د. عبد الحميد الغزالي

 

عادةً أحتفظُ ببعض الصحف والمجلات؛ لأنها تحتوي على مقالةٍ أو تحقيقٍ يُعالج بعمق موضوعًا أهتمُّ به، أو يتضمن بيانات مفيدة يمكن استخدامها حول قضية تشغلني، أو يُشير بإيجازٍ أو غموض إلى نقطةٍ تستحق الشرح والتوضيح، أو يُقدِّم معلومات مغلوطة حول مسألةٍ أو كيانٍ أرتبط به، ومن ثَمَّ يتطلب الأمر الرد والتصحيح.

 

وبينما كنتُ أقلب في بعض هذه الصحف والمجلات وقعت عيناي على مقالةٍ من هذا النوع الأخير ومقالة شديدة الأهمية والخطورة، إذ تبرز معلومات ليست مغلوطة عن غير قصد، بل خاطئة ومتجنية تمامًا عن قصدٍ وإصرارٍ حول قضية محورية، بل مصيرية تشغل الآن، ولسنوات ماضية وقادمة، الرأي العام المحلي والخارجي، ألا وهي العلاقة بين الإخوان والنظام المصري، والمدهش حقًّا أنني لم أقرأ أي تعليقٍ أو رد فعل لما جاء في هذه المقالة بعامة أو رفض كاتبها الصريح لهذه المعلومات المريضة بخاصة من أي جهة أو قيادة من جهابذة أو قيادات الحزب الحاكم، ولقد دفعني إلى الكتابة في هذا الموضوع ما جاء خلال الأيام الماضية في صفحة مساحة رأي بجريدة "المصري اليوم" (الجمل، ونافعة، ورشوان، والشوبكي).

 

وقبل أن أدخل في تعليقي شديد الإيجاز على ما جاء في هذه المقالة، أود التأكيد بدايةً على حقيقة أن المنافسة الشريفة في أي مجالٍ تُمثِّل المحرك الأساسي نحو كفاءة الأداء في هذا المجال كما أشدد على حقيقة أن التنافسية في شتى المجالات هي العامل الحاسم للاستخدام الكفء لموارد وإمكانات المجتمع، ومن ثَمَّ في تقدمه، ويصدق ذلك على كلِّ المجالات، وبالذات المجال السياسي، فالمنافسة بين الأحزاب والقوى السياسية المختلفة في التجربة المصرية بالقطع سوف تصبُّ في عملية تحولٍ ديمقراطي حقيقي وتؤدي إلى نضجٍ ممكن ومأمول للحياة السياسية كمدخلٍ ضروري لإحداث التغيير المنشود لتحقيق حياة أفضل.

 

بعد هذه المسلمات ندخل في الموضوع فلقد طالعنا الأستاذ وائل الإبراشي رئيس تحرير "صوت الأمة" في جريدته الفتية (العدد: 322، الصادرة يوم الإثنين 5/2/2007م) بسبق صحفي خطير بكل المعايير؛ وذلك بنشر نص مذكرة سرية وزَّعها قادة الحزب الوطني على أعضائه في مؤتمر سري مغلق، عُقِد في شهر يناير من العام نفسه، واشتملت هذه المذكرة على ثماني رسائل حول فكر وسلوك جماعة الإخوان المسلمين من وجهة نظر الحزب الوطني، وتناولت هذه الرسائل سبع مسائل- أو بالأصح- اتهامات للجماعة، وهي استغلال الدين، وغياب البرنامج، وإنكار المواطنة، ونشر العنف، وإشاعة الاضطراب، وتفشي الفساد، وانتقاص المصرية!

 

وليسمح لي القارئ أن أردَّ بإيجازٍ شديدٍ على هذه الاتهامات المحضة والظالمة، والافتراءات الواضحة والفاضحة، بل الخطايا في حقِّ الوطن والمواطن، والإخوان المسلمون لا يقولون بدولة مدنية بل يؤمنون بها؛ لأن الإسلام لا يعرف الدولة الدينية؛ إذ يعلي قيمة العقل والتدبر والتفكير بمستوى تصغر أمامه تمامًا أي علمانية عرفتها البشرية تاريخيًّا وحاضرًا، أو ستعرفها مستقبلاً، ومن ثَم تنادي الجماعة بتطبيق شرع الله تعالى لضبط حركة حياتنا، وليس استغلال الدين لأغراض شخصية، والإخوان المسلمون لا يقولون بالمواطنة، بل يؤمنون بها؛ لأن الإسلامَ يشدد أنَّ لغير المسلمين في المعاملات ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين.

