- لا أنسى ذكريات السجن الحربي حيث القسوة والطواغيت

- متعة الاحتفال برمضان كانت في الزمن الجميل الذي مضى

 

حوار- أحمد زايدة

ولد في إحدى قرى محافظة البحيرة وتربى بها، والتحق بالأزهر الشريف، ثم بجامعته.. وعمل مدرسًا للمواد الشرعية بعد تخرجه بمحافظة سوهاج.. شهد الصحوة الإسلامية التي سخر الله لها الإمام الشهيد حسن البنا بعد أن سقطت الخلافة وهجر الناس كتاب ربهم وغابوا عن سنة نبيهم؛ فنشأت أجيال ضربت أمام التاريخ أروع الأمثال في التضحية والإخلاص والبقاء والثبات على الحق وتمسكت بدعوتها ورسالة نبيها، مهما كلفها ذلك حتى لو كان الثمن أن يعذَّبوا أو يقضوا نحبهم شهداء على أعواد المشانق..

 

وشيخنا واحد من هؤلاء العظام الذين قضوا سنوات في سجون الظلم والطغيان.. عمل أستاذًا للتفسير وعلوم القرآن بجامعتي الأزهر وأم القرى (سابقًا)، وهو يتحدث عن آيات الله ويدرسها ويغوص في معانيها، ينطلق اليقين مع حروف كلماته.

 

إنه فضيلة الشيخ عبد الستار فتح الله سعيد، وقد حفظ شيخنا القرآن الكريم قبل أن يلتحق بمعهد الإسكندرية الديني عام 1364هـ 1945م، ثم تخرج في كلية أصول الدين بالقاهرة عام 1377هـ 1958م، وحصل على تخصص التدريس من كلية اللغة العربية 1378هـ، وواصل الدراسات العليا في كلية أصول الدين (قسم الكتاب والسنة)، إلى أن حصل على العالمية من درجة أستاذ (الدكتوراه) عام 1395هـ 1975م، وقد عمل مدرسًا بالمعاهد الدينية الأزهرية، ثم أستاذًا بجامعة الإمام الإسلامية بالرياض، وكلية أصول الدين بالقاهرة، وجامعة أم القرى بمكة المكرمة.

 

أشرف وناقش العشرات من رسائل (الماجستير والدكتوراه)، وهو عضو (المجمع الفقهي) بمكة المكرمة، المنبثق من الهيئة الإسلامية العالمية (رابطة العالم الإسلامي)، وله العديد من المؤلفات، أبرزها "المنهاج القرآني في التشريع"، و"الغزو الفكري"، و"معركة الوجود بين القرآن والتلمود"، و"المدخل إلى التفسير الموضوعي"، و"العلم والعلماء في ظل الإسلام".

 

التقينا به ودار معه حديث طويل عن رمضان والإخوان، وحياة طويلة من العطاء في سبيل دعوة الله، فإلى الحوار:

* دائمًا يكون لرمضان ذكريات ومواقف في حياة كل إنسان، من أبرزها رمضان في طفولته وصباه، فكيف كنتم تستقبلون هذا الشهر الكريم في القرية في هذا الوقت؟

** شهر رمضان معلوم أنه شهر الفرحة والبهجة والكرامة والكرم، وهو شهر العبادة والتكليف العظيم بالصيام؛ لذلك فإن المسلمين من قديم الزمان يبتهجون ويفرحون بقدوم رمضان، وكان السلف رضي الله عنهم إذا دخل شهر رجب وشعبان يقولون: "اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان بالخير والإحسان"؛ لهذا نجد كل العالم الإسلامي في رمضان في بهجة وفرحة، خاصةً الأطفال الصغار، فالكبار يفرحون بما في هذا الشهر الكريم من كرم ومن تكليف وعبادة ومن طاعة وتآلف وتقارب بين الناس والروح العامة وهكذا.

