ماذا بقي من ثورة يوليو في مصر من سؤالٍ لم يسأله الفرنسيون أو الأمريكيون يومًا رغم مضي قرون على ثورتهم، فالثورة الأمريكية كانت حربًا على المستعمر البريطاني، بينما كانت الثورة الفرنسية عملاً عنيفًا شعبيًّا ضد الطبقية والتمييز والظلم؛ ولذلك رسخت الثورة مبادئ الحرية والإخاء والمساواة لكي تمحو الآثار البغيضة لحالة فرنسا قبل الثورة.

 

فهل ظلَّت الثورتان متمسكتين بهذه المبادئ النبيلة, أم حدث تحول وذبول في جذوة هذه المبادئ.

 

في ضوء هذا التساؤل؟ ولعله من المفيد أن نبحث في نقطتين في صدد الحديث عن الثورة المصرية، وهي تكمل عامها الخامس والخمسين، النقطة الأولى تتعلق بما حققته الثورة من مجمل أهدافها الستة، والنقطة الثانية هي إذا كانت مصر قد تدهورت أحوالها في كثير من  القطاعات ويعزي البعض ذلك لهذه الثورة، فهل يبرر ذلك تقييم الثورة على أي نحو أم  أن الثورة نفسها قد انتهت بانتهاء الثوار؟ وهل تبرر الثورة على النظام الملكي والإقطاعي أن تحكم مصر إلى الأبد برجال الثورة أو كل مَن له صلة من قريبٍ أو بعيدٍ بهذه الثورة؟ لقد ألغت الثورة الإقطاع الزراعي، ولكنها أحلت محله الإقطاع السياسي وأزالت الاحتلال الأجنبي ولكنها قرصت الاحتلال الوطني.

 

الموضوع طويل والقضية متشابكة، ولكننا يمكن أن نحدد بعض الحقائق المفيدة في الرد على هذه التساؤلات.

 

الحقيقة الأولى: هي أن الثورات الكبرى أحداث اجتماعية ضخمة لها آثارها في الداخل والخارج, وهذا الحادث في مصر الذي رآه البعض ثورة ورآه غيرهم انقلابًا عسكريًّا وغصبًا للسلطة بالقوة، سيظل جزءًا أساسيًّا في تاريخ مصر.. صحيح أن الأحداث اللاحقة تجعل من الممكن تقييم الثورة كحدث, والثورة كأثر، فيرى البعض أن مصر لم تكن بحاجةٍ إلى هذه الهزة لأن  الأحداث وتطورها الطبيعي كان سيؤدي بالضرورة إلى أوضاعٍ أفضل مما تعانيه مصر الآن، بل يرى البعض أن الثورة هي انقطاعٌ سياسي واجتماعي كامل عن السياق المصري التقليدي، وأن الثورة قضت على قيم المجتمع وملامحه الحضارية, وأن التدهور في جميع المجالات, بما في ذلك نوعية الأخلاق والأداء والجدية وضياع القيم الإيجابية, هو أخطر ما أسفرت عنه الثورة.

 

بينما يرى آخرون أن الثورة أساسية في نقل المجتمع المصري من حالةٍ إلى حالة كان يمكن أن يتطور فيها لولا فساد الحكم وتدهور أوضاع مصر ومكانتها الإقليمية، فالثورة في ذاتها لا ذنبَ لها فيما حدث، وأن حالة الجمود والانهيار التي تشهدها مصر لها أسباب منفصلة.

 

الحقيقة الثانية: هي أن الثورة لم تحقق أهدافها الستة، فالهدف الأول وهو القضاء على الاحتكار وسيطرت رأس المال على الحكم شهد العكس تمامًا، فقد استفحل الاحتكار وسيطرت رأس المال الوطني على مقاليد الحكم.. أما الهدف الثاني فهو القضاء على الاستعمار بجميع صورة وأشكاله ويقصد بذالك التخلص من الاحتلال البريطاني، ويرتبط بهذا  الهدف, الهدف الثاني وهو القضاء على التحالف بين الاستعمار والقصر، ونحن نعتقد أنه إذا كان يقصد بالهدفين تحقيق الاستقلال، فالمعلوم أن التمسك بالسلطة أخطر في أثره من وجود الاستعمار, خاصةً إذا اقترن به تزوير إرادة الناخب وإغفال إرادة الشعب, يمثل أخطر التطورات في هذا الشأن.

 

والهدف الرابع هو إقامة حياة ديمقراطية سليمة، وهو هدف لم يتحقق قطعًا؛ فالحياة الديقراطية في مصر تعاني من الكثير من التحديات, فلا يمكن أن ينشأ نظامٌ ديمقراطي على أساس الحزب الواحد الذي يستخدم كل صلاحيات الدولة, بينما التعدد الحزبي لا يزال مسألة شكلية.

 

وكان الهدف الخامس هو إقامة عدالة اجتماعية، ولكني لا أظن أن مصر قد حققت شيئًا من ذلك، بل على العكس هو الصحيح حيث صار المجتمع أسوأ مما كان عليه قبل الثورة، إذ تكرس العلاقة بين الثورة والسلطة، وتضافر الفساد مع الاستبداد، والجديد في الأمر هو التحالف بين النخبة الحاكمة والولايات المتحدة مما حصَّن الاستبداد والفساد وجعل فكرة استقلال القرار نكتة ثقيلة.

