أوصى فقيد الأمة العالم الجليل الشيخ الدكتور السيد محمد نوح إخوانَه وأبناءَه من الدعاة بوصية غالية، وهي آخر وصاياه التي أوصاهم بها، سجَّلتُها معه، ورأيت من الخير أن أُفرغَها وأنشرَها؛ وفاءً لهذا الرجل العظيم، وتأديةً للرسالة والأمانة، ولما فيها من صدقٍ وإخلاصٍ وخيرٍ للدعاة وللأمة، خرَّجتُ ما فيها من آياتٍ وأحاديث، ووضعت لها عناوين جانبية للتيسير والتوضيح، وهذا نصّ الوصية:

 

"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا سيد الأنبياء وإمام المتقين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على محمد النبي الأمي وعلى آله وأصحابه، والسالكين سبيله، والداعين بدعوته إلى يوم الدين وبعد.

 

شرف المكانة والرسالة

فأحييكم أيها الإخوة الدعاة بتحية الإسلام.. تحيةً من عند الله مباركةً طيبةً.. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأقول لنفسي ولكم: لنحمد الله- عز وجل- على الشرف الذي حبانا الله عز وجل به، وعلى هذه المكانة والمنزلة التي رفعنا الله عز وجل إليها، فحسبنا أن الله عز وجل جعلنا شهداء له بالوحدانية والكمالات، وذلك بعد شهادته هو وشهادة الملائكة، فقال: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران: 18)، وحسبنا أن الله عز وجل خصَّنا بأننا نخشاه أكثر من غيرنا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: من الآية 28)، وحسبنا: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: من الآية 11)، وليس ذلك عن مجاملة، وإنما لأننا نؤدي واجب الأمانة الذي ألقاه الله- عز وجل- علينا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ (آل عمران: من الآية 128)، وتوعَّد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ* إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: 159-160).

 

الأقصى أمانة

والأقصى أمانة في عنق الأمة منذ أُسْرِيَ بالنبي- صلى الله عليه وسلم- وعُرج به إلى السماوات، رسالةٌ تحمَّلناها وما زلْنا نتحمَّلها، والتفريط أو التقصير فيها سيفتح علينا أبوابًا من الشرِّ لا تنتهي، هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فسيسألنا ربُّ العزة سبحانه عن العلم الذي تعلَّمنَاه، وعن واجبنا نحو هذا الأقصى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الحجر: 92-93) "لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسألَ عن أربع خصال: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه" (رواه الطبراني بسند صحيح كما في مجمع الزوائد- 18373).

 

وصايا عملية لنصرة الأقصى
 
 الصورة غير متاحة

وأرجو من حضراتكم أن تضعوا في حسابكم هذا الذي أذكِّركم به، أنتم تعرفونه ولكني أذكِّركم به:

أولاً: أذكِّركم بواجب بيان قيمة الأقصى، ومكانة هذا الأقصى في نفوس الأمة، وواجب الأمة نحوه، ولا تبالِغوا إذا أدَّيتم محاضرةً واثنتين وثلاثًا.. خطبةً واثنتين وثلاثًا.. درسًا واثنين وثلاثةً، المهم لا بد من الإلحاح على هذه القضية حتى يعلم الناس قيمة الأقصى.

 

ثانيًا: أن تبيِّنوا للناس الخطرَ الداهمَ الذي يترتب على ضياع الأقصى وضياع فلسطين، سيُفتح الشرّ، وتصبح بلاد المسلمين وأموال المسلمين ونفوس المسلمين وأعراضهم مستباحة، أمام هذا العدو الغاشم الذي لا يرحم أحدًا، فلا بد أن يدرك المسلمون الخطر، وما لم يدركوا الخطر لن يتحركوا ولن يقوموا بواجبهم.