 

أما نشر العنف والاضطراب والفساد وعدم الانتماء، فكلها اتهامات لا أساسَ لها من أي صحة، لجماعةٍ عرفها الجميع بالاعتدال والوسطية والطهارة وحب الوطن، رغم الإجراءات القمعية والاعتقالات المستمرة لكوادرها وقاداتها والمحاكمات العسكرية، أما غياب البرنامج، فلقد قدَّمت الجماعة مبادرتها والتي تعالج- واقعيًّا وتشغيليًّا- علل ومشكلات الاقتصاد والمجتمع، وفصَّلت ذلك في برنامج، أرسلت فعلاً الإصدار الأول له إلى النخب ورجال الفكر والاختصاص لكي تسترشد بآرائهم وتعليقاتهم، ومن ثَمَّ تعد الإصدار النهائي للبرنامج، والبرنامج في إصداره الأول لا يمكن أن يُقارن مع التخبُّط والمسكّنات التي يشتمل عليها برنامج- أو بالأصح- لا برنامج النظام، والذي استفحلت وتوغلت في ظل تطبيق ما نعاني منه من مشكلات دستورية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية يعرفها تمامًا ويئنُّ تحت وطأتها الجميع!

 

وبعد، بهدوءٍ شديدٍ وموضوعيةٍ أشدّ، أودُّ أن أُشير في هذه السطور الأخيرة إلى نقطتين:

الأولى: حول بعض الملاحظات المهمة والعامة، والثانية، حول بعض الملاحظات الخاصة بتصريحات بعض قيادات الحزب الوطني في مجال هذه الاتهامات، ثم أختم بعد ذلك بإشارةٍ إلى المخرج من هذا المأزق الذي وضعَنا فيه النظام، وأصاب حياتنا بعامة وحياتنا السياسية بخاصة بهذه الحالة المزرية من الاحتقان والجمود والتخلّف.

 

بالنسبة للملاحظات العامة حول مذكرة الحزب الوطني أشدِّد على القول بأنها نموذج فريد على فساد التربية السياسية، تصغر أمامه بامتياز "ميكيافيلية" كتاب الأمير، فهي تتكون من انطباعاتٍ خاطئة بلا أي دليلٍ أو برهان أو حتى قرينة، وتصطدم مباشرةً مع المعلوم من الدين بالضرورة، وتتناقض بوضوحٍ مع المعلوم من السياسة بالضرورة، وتتنافى بشكلٍ قاطعٍ مع المعلوم من الوحدة الوطنية بالضرورة.. إنها وثيقة شيطانية لبثِّ الفتنة لا الخلاف، وصكّ شرِّير لزرع الشقاق بين أبناء الوطن الواحد، لا ترسيخ الوحدة الوطنية، وطريق واضحة فاضحة للإقصاء لا التنافس الشريف، وصراط منحرف لنشر الإثم والعدوان لا التعاون على البرِّ والتقوى، وسبيل معوجّ للاحتكار للحكم لا تداول السلطة، ودعوة صريحة لمزيدٍ من تخريب الذمم وفساد الحياة العامة لا الإصلاح والتغيير نحو حياةٍ طيبةٍ وكريمة.

 

ولقد جاءت التعديلات الدستورية الأخيرة- التي أسماها فقهاء الدستور بالخطيئة- تجسيدًا لكل ذلك، وكانت انتخابات الشورى الأخيرة وحملة الاعتقالات في صفوف الإخوان والمحاكمات العسكرية تطبيقًا أمينًا لها!

 

وجوهر الخلل في هذه المذكرة، والذي يكاد يكون مقصودًا لإرساء علمانية الديكتاتورية- إذا جاز التعبير- وإقصاء الدين تمامًا من الحياة العامة القول بأن الدين مقوّم رئيسي من مقوّمات المجتمع وحضارتنا وعقيدتنا، وحرصًا على مكانة الدين وسموّه لا يجب أن نُطبقه في حياتنا العامة وفي جانبها السياسي بخاصة، فالدين ثابت والسياسة متغيرة، ولا يصحُّ أبدًا خلط ما هو ثابت بما هو متغير!

