- استطاع الإخوان تدمير 15 مصفَّحة ودبابة في أسبوع واحد

- مظاهرات الإمام البنا في الأزهر وراء فتح باب التطوع لفلسطين

- تضحيات الإخوان في حرب 1948 أكبر من أن تسجلها الكتب

- لم ننضم إلى الجيش في حرب فلسطين لأن في ذلك إذابة للإخوان

 

حوار- علاء عياد

حسن محمد رشوان، من مواليد 26 أغسطس 1921 بقرية شلشلمون مركز منيا القمح محافظة الشرقية، التي تركها في صغره ليستقرَّ في السويس؛ حيث كان يعمل والده، ظل في التعليم حتى الصف السادس الابتدائي، إلى أن تم استبعاده بسبب قرحة في إحدى عينيه، وبعد أن ترك التعليم احترف مهنة الحلاقة وعمره عشر سنوات مع أخيه الأكبر، ولا يزال يمارس الحلاقة في صالونه الخاص إلى الآن، رغم تجاوزه الثمانين من عمره، ليكون بذلك أكبر حلاقي السويس، بل من أكبر الحلاقين على مستوى مصر الذي يمارس المهنة منذ 76 سنة.

 

عرف الإخوان في مطلع شبابه شارك بعدها مباشرةً في حرب فلسطين 1948، ومن هذه النقطة انطلقنا معه في حوار موسَّع؛ باعتباره أحد شهود العيان على تلك الفترة من تاريخ الدعوة، وسألناه عن طبيعة المرحلة التي سبقت الذهاب إلى فلسطين، وما الدور الذي لعبه الإخوان خلال تلك الفترة؟ فقال:

** تعبئة الشعب المصري والأمة بأسرها بلغت ذروتَها خلال فترة الثلاثينيات والأربعينيات، عن طريق المظاهرات الحاشدة، وجمع التبرعات لمساندة الشعب الفلسطيني وإمداده بالسلاح.

 

واستشعارًا لمكانة فلسطين الدينية قاد الشيخ حسن البنا- رحمه الله- العديد من المظاهرات في الجامع الأزهر، مطالبًا الحكومة بفتح باب التطوع للجهاد، وتوفير الأسلحة للمجاهدين؛ مما اضطّرَّ الحكومة إلى إعلان فتح باب التطوع، وتدفق الآلاف من شباب الإخوان من جميع المحافظات على المركز العام في الحلمية لتسجيل أسمائهم ضمن المتطوعين للجهاد في فلسطين، فكنت منهم، وكان معي حوالي 20 شابًّا من محافظة السويس.

 

الاستعداد للمواجهة

*وكيف وصلتم إلى فلسطين؟

** سافرنا من المركز العام إلى بورسعيد؛ حيث كانت هناك سفينة معدة لتبحر بنا إلى سوريا، وهناك وجدنا مصوِّرًا يقوم بالتقاط صور لنا، فقام إليه الأخ مالك محمد إبراهيم نار- رئيس الفرقة التي كنت فيها- واكتشف أنه مصوِّر يهودي وحدثت مشاجرةٌ حتى أخذ الكاميرا ومسح الصور التي التقطها.

 

وعند وصولنا سوريا ذهبنا إلى معسكر (قطنا) الذي مكثْنا فيه فترة التدريب على يد شاب من الجيش السوري يسمَّى رؤوف، وكان تدريبنا خلال هذه المرحلة على الأسلحة الخفيفة وبعض حركات المقاومة والمواجهة وجهًا لوجه، بالإضافة إلى فنون الكرّ والفرّ والزحف والاشتباك وعمليات القتال والدوريات الليلية، واستعمال المواد المتفجرة وغيرها من التدريبات الشاقة المكثَّفة ليلاً ونهارًا، حتى وصلنا إلى المستوى المطلوب من الاستعداد لمحاربة الصهاينة.

 

وكانت هناك فترة تدريب بسيطة قد تلقَّاها الإخوان في الحرس الوطني قبل السفر، إلا أنني لم أشاركهم هذه الفترة، وأثناء التدريب في معسكر قطنا جاءنا الشهيد البطل أحمد عبد العزيز الذي كان يقول لنا من ضمن مداعبته معنا في الطابور الرياضي: "أنا أبوكم يا أولاد الكلب".

 

* من الطبيعيى أن يحدث خلال فترات التدريب- وخاصة العسكرية- مواقف لا تُنسى، فهل تذكر لنا بعض هذه المواقف؟

** كانت هناك حراسة طوال اليوم وكان يقوم بها اثنان كل أربع ساعات، وأثناء عبور الأخ مالك وجد أحد أفراد الحراسة نائمًا، فأخذ الأخ مالك سلاحه وتركه نائمًا، وفي الصباح بعد أن استيقظ الأخ ذهب يبحث عن السلاح الذي كان معه، وفي النهاية ذهب إلى الأخ مالك واعترف له أن السلاح قد سُرق لأنه كان نائمًا، فعاقبه الأخ مالك بجلده لكي يكون موعظةً لغيره، ففي الجيش نفسه إذا حدث هذا فإنه يعتبر شيئًا صعبًا جدًّا.