 

لكن الأطفال يزيدون على ذلك أنهم يبتهجون بدخول شهر رمضان؛ لأن الواقع الذي حولهم يتغير، فالناس يأكلون في موعد معين عند الإفطار ويقومون من الليل يتسحرون ويتهجدون ويقومون لصلاة التراويح في تجمع كبير يجمع الناس جميعًا رجالاً ونساءً وصغارًا وكبارًا.. فالأطفال يبتهجون بهذا، ويحاولون أن يصوموا إذا كانوا قادرين على شيء من الصيام.. فرمضان كان مصدرَ البهجة دائمًا في تاريخ الأمة الإسلامية، ولا يزال حتى بعد أن أعرض كثير من الناس عن مظاهر الإسلام وعن معاني الإسلام.. تظل لرمضان هذه الميزة العظيمة من الفرحة والبهجة التي تغمر الناس جميعًا..

 

* هل تتذكر بعض المواقف التي حدثت في رمضان في تلك الأيام؟

** المواقف كثيرة من أهمها أن الصغار يتم تعويدهم على الصيام.. لأن رمضان شهر المسئولية.. شهر التكليف الإلهي بالصيام وهو أيام معدودات كما قال ربنا.. لكنه شهر عظيم جليل؛ لذلك تكون فيه مسئولية واهتمام بالعبادة والطاعة وما إلى ذلك.. فالأطفال يتسابقون على الصيام.. وهذه ميزة كبرى في أطفال المسلمين أخذوها من المجتمع الذي حولهم، وهو أن الناس جميعًا تحرص على الصيام.. الناس تهتم بهذا.. ونحن صغار نذكر أن الأطفال كانت لهم أنشودة يبكتون بها الذين يفطرون وقليلاً ما يكون هنالك مفطر، وكان ينظر إليه على أنه جريمة كبرى، وعلى أن هذا خطأ فاحش، وأن هذا لا يكون إلا إذا كان الإنسان مريضًا مثلاً أو لضرورة قاسية..

 

ومع ذلك كان الأطفال يبتهجون برمضان بأغنيات كثيرة منها هذه الأغنية التي يبكتون بها مَن يفطر أو يفكر في الإفطار في نهار رمضان؛ من ذلك كانوا يقولون مثلاً (يا فاطر رمضان يا خاسر دينك)، فكانوا يعدون هذا الإفطار خسارةً للدين وخسارةً للخلُق وخسارة للتكليف الإلهي؛ لكن قديمًا لم يكن لدى الأطفال شواغل كثيرة لذلك كانت البهجة واضحةً بَينة بالنسبة لدخول رمضان، أما الآن فأصبحت الأمور مختلفةً بالنسبة للأطفال، صحيح أنه فيها بهجة لكن ليست كما كانت.

 

قصة أول دكتوراه

* تعد رسالة الدكتوراه الخاصة بفضيلتك أول رسالة تناقش من داخل السجن، فما قصة هذه الرسالة؟

** إنَّ لهذه الرسالة قصَّةًً طويلةً، حيث تبدأ هذه القصة حين فرغت من الدراسات العليا بجامعة الأزهر، وشرَعْتُ في تحضير موضوعٍٍ لرسالتي العلمية، في وقتٍ عصيبٍ رهيب:(1384هـ، 1964م)، وكان الطغيان الحقود قد بلغ فيه غاية الصلف والغرور، والاستكبار والاستهتار، وأخذ يستجلب لأمتنا أنكد مذاهب الإلحاد والإفساد، ويقودها إلى ُكلِّ دروب الكفر والفسوق والعصيان، خاصةًً بعد أن سَحِق طلائع الحركة الإسلامية العالمية سَحقًا دنيئًا غادرًا، لم يرع خلاله خُلُقًا ولا دينًا، ولم يرقُب معه في مؤمنٍ إلاًّ ولا ذمَّةً!!

 

في هذه الظروف سجلتُ رسالتي في كلية (أصول الدين) بالقاهرة– ولم يكن في الدولةِ آنئذٍ غيرها-، وكانت موضوعًا دينيًّا هادئًا في ظاهره، ولكني كنتُ قد عزمت العزم على هدفٍ أوضح من الشمس في نفسي، هو أن أجعلَ من هذه الرسالة منازلةً علميةً لكل ما جلبه الطغيان من مناهج، ومذاهب، وأفكارٍ موغلةٍ في الضلال والبُطلان، يراد بها صرفُ المسلمين عن منهاج ربهم، بعدما تبين من عظمته وشموله، وتفرده بغاية الكمال والتمام في كل شئون الحياة، أقبلت أجمع مراجع الرسالة، وأستخرج منها مادتَها العلمية، وأرتبها في مواضعها، نحو سنةٍ أو أكثر، حتى قطعت شوطًا طويلاً في ذلك، قبل أن تهب على الإخوان المسلمين رياح التنكيل؛ حيث شنت أجهزة الرئيس عبد الناصر حربًا ضاريةً على دعاة الإسلام ورجاله جميعًا، (سنة 1385هـ، 1965م) بعدما تأكد له أنَّ جرائمه الفاحشة طوال عشر سنوات سابقة، لم تُفْلح في خلع جذور الإسلام من القلوب والعقول، بل لم تزده المحن الهائلة إلا رسوخًا وامتدادًا بفضل الله وعنايته.