 

ألم يعلم قادة التثقيف والإعلام في الحزب الوطني من الإسلام بالضرورة أن إسلامنا العظيم دين ونظام حياة شامل وكامل، وإذا كان المسلمون يشهدون بدين الله فلا بد أن يكونوا مؤمنين به وداعين إليه، وأن يُطبِّقوه على الحياةِ الفردية والاجتماعية تطبيقًا عمليًّا شاملاً، أما بدون ذلك- أي بتجميد للإسلام وحبس الدين في المسجد- فلا تتحقق الشهادة التي كلِّفوا هم بأدائها.

 

إن الشهادة باللسان بكون شيء حقًّا ثم العمل على إقصائه عن مجالات الحياة العملية عبث شديد الوضوح، فالحرص على التطبيق ثابت من ثوابت الإسلام، ولزوم سبق العمل أصل من أصوله، فلا بد أن يرى الناس ثمار الإسلام متمثلةً من واقعِ التطبيق في جوانب الحياة، حتى نخاطب بلسان الواقع العملي شعور الناس بدليلٍ مادي قائم على ضبط حركة الحياة، وكأنَّ لسان حال هذه المذكرة الغريبة العجيبة يقول: الدين ده فوق راسنا من فوق، ولذلك لا نطبقه على أرض الواقع!

 

أما محاولة تربية كوادر الحزب الوطني على خرافاتٍ تعشش في أذهان قادتهم حول الإخوان المسلمين، والتي لا يُرجى منها أي نفعٍ أو مصلحةٍ للحزب أو للوطن، من عيّنة استغلال الدين، وغموض أو غياب البرنامج، وإنكار المواطنة وتهديد الوحدة الوطنية، ونشر العنف فكرًا وسلوكًا، وإشاعة الاضطراب وتهديد الاستقرار وتفشي الفساد فهو ما نعانيه من آثار التخلف السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

 

ثم تأتي تصريحات الزميل الأستاذ الدكتور علي الدين هلال- أمين الإعلام بالحزب والقيادي بأمانة السياسات وأستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة- بأن ما يريدونه هو تعاون كل القوى لكي نحدث جميعًا الإصلاح والتغيير المأمول، وكحدّ أدنى أن تحكم العلاقة بين القوى المختلفة حالة من التنافس الشريف، يشدد أمين الإعلام على أن التوصيف هو صراع، وبينما يتمسَّك الإخوان بالحكمة والموعظة الحسنة، والوسطية والاعتدال، كقيمٍ إسلاميةٍ ضابطة للسلوك، يقرر أستاذ العلوم السياسية أن حقيقة المسألة هي ترويع وتخويف وكرّ وفرّ، وهو بالقطع محقٌّ تمامًا في طرف حكومة الحزب، ولكنه مخطئ تمامًا في طرف الإخوان!

 

ثم يتجنَّى تمامًا وبلا دليلٍ أو سندٍ أو تحليلٍ أو توثيقٍ، فيجزم بأن حكومة حزبه تتعامل مع حركةٍ سياسيةٍ تُجيد أساليب المراوغة وتحمل أفكارًا مسمومةً بعيدةً عن الفكر الإسلامي وتلوي عُنق الآيات الكريمة لمصلحتها، بل إن أفكارهم لا تمت بصلةٍ لفكر حسن البنا مؤسس الجماعة، هكذا.. اتهام واضح وافتراء فاضح دون تحليلٍ أو تفصيل أو تعليل، كنتُ أربأ بأستاذٍ جامعي وزميل فاضل أن يتفوَّه به ويسقط فيه، ففكر الجماعة- كما يعلم هو- شديد الوضوح وشديد التفصيل في أدبياتها ومؤلفاتها المنشورة والمعروفة للكافة، وسلوك الجماعة على مدى ثمانين عامًا يشهد لها بالتطبيق الأمين لهذا الفكر المستند إلى فهم الصحابة والسلف، والمستمَدّ من الكتاب والسنة.

 

ثم يصطدم مباشرةً بأبجديات الإسلام وثوابته، ويخطئ في التفرقة الواضحة التي لا يقع فيها طلابه أو حتى المسلم العادي؛ وهي التفرقة بين الإسلام كدين ونظام حياة وبين الفكر الكنسي والنهضة الأوروبية.