 

ثالثًا: لا بد من خطاب الحكام؛ فإنهم مسئولون مسئوليةً كاملةً عن أنفسهم وعن غيرهم من أبناء هذه الأمة وعن هذه البقعة المقدَّسة مسئوليةً كبيرةً يوم القيامة، فليبادروا بهذه المسئولية، ولنذكِّرهم أنهم مهما جاملوا ومهما حابَوا هؤلاء على حساب دينهم فإنهم في النهاية نِعالٌ في أقدامهم، إن لم يرجعوا إلى الله عز وجل، وإن لم يبذلوا لحماية هذا المكان المبارك المقدس.

 

رابعًا: على إخواننا أن يقولوا للشعوب الإسلامية: ليظهر غضبكم الآن، وإذا لم يظهر الآن فمتى يظهر؟! التظاهر حقٌّ مشروع لكل شعوب الأرض، فلا بد أن تتظاهر الأمة الإسلامية، وليس تظاهرًا عن عاطفة فينقطع بعد يوم أو يومين، وإنما تظاهرٌ مبناه الحجةُ والدليلُ والبرهان، ونظل هكذا معتصمين، وتتعطَّل كل مصالح الأمة؛ حتى يُفيق حكامُها، وحتى يُفيق النائمون والكسالى والغافلون من أبناء هذه الأمة، ويؤدوا دورهم وواجبهم، ووالله لو استمرَّ التظاهر والاعتصام فإن العدوَّ لا يسَعُه إلا أن يغيِّر من موقفه، فإن هذا العدو لا يمكن أبدًا أن يُواجَه إلا بالقوة، وهذه أعظم وسائل القوة، أعظم من الصواريخ، وأعظم من النابالم، وأعظم من القنابل الذرية، فالأمة لا بد أن تقف؛ لأن هؤلاء سيعلمون مع من يصادقون، ومع مَن يتعاملون إذا الأمة غضبت وألجمت حكَّامها والقائمين عليها.

 

خامسًا: كذلك الحال لا بد أن نذكِّر هذه الأمة بواجبها المالي نحو ترميم هذا المكان، ونحو الإنفاق على القائمين على حمايته، فهناك أناسٌ ينامون ويقومون، ولا هَمَّ لهم إلا أن يحموا الأقصى بأجسادهم وأرواحهم.. مصالحهم معطلة.. لا يدرون شيئًا عن أولادهم ولا عن أسرهم، والكل متحمِّل، والكل مُضَحٍّ، فهم بحاجة إلى المال؛ فنذكِّر بواجب الأمة نحو المساعدات المالية، وليست مساعداتٍ، وإنما هي الفرض المالي أو السهم المالي؛ فإن كل مسلم مطالَبٌ أن يدافع عن دين الله بشيئين: بنفسه، وماله، فإن عجز أن يمشي بنفسه فليكن ماله، وليدفع بدلاً عن فداء نفسه مالاً ثانيًا، فكأن عليه سهمَين: سهمًا ماليًّا أصليًّا، وسهمًا ماليًّا بدلاً عن فداء نفسه.

 

سادسًا: كذلك عليهم أن يذكِّروا المسلمين بالدعاء، فيتخذوا ليلةً من كل أسبوع، ويجلسوا ويدعوا ربهم- سبحانه وتعالى- الصغار والكبار والأصحَّاء والمرضى والشيوخ والعجَزة.. كل أولئك يجتمعون بعد صيام وبعد إفطار مع بعض أو نحو ذلك، ويصلُّون ويدعون ربهم أن يفرِّج كرْبَ الأمة، وأن ينال من هذا العدو الغاشم الذي ظنَّ أنه ملكَ الأرض ومَن عليها، ونسي قوةَ الله عز وجل، والله عز وجل قال: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى﴾ (النجم: 50) وهذا يعني أن هناك عادًا الثانية والثالثة والرابعة، وهو على كل شيء قدير.. ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت: 15).

 

أسأل الله- عز وجل- أن ينفعكم أيها الإخوة الفضلاء بهذه الكلمات، وأن يتقبَّل منا أعمالنا، وأن يتجاوزَ عن زلاَّتنا، وأن يعفوَ عنا.

 

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلَّى الله تعالى على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين، وجزاكم الله خير الجزاء".