 

ولقد بلغت الحرب على الإسلام غايتها، حيث اختار الرئيس عبد الناصر عاصمة الإلحاد الشيوعي (موسكو) ليعلن منها هذه الحرب، وليقدم المؤمنين والمؤمنات قربانًا يترضى به أئمة الكفر في الشرق والغرب على سواء، مجددًا جرائمه في تلفيق الاتهامات، ثم سوق آلاف الرجال والنساء والولدان بها إلى أعماق السجون والمنافي، وقتل العديد من أنبل دعاة الإسلام ورجاله، على أعواد المشانق، بعد محاكمات عسكرية هزلية، أو تحت سياط التعذيب الرهيب!!

 

وامتدت العاصفة المجنونة تأكل الرجال والنساء، والبيوت والأسر، والقيم والأخلاق، والمال والمتاع، والكتب والرسائل، والمطبوع والمخطوط، والمستور والمنشور!!!

 

وسارع الناس– تحت وطأة الرعب الهائل- إلى التخلص من كل كتاب أو مجلة ذات صلة بالدعوة الإسلامية المعاصرة، كما استباح رجال شمس بدران مصادرة كل شيء، خاصة الكتب والرسائل الإسلامية، حيث جمعوا منها تلالاً بالغةً، ثم أحرقوها، أو أغرقوها بعد ذلك في مياه المجاري النجسة حول القاهرة، على أسوأ مما فعل التتار قديمًا في بغداد!!!

 

دكتوراه من خلف الأسوار

* وما علاقة ذلك بالرسالة؟

** نتيجةً لهذه الحرب ضاعت كتبي والأصول الأولى لهذه الرسالة، ثم كان نصيب صاحبها وإخوانه أدهى وأمر، سواءٌ أكان في السجون الحربية، أم المحاكم العسكرية الهمجية التي صارت مضرب الأمثال في امتهان الحق والعدل، حيث كان التدين عند قضاتها جنايةً، والدعوة إلى الإسلام خيانةً، وصلاة الجماعة مؤامرةً، وتحريم الحرام تخلفًا وجهالةً، ومواجهة الإلحاد الزاحف على أمتنا ثورةً مضادةً تستحق- في إفكهم- الإبادة الشاملة، والحكم بالإعدام، أو السجن المؤبد، ونحو ذلك من المظالم الصارخة!!!

 

وقد ظنَّ هؤلاء أنهم قالوا الكلمة الأخيرة في ملحمة الصراع بين الحق والباطل، حين ألقوا بنا وراء الأسوار، وأسدلوا علينا الستار حتى نهاية الأعمار، كما كانوا يزعمون!!!

 

وأراد الله تعالى غيرَ ما أرادوا، فسلك بنا– بفضله- طريقَ أصحابِ الدعوات، واتخذ منا الشهداء، ووضع الأحياء على مدارج التربية والتكوين، التي وضع عليها المؤمنين والمؤمنات عْبرَ التاريخ، وكفى مثلاً بيوسف السجين، وهو الكريم ابن الكرام عليهم السلام، وتلك سنَّة الله عز وجل في أهل الإيمان، أن يُجَرِّبوا حياة الخوف والمحنة، والأذى والفتنة، والانتظار والترقب، والصبر والمطاولة، حتى يأتي اللهُ بالفتحِ أو أمْرٍ من عنده.

