين سيصطادونهم من على الجبال والتلال ومن وراء الأحجار، إي وربي لقد تحدثت التوراة عن حرب الحجر والشجر، مصداقًا لما أخبرنا به سيد الأنام في حديث أبي هريرة رغم أنف الجاهلين؛ لذلك يطعنون فيه، فيقول: "هآنذا أرسل إلى جزافين كثيرين فيصطادونهم، ثم بعد ذلك أرسل إلى كثيرين من القناصين فيقتنصونهم من على كل جبل ومن كل أكمة ومن وراء الأحجار" (آرمياء: 16-16).

 

ولقد أشارت سورة الإسراء إلى الإفساد الثاني لهم بأنه سيكون مسبوقًا بتجمُّعهم مرةً أخرى ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيْفًا﴾ (الإسراء: )، فهم بعد أن تجمَّعوا يقومون في العالم الآن بأكبر عملية إفساد في التاريخ بالدعوة إلى قيم غير قيم الإله ونشر الانحراف والفجور ومساندة الملحدين والوثنيين ضد ربهم الذي أخرجهم وأنقذهم من نِير فرعون مصر، فيا له من إفساد!! فبئس القوم هم!! وبئس الصنيع صنيعهم!! وشر البضاعة بضاعتهم!! لذلك وضَّح لهم ربهم فى الإصحاح بعد أن عرفهم نهايتهم: "لأن عيني على كل طرقهم لم تستتر عن وجهي ولم يختفِ إثمهم من أمام عيني" (آرمياء: 16-17).

 

فأبشر يا عياش أنت والمجاهد ساهر- نحسبهما على خير ولا نزكي على الله أحدًا-: لقد كتبتما التاريخ الحقيقي في العصر الحديث، ليس تاريخ الدجل والتزوير، ليس تاريخ المستسلمين والمنهزمين، بل تاريخ البطولة المغموسة بروح التضحية، ورسمتما الطريق لأجيال قادمة تتسابق فيه على ريح الجنة وبزوغ الفجر القادم للجميع. 

-----------

[email protected]