الإنسان قوي بإيمانه، شديد بعزمه، عظيم بإسلامه، صامدٌ باعتصامه بربه وتوكله على مولاه، عزيزٌ بقيمه ومعرفته بالصراط المستقيم، واستمساكه بالحق المبين، وقرآنه الكريم، والذكر الحكيم، ولهذا فإن أعداء الأمة يعملون جاهدين على إبعاده عن مصدر قوته والتحامه بإخوته وهويته.

 

وقد حرص القرآن الكريم قبل أن يأمر المؤمن بالاعتصام بحبله أن يحول بينه وبين طاعة عدوه، ويباعد بينه وبين مصادر الضلال والضياع في مسيرته، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)﴾ (آل عمران).. والاعتصام بالله هو المراقبة لأمره، والقيام بتنفيذ تعاليمه وطاعته، وهذا هو لب الإيمان.

 

قال ابن القيم: ثمرة الاعتصام بالله هو: الدفع عن العبد، والله يدافع عن الذين آمنوا، يدافع عن عبده المؤمن إذا اعتصم به ويدفع عنه كل سببٍ يُفضي به إلى العطب، ويحميه منه، فيدفع عنه الشبهات والشهوات، وكيد عدوه الظاهر والباطن، وشر نفسه، ويدفع عنه موجبات أسباب الشر بعد انعقادها بحسب قوة الاعتصام به وتمكنه، فتُفقد في حقه أسباب العطب فيدفع عنه موجباتها ومسبباتها، ويدفع عنه قدرَه بقدرِه، وإرادته بإرادته ويعيذه به منه، وهو على ثلاث درجات:

اعتصام العامة:

وهو استسلام وإذعان بتصديق الوعد والوعيد، وتعظيم الأمر والنهي، وتأسيس المعاملة على اليقين والإنصاف، لا على الشك والتردد، وسلوك طريقة الاحتياط كما قال القائل:

زعم المنجم والطبيب كلاهما

لا تُبعث الأجساد!! قلت: إليكما

إن صح قولكما فلستُ بخاسرٍ

أو صح قولي فالخسار عليكما

 

وهذه طريقة أهل الريب والشك والتردد، يقومون بالأمر والنهي احتياطًا، وهذه الطريقة لا تنجي من عذاب الله ولا تحصل لصاحبها السعادة، ولا توصله إلى المأمن.

 

أما اعتصام الخاصة: فهو صون الإرادة قبضًا، وإسبال الخلق عن الخلق بسطًا، ورفض العلائق عزمًا، فيصون إرادته ويقبضها عمَّا سوى الله سبحانه.

 

الثانية: أن يكون الاعتصام لك خلقًا وعادةً، وطبيعة نفس، وسجية روح.

 

الثالثة: قطع علائق الباطن بالسوء وتركها في الظاهر، فمتى كان المال في يدك وليس في قلبك لم يضرك ولو كثُر، ومتى كان في قلبك ضرَّك ولو لم يكن في يدك منه شيء.

 

قيل للإمام أحمد: أيكون الرجل زاهدًا، ومعه ألف دينار؟ قال: نعم، شريطة ألا يفرح إذا زادت، ولا يحزن إذا نقصت، ولهذا كان الصحابة أزهد الأمة مع ما بأيديهم من الأموال، ويقول سفيان الثوري: يكون صاحب المال زاهدًا إن كان إذا زيد في ماله شكر، وإن نقص شكر وصبر.

 

وأما اعتصام خاصة الخاصة: فهو شهود الحق سبحانه وحده منفردًا ولا شيء معه، ومراده بذلك: القرب وارتفاع الوسائط المانعة منه، ولا ريب أن العبد يقرب من ربه، والرب يقرب من عبده، كقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (العلق: من الآية 19)، وفي الحديث: "أقرب ما يكون الرب من عبده في جوف الليل الأخير"، "وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد".

 

إذن فدرجات الاعتصام والعبادة تتحدد وتتنوع بالقرب من الله والبعد عن حظوظ النفس، ونحن في شهر رمضان، شهر الصيام والعبادة، شهر القرآن والفرقان، شهر القربات والتهجدات والنفحات، فبعُد مَن أدرك هذا الشهر فلم يغتنمه بالمغفرة والقربى والتأدب.

 

"الصيام جنة، فإذا كان يوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم إني صائم"، لا يتذكر إلا صيامه، ولا يرى إلا ربَّه، ولا ينطق إلا بآدابه، فحينئذٍ وحين ذاك يشعر بالعطاء الإلهي والفضل الرباني، الذي يخبر عنه صلى الله عليه وسلم بقوله: "والذي نفس محمد بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك"، ويفرح العبد بالطاعات ويسر بأدائه للقربات: "للصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه" فرح بعمله وطاعته لربه، "يدع شهوته وطعامه من أجلي".

 

ولهذا كان العطاء كبيرًا وممدودًا وعظيمًا؛ لأنه لا يقصد به إلا هو سبحانه وتعالى: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به"، وكان مع كل هذا العطاء والفضل العميم الهدية الكبرى، وهي: مغفرة الذنوب والتجاوز عن السيئات جزاء حبس النفس على طاعة الله سبحانه، واستشعار رقابته هو ولا أحد سواه سبحانه، "مَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه"، وهذا الشهر المكرَّم، والمكرِّم للإنسان الصائم، شرُف بنزول القرآن، وبعثة الرسول- صلى الله عليه وسلم-، وخص بالليالي المباركة، وبالعشر الأواخر من رمضان: "بليلة القدر التي أفضل ليلة، وخير من ألف شهر، تتنزل الملائكة احتفاءً بها، وسرورًا بتشريفها في الحياة، أفلا ينبغي منا أن نستغل هذه الأيام بالتوبة والغفران، ونرمي الحمول على المولى سبحانه.

فالفجر الباسم قادم

من قلب الليل الجاثم

وربيع الأمة آتٍ

من بعد شتاءٍ قاتم

الخير الباقي فينا

يكفينا بل يحيينا

ما دام الروح طموحًا

والقلب يفيض يقينا

 

وأخيرًا نسأل الله أن يجعله شهر خيرٍ وبركةٍ وغفرانٍ وسلام.. آمين، والحمد لله رب العالمين.

-------------

* [email protected]