 

وأثناء فترة حراستي ذات مرة في أحد الخنادق وجدت أمامي دشمة يختبئ وراءها اليهود، فحدثتني نفسي أن أطلق عليها النار، وبالفعل عمرت البندقية وضربت طلقةً واحدةً، وتحركت مسافة بسيطة، ففوجئت بوابل من الرصاص أُطلق مكان ضرب الطلقة؛ لدرجة أن الرمال ردمت الخندق، وبعد ذلك سألني إخواني عما حدث، فقلت لهم أطلقت عليهم رصاصة، فضحكوا جميعًا، وحذرني الأخ مالك من التحرك مرةً أخرى دون إذن، لكنهم قدروا حماستي ويقظتي.

 

ومن ضمن الحوادث المثيرة أيضًا أنه كان يجلس بجواري الأخ محمد الطنبولي وكان من السويس، وكانت بيدي بندقية بها رصاصة وأنا لا أعرف، فإذا بي وأنا أضعها على الأرض تخرج منها رصاصة لا تبعد أكثر من ميلٍ واحد عن صدغ الأخ الطنبولي!!

 

الحصار الإخواني

* بعد انتهاء فترة التدريب كيف نظَّم الإخوان صفوفهم في ميدان القتال؟

** كانت قواتُ الإخوان مقسَّمةً إلى ثلاث مجموعات، تدافع كل مجموعة منها عن منطقة بعينها ترابط فيها، وكانت القوة الأولى ترابط في النقب، وخاضت هذه المجموعة معارك في صحراء النقب والقدس، كان من أهمها معركة مستعمرة كفار داروم، التي سقط فيها مجموعة من شهداء الإخوان، من بينهم الشهيد محمد عبد الخالق يوسف، والشهيد عبد الرحمن عبد الخالق، والشهيد عبد الرحيم عبد الحي، وكان هناك حوالي 20 من الشهداء والجرحى الذين سقطوا من الإخوان ضمن هذه المعركة، وقد استعصت هذه المستعمرة!!

 

إلا أن الإخوان قاموا بإعادة تنظيم صفوفهم والانتقال إلى أساليب حرب العصابات بدلاً من الحرب أو المواجهة المباشرة واستهداف خطوط المواصلات والمرافق، وعلى رأسها شبكات أنابيب المياه.

 

وتواصلت غارات الإخوان المسلمين على هذه المنطقة؛ مما اضطر العصابات الصهيونية إلى تعيين عربات مصفَّحة ومدرَّعات لحراسة القوافل اليهودية في الصحراء، وبالرغم من ذلك إلا أن قوات الإخوان كانت كثيرًا ما تنجح في إسقاط هذه الدفاعات والاستيلاء على ما في هذه القوافل من أسلحة ومعدات عسكرية من بينها مدرعات أمريكية حديثة.

 

أما القوة الثانية- وهي التي كنت أشارك فيها- فكانت بقيادة الصاغ محمود عبده، وأوكلت لها مهمة الدفاع عن مرتفعات صور باهر الحصينة بجوار القدس، وقد وفقنا الله أن نصلي في المسجد الأقصى على دفعات، ولحقت بنا بعد ذلك قوة كبيرة من متطوعي الإخوان المسلمين في الأردن بقيادة المجاهد المغفور له إن شاء الله عبد اللطيف أبو قورة- المراقب العام للإخوان المسلمين بالأردن سابقًا- وشكلوا معًا قوةً مشتركةً.

 

أما الفرقة الثالثة فكانت من إخوان سوريا، يقودهم المجاهد مصطفى السباعي- المراقب العام للإخوان المسلمين- وعملت بهمة ونشاط في مناطق المثلث والقدس، وكانت هناك مجموعات أخرى، شكَّلتها شعب الإخوان في فلسطين، تعمل في المناطق الشمالية والوسطى تحت القيادة العربية المحلية.

 

هجمات غادرة

* باعتبارك أحد شهود العيان على تلك الفترة.. ما رأيك فيما سجَّله التاريخ عن بطولات الإخوان في حرب 48؟ وهل هناك ما فعله الإخوان خلال تلك الحرب ولم يسجِّله التاريخ؟

** ما سجله التاريخ في حرب فلسطين من قصص البطولة والفداء بالنسبة للإخوان، أعتقد أنه أقل بكثير مما حدث على أرض الواقع، وفي نفس الوقت فهو أكبر من أن تسجله الكتب؛ لأن كل أخ شارك في هذه الحرب فهو شاهد بذاته على ما حدث، ولا أعتقد أن التاريخ يستطيع أن يقف أو يدوِّن ما حدث وعاصره الإخوان في هذه المرحلة المهمة من تاريخ أمتنا.