 

وأخيرًا، فإن الجيش الوطني القوي قد تمَّ إنشاؤه ولكن الأوضاع التي أشرنا إليها في نمط الحكم دفع مصر إلى الانكماش التاريخي, وإلى دخول الجيش فى معارك غير عادلةٍ بالنسبه لهم.

 

وخلاصة القول إن مبادئ الثورة التي سطَّرها رجال الثورة, ولم تكن برنامج عمل, كما اعترفوا هم بذلك، لا تزال أملاً ينتظر التحقيق، وهي مبادئ نبيلة يجب على الشعب المصري أن يسعى إلى تحقيقها مهما طال الزمن، ولكن ذلك يتطلب معجزة لفك الاشتباك بين علاقة الداخل بالخارج, واستمرار حالة الاستعصاء السياسي التي جعلت الإصلاح كلمة فارغة بعد طول مضغها وتوظيفها.

 

وإذا شئنا الدقة، فإنه يمكن القول بأن مصر بحاجةٍ إلى ثورةٍ جديدة بعد أن هزمت مبادئ الثورة الأولى، ولكنها ثورة سلمية عن غير طريق الجيش، ثورة حضارية تنتصر لمصر ضد كل ما يقيدها في الداخل والخارج حتى تكون قامتها شامخة كما عبر عنها حافظ ابراهيم في ملحمته الرائعة "مصر تتحدث عن نفسها"

إنني حرة كسرت قيودي     رغم رقبي العدا وقطعت قدي

 

الحقيقة الثالثة: هي أنه وإن كان الفصل صعبًا بين مبادئ الثورة وأحداثها ونظمها السياسية المتعاقبة في مصر، إلا أن هذه القاعدة التي تقضي بضرورة الفصل هي التي تنطبق أيضًا على الثورات الكبرى، غير أن احتفال الآخرين بثوراتهم كل عام، رغم تغير الحكام والنظم، لم يغير لديهم مبادئ هذه الثورات التي تجسدت في نظم لصالح شعوبهم، وبذلك يكون الاحتفال ذا دلالة وطنية وهي إعادة التأكيد على الالتزام بمبادئ الثورة، فضلاً عن الدلالة الإنسانية لهذا الاحتفال وهي أن مبادئ الثورة أصبحت جزءًا من التاريخ السياسي للإنسانية.

 

لعل هذه الحقائق الثلاث تفيد في مصر في تحديد مغزى الاحتفال، أو وقف الاحتفال بالثورة في مصر.

 

ولكن لماذا يطرح السؤال اليوم بهذا الإلحاح، وقد كان يطرح على الاستحياء خلال السنوات القليلة الماضية، نعتقد أن هناك مراجعةً واسعةً في مصر، فالحكم في مصر يصر على أن البلاد في أحسن حال، وأن ظهور بعض المشاكل لا يجب أن يدفع إلى المبالغة والنقد لكل شيء, ويرى أن الثورة قد حققت أهدفها بالكامل وأنها أصبحت رمزًا لنضال الشعب المصري الذي عبَّر الجيش عنه بطليعته الثورية ضد الاقطاع والاحتلال والظلم الاجتماعي.

 

يرى فريق آخر أن الثورة وما جلبته من أوضاع هي المسئولة عن فقدان مصر لكل ما كانت تتمتع به في العصر الملكي، ويغيب على هذا الموقف أحيانًا الطابع المصلحي أو الإيدلوجي.
يرى فريق ثالث أن للثورة مزاياها ومكاسبها ولها أخطاؤها، ولكن الجميع يتفق على أهمية الاحتفال بالثورة، والغريب أن منتقدي الثورة يرون أن الاحتفال بها يبرز بشكلٍ أكبر أن المقارنة بين مصر الثورة ومصر قبل الثورة.

 

هناك فريقٌ رابعٌ يرى أن العيبَ ليس في الثورة وإنما في التحديات الكبرى التي حاولت القضاء على هذه الثورة, كما حاول هذا الفريق أن يفصل بين الثورة المباركة وبين الثوار الذين لم يفلحوا في المحافظة على هذه الثورة، ولكن ماذا يضير كل هؤلاء في أن يكون الاحتفال بالثورة هو العيد الوطني لمصر.

 

على أية حال فإن الجدل حول هذه القضية سوف يزداد اتساعًا عامًا بعد عام خاصة كلما عجزت الإدارة عن تلبية طموحات المجتمع في الداخل والخارج، وأخيرًا يجب أن نشير إلى أن تقييم الثورة المصرية والاحتفال أو عدم الاحتفال بها قد أصبح مدخلاً لتصنيف مواقف الناس من الحكم ما دام الحكم مصرًّا على إحياء ذكرى الثورة في كل عام رغم التباعد الهائل بين كل ما كانت تحمله الثورة من آمال مقابل ما تعاني مصر منه الآن من إحباطات.