صفات شخصية

عايشتُ الحاجة زينب الغزالي ما يزيد عن عشرين عامًا، وأشهد أنها كانت كلها لله, أحبته من أعماقها, وأحبت دينه ورسوله- صلى الله عليه وسلم- ما كان يشغلها عن هذا الحب شيءٌ مما يشغل الناس، وما عملت لدنيا قط, وما ارتاحت- حتى وهي في السبعينيات وأوائل الثمانينيات من عمرها- وهي تعلم أن دينها وأمتها في حاجة إلى جهدها وعطائها، وما استثقلت الأعباء الجسام، ولا أعطت الدنيَّة في دينها، بل خرجت من السجن بعد ست سنوات ذاقت فيها مرارة التعذيب والقهر, وهي أكثر قوةً وحماسةً، كانت شامخةً شموخَ الأبطال في كل مواقفها..

 

عندما تنفق تعطي عطاء من لا يخشى الفقر, المال عندها زائل, يقضي الله به الحاجات, فإذا أدَّى مهمته فلا وزن له بعد ذلك, ولا يأخذ حيِّزًا من تفكيرها أو اهتمامها.. كانت تجد متعتها في الإنفاق والبذل والعطاء, وكأني بها تتمثَّل حديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن السبعة الذين يظلهم الله في ظله, يوم لا ظل إلا ظله, وأحدهم ".. رجل تصدَّق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه".

 

لم تكن تأخذ أيَّ مقابل لجهدها في العمل الدعوي، فإذا كتبت مقالاً في صحيفة أو مجلة، وحُدِّدت لها مكافأة على نشر المقال كانت ترفض تسلمها, حتى أقنعتها بأن هذا حقّها، ويمكنها أن تنفقه فيما ترى من أوجه الخير، فقبلت على مضض، ولم يكن يبيت عندها هذا المال أبدًا، بل تنفقه كله في سبيل الله, وكانت تتساءل مستنكرةً: كيف آخذ مقابل ما وفقني الله فيه لخدمة دينه ودعوته؟!

 

وبالرغم من أنها اشتهرت بقوة الشخصية وصلابة الموقف والصمود في وجه الظلم, إلا أنها مع ذلك كانت شديدة الرفق, غزيرة الحنان, رقيقة المشاعر, تسيل دموعها أنهارًا, مع أي موقف إنساني مؤثر, تبكي بجوار صاحبة المشكلة، وتربت على كتفيها, وتحنو على اليتيم والمسكين وذي الحاجة.. كان هناك شاب من الإسكندرية يمر بظروف نفسية معينة, يأتي إليها في ذكرى ميلادها كل عام ليحتفل معها بعيد ميلادها، حاملاً في يده "تورتة"، مؤكدًا أنها "أمه" وأن "حسن البنا" أبوه! وقبل أن تعرف ظروفه, قالت له إنها لم تتزوج من الإمام الشهيد حسن البنا أبدًا, كما أنها لم تنجب أولادًا, وسرعان ما اكتشفت أن الشاب الوسيم، طالب الطب، من إحدى العائلات الكبيرة في الإسكندرية، وأنه يمر بظروف نفسية, فبدأت تحسن إليه وتكرم ضيافته, وتستقبله كل عام، داعيةً الله أن يُتمَّ شفاءَه, وكانت تطمئن عليه حتى يعود إلى مدينته.

 

 الصورة غير متاحة

 الحاجة زينب الغزالي

كانت زينب الغزالي شديدة التواضع, إذا دعت إلى طعام قامت بنفسها على خدمة الضيوف, ولا تترك أحدًا غيرها يقوم بهذه المهمة, وتسعد كثيرًا بضيوفها، وكانوا كثرةً من كل أنحاء الدنيا، من العرب وغير العرب، من المسلمين وغير المسلمين، وكانت تُجيد فنَّ التعامل الإنساني مع الإعلاميين الغربيين، وتكرمهم أكثر؛ لأنها كانت تعلم أنها سفيرة للإسلام، تحب أن تُظهره في أبهى صورة.

 

وقبل أن تجلس إلى مائدة الطعام كانت تسأل عن خدم البيت: السائق والشغالة والسفرجي والجنايني.. هل تناولوا الطعام أم لا؟ فإن تأخَّر قامت بنفسها لتقدمه لهم!

 

كانت مولعةً بحب القراءة, تقضي معظم نهارها وجزءًا من ليلها في المطالعة في مختلف فروع العلم الشرعي.. كانت تقرأ في التفسير والحديث والسيرة والفقه، مثلما كانت تقرأ في قضايا العمل الإسلامي المعاصر ومشكلات المسلمين، كما تقرأ في الأدب والسياسة والعلوم الإنسانية, وكانت تحرص على وجود الورق والقلم بجوارها دائمًا، فالدافع للكتابة يمكن أن يأتي في أي لحظة, وعندما زارت إسلام آباد زارت مسجد الملك فيصل (رحمه الله), ورأت الكثير من فخامته وروعته ومظاهر الأبَّهة فيه, لكن خاطرةً ألحَّت عليها فقالت: يوم كانت مساجدنا من جريد "النخل" حكمنا العالم!! أي يوم كنا نهتم بالجوهر قبل المظهر حكمنا العالم.

 

كانت صاحبة مظهر جذَّاب, ذوقها رفيع, وغرفتها طاهرة معطَّرة, جعلت منها مسجدًا صغيرًا, يخلع المرء حذاءه قبل أن يدخل لأمر ضروري, فيجد الغرفة وقد رُتِّبَت ترتيبًا بديعًا, ولا تستقبل فيها إلا صديقاتٍ معدوداتٍ، تفيض من كرمها عليهن بالدخول إلى غرفتها الخاصة.. رحمها الله رحمةً واسعةً.

----------

[email protected]