 

وحين َمنَّ الله تعالى بكتابةِ هذه الرسالة مرةً أخرى بعد سنوات، فإنها اكتسبت بفضل الله عز وجل روحًا وأبعادًا جديدةً، ما كانت لتصل إليها إلا عَبْرَ هذه التجارب الهائلة، فلم تعد مجرد رسالة علمية تخصصية، وإنما صارت مع ذلك صيحةَ عملٍ وجهادٍ من قلب العاصفة ذاتها، ورسالةَ دعوة وبلاغٍ بحالها ومقالها، وبما تجلى لنا من حقائق واقعية، شاهدة ومؤكدة أن هذا (المنهاج الإلهي)- الذي آمنا به- هو الحق المتفرد من عند الله، وأنه الطريق الفذ لخيريَ الدنيا والآخرة جميعًا، وما عداه زَبدٌ باطلٌ يذهب جفاءً مهما حشد الناس له من بريق السلطان، وزخرف المنافع، وألسنة النفاق، وطنين الأسماء والألفاظ، كالقانون، والدستور، والميثاق، وأمثالها من دعاوى الزيف التي أضلت البشرَ طوال التاريخ، والتي ما بُعِث الرسلُ عليهم السلام إلا لمقارعتها، وإنقاذ الناس من شرورها، وإعادتهم إلى صراط الله العزيز الحميد.

 

ولم تمض إلا سنوات معدودة حتى رأينا سنن الله الصارمة في الذين اتخذوا دين الله هُزُوًا ولعبًا، فكانت نكسة 67، وبما جرَّهُ على أمتنا من المظالم والهزائم، خاصةً أمام القردة والخنازير من بني إسرائيل، وما تبع ذلك من تمزيق الجيوش، وضياع البلاد والعباد، وإسقاط المسجد الأقصى في قبضة المغضوب عليهم، وقد رأى الزبانية بعدما رأوا الآيات والنذر أن ُيبْقُونا في السجن بضع سنين، وشاء الله (عز وجل) أن أستأنف في هذه الفترة كتابة َهذه الرسالة من جديد، وقد أمد الله تعالى عبده بفضله، فتمَّ إنجازها خلال عام 1394هـ، 1973م، رغم صعوبة الواقع، وقلة المراجع، وترقّب المجهول!!

 

ثم عكفتُ على تبييضها بعد اختصارها، عملاً بنصيحة أستاذنا المشرف الدكتور أحمد الكومي يرحمه الله، وكان من أفذاذ العلماء، علمًا وتواضعًا وخلقًا، وآيةً في الذكاء والفهم، وقد تخرج عليه أجيال من العلماء، ومما يشهد له في جرأته للحق أنه كان يزورني بنفسه رغم ذهاب بصره أثناء وجودي بمستشفى قصر العيني غير آبهٍ بما يمكن أن يحدث له، وقد توفي عن عمر يناهز الثمانين عامًا، وكان رحمه الله يرى في الاختصار كسبًا للوقت، وتحسبًا للأحداث المجهولة، وكنا جميعًا نقدر أنها ستكون أول رسالة (دكتوراه) تقدم للمناقشة من داخل السجون، ولكن إرادة الله تعالى سبقت كل تقدير، فقد أذن بخروجنا من السجن في 12 من ربيع الأول 1395هـ، 1975م، فأتممت تبييض الرسالة ونسخها، ثم جرت مناقشتها في قاعة الشيخ محمد عبده بجامعة الأزهر في 10 من رمضان المبارك 1395هـ، 15من (سبتمبر) 1975م.

 

رمضان في القرية

* لو عدنا إلى رمضان في القرية.. فكيف كان استعداد أهل القرية لهذا الشهر؟

** الناس كانوا في كل قرى الريف المصري منذ ستين أو خمسين سنةً في أحوال غير الأحوال الحاضرة، فلم تكن عندهم مشاغل أو مشكلات أو مداخلات أو منغِّصات تصرفهم عن الدين، أما الآن، فهناك الأفلام والمسلسلات وأصبحت الأغاني والمجونيات كثيرةً جدًّا؛ مما جعل الصوارف كثيرةً، بعكس الماضي؛ حيث كانت قليلةً وكان يدخل شهر رمضان وكأنه فعلاً تجهيز للناس لنقلة خلقية ودينية يتزوَّدون بها طيلة العام، وأذكر أن رجلاً فلاحًا في إحدى القرى عندنا كان يقول كلمةً على قدر ثقافته، لكنها كانت جميلةً.. كان يقول: "رمضان شهر العَمرَة" (بفتح العين وسكون الميم وفتح الراء) أي أنه يعمر الإنسان.. يعمره صحيًّا بأن يمتنع عن الطعام والشراب الكثير؛ ويعمره دينيًّا بعد طول السنة ربما يفسد أو ما إلى ذلك، فأسماه شهر العَمْرة أي التعمير في ذات الإنسان ماديًّا ومعنويًّا.

