بين المظهر والجوهر

كانت الداعية زينب الغزالي تحب المرأة المسلمة أمًّا، وأختًا، وزوجةً وبنتًا.. كانت تَرْفق بها وتصبر على توجيهها، وترد على أسئلتها واستفساراتها.. كانت ترى أن المرأة ركن أساسي في انطلاق الصحوة الإسلامية، وأنَّ نهضة الأمة لا يمكن أن تتحقق بجناح واحد هو الرجل، وكانت ترى أنَّ وظيفة المرأة الأساسية هي الزوجية، والأمومة، ورعاية شئون الأسرة، وترفض أن تكون ترسًا في آلة العمل باسم المساواة بينها وبين أخيها الرجل، وترى أنَّ الحضارة الحديثة أضرَّت بالمرأة أكثر مما أفادتها، حين أغرتها بالخروج إلى العمل غير المناسب لطبيعتها فأتعبتها، وأفسدت الأسرة والمجتمع.

 

كانت تدعو إلى تقوية الإيمان في القلوب، وغرس معالم التوحيد في السلوك، وعندما كانت تلتقي بإحدى السيدات غير المحجبات من اللاتي انجرفن إلى تقليد الغرب، لم تكن تسألها عن أسباب عدم ارتدائها الحجاب الشرعي، بل كانت تسألها عن إقامتها للصلاة وقراءتها للقرآن، وانتظامها في صلاة الفجر.

 

كانت تنظر إلى الجوهر والقلب أولاً؛ لأنَّ صلاحهما هو صلاح للمظهر والجوارح ولو بعد حين.. جاءتها في إحدى المرات سيدة حاسرة الرأس، ومعها بناتها الثلاث، وكنَّ في سن الشباب والنضج، وقالت لها: "سأحضر دروسك أنا وبناتي، ولكن بشرطٍ عليك أن تعرفيه، وهو أننا لن نتحجب، ولن يرغمنا أحدٌ على ارتداء الحجاب"!.. فقالت لها الداعية الذكية.. "أهلاً بك وببناتك لسماع كلام الله ورسوله، وأما الحجابُ فهذا قرارك أولاً وأخيرًا"، ومرَّت فترةٌ من الزمنِ، ربما ستة أشهر، وجاءتها سيدة محجبة، وجلست بين يديها قائلة: "لقد ضحكت علينا، لم نتفق على هذا"!.. لم تتذكر الحاجة زينب اللقاء الأول، فقالت لها: "يا سيدتي أنا لم أرَك من قبل، ولم أتفق معك على شيء، ولم أضحك على أحدٍ، لماذا تقولين هذا الكلام؟!".. فقالت السيدة: "أنا حضرت لزيارتك قبل حوالي ستة أشهر، ومعي بناتي الثلاث، واشترطتُ عليك أن نحضر دروسك الدينية بشرط ألا نرتدي الحجاب، وها نحن الأربع قد ارتدينا الحجاب، بعد أن سبقني إليه بناتي، فهل تذكرتيني؟!".. قالت: "نعم، وقبلت كلامك ساعتها، على أمل أن يشرح الله صدرك وصدر بناتك للحجاب، وقد حدث، والحمد لله" فضحكت السيدة وشكرتها على جهدها وأسلوبها في الدعوة إلى الله وانصرفت.

 

كانت تحب معالي الأمور، وتكره سفاسفها، وتتطلع إلى المرأة المسلمة الواعية التي تفكر في هموم الأمة وقضايا الوطن، وحين كانت تجلس لتلقي درسًا نسائيًّا، كانت تتحدث عن الأمة الإسلامية، وضرورة النهوض بها، وضرورة الخروج من هذا الواقع المؤلم، وعن دور المرأة المسلمة في ذلك، بداية من تعميق رؤيتها لقضايا الأمة، وتفاعلها معها، وانتهاءً بتربية أبنائها على هذه الرؤية، وتأهيلهم لخدمة دينهم وأمتهم.. كانت تكره أن تنشغل المرأة المسلمة بالأمور الهامشية والجدلية، وتتألم عندما تكثر الأسئلة عن حكم الاكتحال أو ترقيق الحواجب أو طلاء الأظافر وغيرها من أسئلة ينشغل بها البعض..

 

وفي أثناء زيارتها للجزائر، دعيت لإلقاء محاضرةٍ عامةٍ، وقالوا لها: "إن المحاضرة ستكون على شرف رئيسة الاتحاد النسائي في الجزائر، وهي سيدة علمانية غير متدينة، وبالطبع لا ترتدي الحجاب الشرعي، قالوا لها ذلك خوفًا من رد فعلها السلبي، لكن الداعية الكبيرة اهتمت برئيسة الاتحاد النسائي، ولاطفتها في الحديث، وتبادلتا الكلام والتعليقات، حتى تأثرت رئيسة الاتحاد، بل إنها وضعت "إيشارب" على رأسها احترامًا للداعية زينب الغزالي، ودهش الحاضرون، كيف استطاعت الحاجة زينب أن تؤثر فيها هكذا وبهذه السرعة؟!..

 

ومع انشغالها في العمل الدعوي، كانت كثيرة الصلاة والصيام، ولا يمر يومٌ إلا وتقرأ وردها اليومي- أكثر من ثلاثة أجزاء، ترتفع إلى عشرة في شهر رمضان من كل عام- وتتضرع إلى الله بالدعاء، كأنَّها تحملُ ذنوب الدنيا كلها، وتبكي من شدة التأثر وهي واقفة بين يدي الله، وكانت تقول: "إن الداعية الذي يبحث عن القبول بين الناس، عليه أن يبحث عن القبول من الله أولاً، وأن يكون له علاقة خاصة بينه وبين ربه، فالأمر ليس بكثرة العلم أو بجمال التعبير أو بقوة الفصاحة، ولكنه بالقبول من الله سبحانه وتعالى.. كانت على يقين من انتشار الصحوة الإسلامية في مجال المرأة، وفي قدرتها على النهوض بالأمة.. رحمها اللهُ رحمةً واسعةً.

------------

* [email protected]