كثيرًا ما يَبتلي اللهُ عزَّ وجل الإنسانَ بعدة ابتلاءات، وخاصةً المؤمن التقيّ القويّ؛ وذلك لعدة أسباب تعلمتُها من والدي رحمةُ الله عليه، وهي اختبار صبر المؤمن، ومدى تحمُّله للمصائب من ناحية، ولأخذ العِظة والعبر من ناحية أخرى.

 

ولعل من أشدِّ الابتلاءات التي ابتلانا بها الله- عزَّ وجلَّ- نحن أولادَ الشيخ السيد نوح رحمه الله هي وفاة هذا الرجل العالِم العامِل العلاَّمة الجليل، كيف لا وهو شيخ الإسلام وأمير الدعاة وناصر الفقراء والمساكين وحامل راية الإسلام وخطيب الأقصى؟!

 

لا أكاد أنسى قول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (آل عمران: من الآية 185) وهي الآية التي سمعتُها في لحظة وفاة والدي رحمه الله، وما زالت تتردَّد في أذني وذهني حتى الآن، فأنا عاجزٌ كلَّ العجْزِ أن أتكلَّم عن هذا الرجل الذي إن عشتُ عمري كلَّه أدعو له فلن أوفِّيَ جزءًا صغيرًا من فضله عليَّ.

 

كان- يرحمه الله- واسعَ الصدر، غزيرَ العلم، كثيرَ الدعاء، سريعَ البكاء لله عزَّ وجلَّ، حتى إني والله لم أكد أراه بعد عملية زراعة الكبد التي أجراها في الصين مؤخرًا إلا ورأيته يبكي، سواءٌ في المحاضرات أو الخطب أو المناسبات، أو حتى معنا؛ تضرعًا وخوفًا من الله تعالى، فنسأل الله سبحانه أن يكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله.

 

رأيت في والدي العزيز- يرحمه الله- الأب المثاليَّ الذي يتفنَّن في كيفية إسْعاد أولاده، وشخصيًّا لي مواقف عديدة معه، ولا أكاد أحصيها ولكن أبرزها رفقته في الحج، فكان والدي وحبيبي مرشدًا دينيًّا لحملة "مساعد العنزي"، وكنتُ أراه منذ اليوم الأول الحاجَّ المثاليَّ النَّشِط، الذي يسمع آراءَ الناس ويناقشُهم ويُفتي لهم كما أمر الله عز وجل، مستشهدًا بآية من كتاب الله أو حديثٍ للنبي- صلى الله عليه وسلم- حتى إنه كان يوقظُنا صباحًا من النوم أنا وأخي حتى نخرج من الغرفة ويبقى هو في استقبالِ الحجَّاج والإجابة عن تساؤلاتهم.

 

رأيته- رحمة الله عليه- حريصًا جدًّا عليَّ أنا وأخي، فكنا إذا ما دخلنا الحرم الشريف تراه يُمسك بقوة بأيدينا؛ حتى لا يصيبَنا أيُّ مكروه، فكان بالفعل أبًا حنونًا ومرشدًا حازمًا وعابدًا مخلصًا وإمامًا وَرِعًا، حتى إننا كنا ننام وكان يسهر ليصلي قيام الليل حتى طلوع الفجر، وحين ذهبنا إلى منى كنا متعَبين جدًّا، فقلنا له إنا متعبون، فيقول لا تعب مع الأجر والثواب.

 

كان نشِطًا للغاية، حتى إني أذكر أن طبيب الحملة قال له لا بد من الراحة يوم منى لحرارة الجوّ، فأبى أن يسمع له، وواصل في دعاء الناس إلى التسبيح والتهليل والتكبير والذكر حتى فجر يوم عرفة، وقد رأيت بعض الناس يأتون من شتَّى الحملات للاستماع لحديثه وخطبه.

 

رافقتُه في رحلة سياحية إلى تركيا مع أخي، قبل إجرائه عملية زراعة الكبد، فكان يقول: أنا أحاول أن أكون الأب والأم حتى لا تشعروا بالوحدة، لا سيما أن والدتي كانت في مصر آنذاك لضرورة ملحَّة، ويحاول أن يُرضيَنا بأيِّ حالٍ من الأحوال، ولا يتردَّد في ذلك أبدًا، حتى إني ذات يوم أغضبتُه فغضب مني، ثم رأيته والله يأتي ليلاً ويقبِّلني ويعطيني مبلغًا من المال!!

 

فيا لهذا الرجل الذي لم أرَ مثله في حياتي، أُغضبه فيقبِّلني!! ألا يحقُّ لنا نحن أولاده أن نحزن عليه ليلاً ونهارًا على فراقه؟! وكيف لا وهو الصدر الحنون الذي كنا نلجأ إليه بجانب أمي بارك الله لنا في عمرها، والتي كان يشبِّهها لنا بأنها إحدى عمادَي الخيمة التي لا غنى لأحدهما عن الآخر.

 

رافقته في الثانوية العامة؛ حيث كان والدي- رحمة الله عليه- أبًا حريصًا على مصلحة أولاده، فكان يطمئن يوميًّا على دروسي ولا أنسى أبدًا أنه قال لي ذات يوم: "فداك روحي".. يا الله..!! أترون أن هذا الرجل العظيم يقول لي أنا الإنسان البسيط الصغير جدًّا!! وأنا أقول له: "نحن فداك يا أبانا"، ولو عشت طوال حياتي خادمًا لترابك فلن أوفِّيَك حقَّك.

 

رافقتُه في المرض، فكنتُ أبيتُ معه- رحمةُ الله عليه- في بعض الليالي؛ حيث رأيتُه إنسانًا لم أرَه طوال حياتي، رأيته كثير الدعاء خاصةً "اللهم ثبتني على الإيمان وأمتني مسلمًا"، كان زاهدًا بكَّاءً، سريع الدمع، رقيق القلب، حتى إنه كان يطلب المصحف للقراءة فلا يستطيع حملَه، فأحملُه له، فيضرب يدي ويأبى أن يمسكه أحد غيره، وأقسم بالله العظيم إني ما رأيت مثل هذا الرجل الذي عاش حياته جلَّها من أجل دعوة الإسلام، لا من أجل زخارف الحياة وفتنتها.

 

رحم الله سيد الأخلاق وسيد الوسطية وسيد العظماء الشيخ الدكتور العلاَّمة السيد نوح، ونسأل الله أن يحشرَنا معه في الفردوس الأعلى مع الحبيب المصطفى- صلى الله عليه وسلم- وحزبه، ونقول لوالدي- يرحمه الله-: سيظل اسمك مرفوعًا يحمل راية الوسطية والاعتدال حتى آخر لحظة في حياتي، وهذا عهدٌ منِّي أمام الله، والله ولي التوفيق.

ابنك وحبيبك

يوسف السيد نوح