 

* إذا انتقلنا إلى رمضان في حياة الطالب؛ فكيف تذكر رمضان وأنت طالب في مراحل الدراسة المختلفة حتى الجامعة؟

** من عجائب التشريع الإلهي في رمضان أنه يدور مع الأشهر جميعًا، بمعنى أنه يأتي مرةً في الصيف، ومرةً في الشتاء، ومرةً في الخريف، وهكذا يدور مع الشهور، فهو شهر قمري وليس شمسيًّا، وبالتالي لا يتبع الفصول، وإنما يتقلَّب فيها جميعًا، ولهذا كان رمضان يأتي علينا ونحن طلاب أحيانًا؛ وأحيانًا في الصيف، فنكون في الإجازة، وأحيانًا نكون في صلب الدراسة، فنُقبل على الدراسة والناس يستشعرون بأن هذا شهر الخير والبركة، فيُقبلون على القرآن، ويُقبلون على الدراسة التي في أيديهم والعبادة وما إلى ذلك، فنحن كنا نذاكر في رمضان طوال الليل بعد التراويح، ثم ننام في النهار أكثر؛ لأن هذا كان يناسبنا، وهذا أيضًا كان تعويدًا إلهيًّا لنا، بأنه بعد أن كنا نذاكر في النهار يمكننا أن نغيِّر عادتنا هذه فنذاكر بالليل وما إلى ذلك..

 

فرمضان لا يزال هو في كل مكان، إلا أنه غلب على الناس الآن أن رمضان هو شهر التعطل والتبطل، فيستثقلون الدراسة مع أنه شهر الجهاد.. شهر الغزوات الكبرى في تاريخ الإسلام والمسلمين؛ لذلك ينبغي علينا أن نواصل فرحتنا في رمضان والعمل فيه، سواءٌ أكنا طلابًا أم غير طلاب؛ لأنه شهر الإنتاج وليس التعطل عن الإنتاج.

 

* وماذا عن رمضان في حياة العالم.. فماذا تعني هذه الكلمة للعلماء؟

 

د. عبد الستار بجوار المرشد العام خلال مؤتمر لنصرة المقاومة

** رمضان كلمة عظيمة جليلة.. اسم للشهر التاسع من الشهور القمرية، وكان شهرًا مكرَّمًا من القديم؛ بالنسبة للعالِم الذي يفهم حينما يقرأ قول ربنا جل وعلا ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (البقرة: من الآية 185) فالعالم يستقبله بفرحة العارف بعظمة هذا الشهر، والعِالم أكثر بالسنة النبوية، يعلم أن شهر رمضان- كما جاء بالحديث الصحيح- عن النبي (صلى الله عليه وسلم) الذي رواه الإمام أحمد والبيهقي في الشعب عن وائلة بن الأسقع قال ما معناه:"إن الكتب السماوية أنزلت في رمضان؛ فالتوراة أنزلت لستٍّ مضين من رمضان، والإنجيل أنزلت لثلاث عشرة مضت من رمضان، والزبور أنزل لثماني عشرة خلت من رمضان، والقرآن الكريم أنزل في الرابع والعشرين من رمضان" هذا حديث، وفي رواية أن صحف إبراهيم أنزلت في أول ليلة من رمضان.

