أصبحت وسائل الاتصال الحديثة تحمل إلينا كلَّ الأخبار سيئها وحسنها، ما يحزننا منها وما يفرحنا (وهو قليل).

 

فقد حملت رسالة نصية قصيرة (sms) من الكويت نبأ رحيل العالم الرباني والمحدِّث والمربِّي فضيلة الشيخ الدكتور السيد نوح.

 

عرفت الأخ الحبيب منذ أكثر من ثلاثين سنةً في شقة متواضعة للشيخ أحمد زكي، الذي عمل مديرًا سابقًا لمكتب المرحوم الإمام محمد الغزالي بحيٍّ متواضعٍ عشوائيٍّ، هو بولاق الدكرور (ضاحية من ضواحي الجيزة)، وكان يعدُّ وقتها لرسالته للدكتوراه أو الماجستير (لا أذكر).

 

وكانت آخر مرة لقيتُه فيها عندما زرتُه في مستشفى (دار الفؤاد) بمدينة 6 أكتوبر بالجيزة مريضًا، ينتظر قرار السفر إلى الصين لإجراء جراحة عاجلة لزرع كبد، بعد أن تهرَّأ كبده؛ بسبب ما أصاب أكثر من ثلث الشعب المصري من داء الكبد الذي تكالبت عليه البلهارسيا والفيروسات الكبدية بكل أنواعها والمياه الملوثة التي تحمل السمومَ التي ينوءُ الكبد بتنقيته الدم منها والأغذية المسرطنة التي تتسرب إلى أسواقنا رغمًا عنا.

 

كان صابرًا محتسبًا راضيًا قانعًا بقضاء الله تعالى، لا يفتر لسانه عن ذكر الله تعالى، عينه تفيض بالحب والود لكل مَن يلقاه، خاصةً هؤلاء الأحباب الذين فرَّقت بينه وبينهم الديار، فقد تغرَّب في الإمارات العربية المتحدة ثم في الكويت لسنوات طالت جدًّا، وعندما كنت ألقاه في أثناء تلك الغربة وأحثُّه على العودة إلى مصر كان يبتسم ولا يردُّ، حتى عرفت أنه ينوء بأعباء كثيرة تستلزم بقاءَه بالخارج، وأنه لم يقصِّر أبدًا في خدمة دين الله تعالى، عالمًا ومحدثًا ومفسِّرًا ومربيًا وواعظًا وخطيبًا مفوَّهًا.

 

كنت ألقاه أسبوعيًّا على صفحات المجتمع، ذلك المنبر الإسلامي الذي يجمع المحبِّين لدين الله والعاملين لدعوته والقائمين على نصرة قضايا المسلمين في العالم أجمع..

 

تخصص في الدروس التربوية، فكتب سلسلة (آفات على الطريق)، بفهم العالم الرباني، والمحقق والمحدث، والخبير النفسي بخفايا القلوب، كما كتب غيرها من البحوث والدراسات.

 

عندما سافر إلى الصين منذ شهور لإجراء الجراحة كانت قلوب محبيه وعارفي فضله وإخوانه تحيط به، بدعائهم الصاعد إلى السماء أن يكلِّل الله العملية بالنجاح، وأن يمنَّ عليه بالشفاء، وأن يعود كما كان، فارسَ حلبة الدعوة إلى الله، وقد استجاب الله دعاء بعض المخلصين، فعاد سالمًا معافًى، وكتَب في المجتمع قصتَه مع المرض والعلاج والجراحة والشفاء، فكانت قصتُه تصلح لأن تجسِّد في الأذهان الصبر والرضا والشكر.

 

كان الشيح السيد نوح ابن المحلة الكبرى من دلتا مصر- الفلاح الذي درس بالأزهر الشريف- مثالاً للعالم الرباني المتواضع في غير ذلّة، العفيف في غير غنى، الفقير إلى الله وحده، القويّ في الحق، الناصع الحجة عند الجدل، القدوة في التربية والسلوك الفصيح عند الخطابة، المنتصر عند المحجة، وعوضنا الله عنه خيرًا.

 

قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالمًا اتخذ الناس روؤسًا جهالاً فَسئلوا فأفتَوا بغير علم، فضلُّوا وأَضلوا" أخرجه البخاري في صحيحه من غير موضع، ومسلم والنسائي والترمذي والإمام أحمد ابن حنبل وابن ماجة عن عبد الله بن عمرو بن العاص.

 

وفي رواية أخرى مفسرة: "إن الله لا ينتزع العلم من الناس أن يعطيهم إياه، ولكن يذهب بالعلماء، كلما ذهب عالم ذهب بما معه من العلم حتى يبقى من لا يعلم، فيضلوا ويضلوا".

 

وقال الحسن البصري رضي الله عنه: "موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدُّها شيء ما طرد الليل والنهار".

 

أسأل الله أن يبقَى ذِكْرُ أخي الحبيب الشيخ السيد نوح ببقاء تلاميذه الذين أخذوا عنه، وأن يُجري الله عليه أجرَه في قبره بقدر ما يتم الانتفاع بعلمه؛ فإنه إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به، وولد صالح يدعو له، وصدقة جارية، أو كما جاء في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

 

رحمك الله يا أخانا الحبيب.. يا أبا محمد.. رحمةً واسعةً، وأفسح لك في قبرِك، وجعله روضةً من رياض الجنة، وأسأله أن يريَك مقعدَك من الجنة، وأن يروِّحَ عنك.. عشتَ غريبًا ومتَّ غريبًا، فطوبى للغرباء.

 

ورحل شاعر الأقصى ولسان الحق الثائر يوسف العظم

وكأن الأحزان تأبَى أن تفارقنا، فما انتهيت من كتابة رثاء الحبيب الشيخ السيد نوح إلا وقد فاجأني نبأ رحيل أستاذنا الجليل شاعر الأقصى الأستاذ يوسف العظم.. أبي ساجدة.. فارس البرلمان الأردني.

 

عرفناه مع مطلع تعرُّفنا على دعوة الإخوان المسلمين في بداية السبعينيات من القرن الماضي، شاعرًا مفوَّهًا، وخطيبًا حماسيًّا وأديبًا بليغًا..

عرفناه من كتاباته وفضحه للمنهزمين من أمتنا..

عرفناه مربيًا فاضلاً ورائدًا في مجال التعليم والتربية..

لم ألقَه من زمن بعيد، ولكن في المرات القليلة التي لقيته كان يمتلئ حماسًا، ويزداد تألقًا، وينضر شبابًا..

عرفه المرض مدةً طويلةً، فصبر واحتسب، وحان وقت الرحيل فودَّعَنا وانصرف.

رحمه الله رحمةً واسعةً، وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين ودعوة الإخوان خيرَ الجزاء.

عزاؤنا لآله وإخوانه وللإخوان المسلمين في الأردن بل في العالم أجمع.