بقلم: م. خالد حفظي

أبو الفتوح عفيفي.. اسم قد يكون غير معلومٍ لكثيرٍ من الناس، وقد يكون كثيرٌ ممن تابعوا نبأ اعتقاله أخيرًا مع رهطٍ من إخوانه الشرفاء.. أقول قد يكونون قرءوا اسمه لأول مرة فهم لا يعرفون مَن هو أبو الفتوح عفيفي، لكني أحسبه كتب اسمَهُ بأحرفٍ من النور في سجل الشرف والعزة.. هناك؛ حيث الأنبياء والصديقون والشهداء وحسن أولئك رفيقًا.. أحسبه كذلك ولا أزكيه على الله.. ولئن كان سلفنا الصالح قد قالوا: إن أولياء الله هم الذين إذا رأيتهم ذكرت الله... فإني أُشهد الله عز وجل أن هذا الرجل من هؤلاء، فأنا كلما رأيته ذكرت الله.. وهو- بحق- من أهل القرآن الذين ورد فيهم عن أنس رضي الله عنه: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إن لله تعالى أهلين من الناس.. قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال: هم أهل القران أهل الله وخاصته" (صحيح الجامع).. ما أكرمها من منزلةٍ وما أعظمها من مكانةٍ، وهذه شهادة ألقى الله عز وجل بها وهو وحده العليم بصدقها.. فشهادة مثلي هو في غير حاجةٍ إليها، فصفحات جهاده وسيرته المباركة تُغنيه عن شهادة أمثالي، أما مَن في أمس الحاجة إليها فهو أنا.. عسى أن أكون من المستجيبين لأمر الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾  (الطلاق: من الآية 2)، وصدق الله إذ يقول عن هؤلاء: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64)﴾ (يونس: 62-64).

 

أبو الفتوح عفيفي، رجل وهب حياته راضيًا مرضيًا لدعوته، باع حياته لربه فداءً لهذه الدعوة، لم يبدل ولم ينكص على عقبيه، وأحسب أنه كان على الدوام حيث أمر الله.. مفتَقَدًا حيث نهى الله، وظل صابرًا محتسبًا ما لاقاه عند الله في سبيل هذه الدعوة.

 

في العام 1947م، لبَّى نداء الجهاد في فلسطين وكان في التاسعة عشرة من عمره آنذاك، وبكى بكاءً شديدًا لما علم أنه لن يلتحق بكتائب المجاهدين لرسوبه في الكشف الطبي، ولأن روحه وثَّابة تتوق للشهادة لم ييأس وألحَّ في الطلب على الإمام الشهيد حسن البنا حتى سمح له بالخروج، وذهب المجاهد العظيم إلى فلسطين، وشارك في الحرب وكان أصغر قائد لكتيبة مجاهدة في فلسطين، وأذاق اليهود فيها ويلات وويلات، وما زالت أرض العريش الصامدة تشهد ببطولته وبسالته في الذود عنها هو وإخوانه؛ وذلك حين انسحب الجيش النظامي أمام اليهود وثبت هو وإخوانه ورفعوا المصاحف والبنادق، وعاهدوا الله على عدم الانسحاب، وحدثت المعجزة الربانية وقذف الله الرعب في قلوب يهود، وانسحبوا من العريش يجرون أذيال الهزيمة والخيبة، ولولا بسالة أبو الفتوح عفيفي وإخوانه- كان عددهم خمسةً وثلاثينَ مجاهدًا- لاجتاح اليهود العريش وقتها، وما معركة العريش إلا واحدةً كعشرات البطولات التي صاغها أبو الفتوح وإخوانه المجاهدون الصابرون في فلسطين الحبيبة، ولا عجب أن يوقن اليهود بعدها أن لا مقام لهم ولا قرار في فلسطين.. طالما كان على الأرض إخوان مسلمون.

 

وكالعادة.. عادة الحكومات المصرية في التعامل مع الأحرار الشرفاء من أبناء مصر.. صدرت أوامر السلطات المصرية عام 1948م، باعتقال كلِّ من حارب في فلسطين من الإخوان المسلمين، وانتقل الإخوان إلى مرحلة الاعتقال والزج في السجون بدلاً من تكريمهم على ما كان منهم من بذلٍ وعطاء، واعتقل نظام الملك فاروق مجاهدنا العظيم بعد عودته من الميدان، وبعد فاروق جاءت سجون عبد الناصر ليقضي المجاهد سنوات شبابه فيها، حيث قضى ما يزيد على العشرين عامًا في السجن ليخرج بعدها في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، خرج من السجن ثابتًا كالجبل.. شامخًا كالطود.. خرج ليواصل المسيرة.. مسيرة العطاء والبناء ويكمل رسالته التي وهب حياته لها.. ينشر نور دعوته بين الناس فكان خير سفيرٍ لهذه الدعوة إلى قلوب الناس أجمعين.. ببساطته وعبقريته وأدبه وحسن خلقه، وأحسب أنه من الذين كتب لهم القبول في الأرض، وقد بدا ذلك واضحًا حين طلب إليه إخوانه ومحبوه أن يتقدم للانتخابات التشريعية عام 1987م، عن دائرة قويسنا بمحافظة المنوفية ليكون بعدها نائبًا عن الدائرة، وضرب مثالاً في تلك الفترة لنائب الشعب الذي يحمل هموم الناس ويقوم على خدمة الجميع.