 

خلاصة الكلام أن شهر رمضان اختاره الله لنزول كتبه السماوية فيه.. فكان دائمًا بنص الحديث أن كتب الله تتنزَّل من السماء على هذا الأساس أنها في شهر رمضان، فأصبح شهر رمضان هو الشهر الذي أنزلت فيه الكتب السماوية، خاصةً القرآن الذي هو خاتمة الكتب جميعًا، وأكبرها وأعظمها وأجلّها، وأجمعها للدين والحكمة والأخلاق وما إلى ذلك؛ فشهر رمضان شهر أراد الله مِنا أن نحتفل فيه بنزول الكتب السماوية؛ والأمم تحتفل بالمناسبات عندها بالطبل والزمر والأغاني.. أما نحن فاحتفالنا بتلاوة القرآن؛ وكان النبي- صلى الله عليه وسلم- يدارس جبريل عليه السلام القرآن في رمضان، يقرأ عليه جبريل ثم يقرأه النبي (صلى الله عليه وسلم) فإذا خرج من عنده جبريل (عليه السلام) وبعد مدارسة النبي (صلى الله عليه وسلم) يكون أجود من الريح المرسلة، كما جاء في الحديث الصحيح.

 

إذًا رمضان هذا شهر عظيم جدًّا.. أعده الله للاحتفال بنزول هدايته من السماء؛ لذلك يقول ربنا جل وعلا ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: من الآية 185) وإذا كانت الكتب السماوية نزلت في رمضان فالقرآن خاتمتها وأجمعها جميعًا؛ لذلك يعدُّ رمضان من أعظم النعم على الإنسان عند مَن يفهم؛ فالعالم الذي يفهم ذلك يتابع مدارسة القرآن ويقيم الليل ويؤدي الدروس وتفقيه الناس وتعليمهم، وهكذا، فهذا الشهر للعالم ثروةُ لا تقدَّر.. نسأل الله أن ينفعنا به وأن يجعلنا من أهله.

 

أصعب رمضان

* ما الموقف المرتبط في ذهن العالم الجليل الشيخ عبد الستار فتح الله بشهر رمضان؟

** هذا السؤال يعيد إلينا ذكريات عظيمة وجليلة مضت.. شهر رمضان شهر الخير والإحسان والعبادة، ولكن الطواغيت الظالمين فتنوا هذه الأمة، وأحالوا حياتها إلى ضلال مبين، وصدق الشاعر الذي قال في ذلك (يقول على حكومات بعض العهود):

جعلت من الوادي جحيمًا مفزعًا           والمصطلون به الركوع السجد

فبدلاً من أن يُساق اللصوص والقتلة والخونة والسفَّاكون الذين باعوا البلاد والعباد إلى السجون والمعتقلات سِيق المؤمنون والمؤمنات، وقضينا سنين متواصلة، ما بين المعتقلات وما بين المنافي (النفي البعيد) في الواحات وفي غيرها، وما بين السجون، ابتداءً من السجن الحربي- وهو أقسى مكان للاعتقال وأكبر مصدر للظلم والطغيان- وانتهاءً بالسجون المدنية الطويلة في حياة طويلة، ليس سنةً أو سنتين، إنما سنوات متطاولة، فكان دأب الإخوان في هذه المعتقلات هو الصبر على هذه المحنة والدعاء والابتهال إلى الله عز وجل، ثم قضاء كل الأوقات التي يستطيعونها في قراءة القرآن وفي تعليمه وفي التذكير بالدعوة، وفي قيام الليل، وكانت إدارة السجون أحيانًا تَسمح لنا بهذه الصلوات، وأحيانًا تُضيِّق علينا فنصلي فرادى، أو نصلي في الزنازين جماعاتٍ جماعاتٍ..

 

المهم أن الكل كان يتسابق إلى هذه العبادة، وإلى اليقين بأن الله سبحانه وتعالى سينصر هذه الدعوة، وسيجعل لها مخرجًا في نهاية المطاف، وسيُعيد هذه الأمة بفضله ورحمته إلى دينه عبر هذه التضحيات الجسام من الذين قضوا السنين الطويلة- لا نقول الشهور- وإنما السنين الطويلة خلف أسوار المعتقلات والسجون وفي المنافي، فضلاً عن الذين ساقهم الطغيان الظالم الجاهل إلى المشانق، فقضوا شهداء وسبقوا إلى الجنات إن شاء الله.

 

نسأل الله أن يلحقنا بهم في الصالحين، غير خزايا ولا نادمين، وأن يهيِّئ هذه الأجيال لدعوته ودينه؛ لتكون خلفاء في الأرض بالحق والعدل والإحسان، كما أراد ربنا سبحانه وتعالى.