 

كما أن الإخوان لا يفخرون ببطولاتهم أمام أحد ولا حتى التاريخ؛ لأننا أصحاب دعوة قبل أن نبحث عن تاريخ أو غيره، وللتاريخ.. فالدور الذي قام به الإخوان في هذه الحرب ليس دورهم وحدهم، بل شاركهم فيه الكثير، فعندما وصل الإخوان إلى مشارف القدس كانت معهم الجيوش العربية التي شاركت من مصر وسوريا والأردن وفلسطين ولبنان، وحاصرنا أكثر من مائة ألف صهيوني، استغاثوا ببريطانيا والولايات المتحدة؛ مما جعلهم يفرضون هدنةً على القادة العرب في مايو 1948م، من أجل إنقاذ اليهود من الهزيمة المحققة.

 

وأثناء هذه الهدنة كانت الإمدادات لا تنقطع عن قوات الصهاينة، واستطاع الصهاينة أن يحتلوا مواقع مهمة بهجمات غادرة، وبالرغم من أنه نقضٌ للهدنة، إلا أن الدول العربية اكتفت بالاحتجاج لدى مجلس الأمن، الذي اعتذر بأن الذين يقومون بهذه الأعمال عصابات متطرفة، ليس لأحد سلطان عليها.

 

وقد قامت هذه العصابات الصهيونية بالهجوم على قوات الإخوان عند منطقة العسلوج، واستطاعوا السيطرة عليها لقلة جنود الإخوان بها، ولأهمية تلك المنطقة التي كانت طريق تموين الجيش المصري ومواصلاته تحرك الجيش لاسترداد القرية، إلا أن قوات الجيش فشلت في تحقيق ذلك، وبتعاون الجيش مع الإخوان استطاعا السيطرة على القرية مرةً أخرى باستخدام الأسلحة الخفيفة، ثم كانت الهدنة الثانية في يوليو 1948 لإنقاذ اليهود مرةً ثانية.

 

وفي هذه الأثناء وصلت إلى اليهود إمداداتٌ من الأسلحة الثقيلة والطائرات الحديثة من أوربا؛ مما سهَّل لهم الهجوم على الجيوش العربية مرةً أخرى، مما اضطَّرَّ الجيش المصري إلى التخلي عن المناطق التي سيطر عليها، وترك خمسة آلاف جندي محاصرين في الفالوجا.

 

التمزق

* وكيف سارت الأمور بعد ذلك؟

** طالب الإخوان بإعطائهم السلاح والسماح لهم بجلب بعض المجاهدين من مصر، حتى يمكنهم إنقاذ الجيش المصري المحاصر في الفالوجا، فوافقت القيادة العامة للجيش المصري، وواصل الإخوان عملياتهم، وقاموا بعمل العديد من الكمائن التي منعت اليهود من التنقل بين مستعمراتهم، واستطاع الإخوان تدمير 15 مصفحةً ودبابةً في أسبوع واحد؛ مما ساعد الجيش المصري على الانسحاب من الفالوجا إلى مواقع جديدة، إلا أن الصهاينة انتهزوا التمزق التي يعيشه العرب- وخاصةً مصر- فهاجموا الجيوش المصرية دون مراعاةٍ للهدنة التي نادَوا بها من قبل، ونجحوا في احتلال العديد من المواقع، وتمكَّنوا من عزل القوات العربية عن بعضها في كثير من الأماكن!

 

* يرى الكثير أن رفض الإخوان الاندماج الكلي في الجيش المصري كان دليلاً على أن الإخوان كانوا يرمون إلى بناء قوة عسكرية مستقلة تعمل على الإطاحة بنظام الحكم المصري، فما صحة هذا الاتهام؟!

** تربية الإخوان تقوم على أساس المساواة والتكافل والحرية، فلم تكن هناك أيةُ ميزات بين المسئولين والأفراد إلا ميزة السمع والطاعة في العمل والواجبات، وكانت العلاقة بين الضباط والجنود علاقة أخوَّة ليس فيها شيءٌ من الرسميات، فلم نرَ تفاوتًا في الملبس أو المأكل، وكانت هذه الأوضاع شيئًا عاديًّا بالنسبة لطبيعة تربية الإخوان ومفهوم الجندية والجهاد؛ فمثلاً كنت تجد جنديًّا عاديًّا يحمل شهادةً جامعيةً عاليةً، بينما قائد فصيلته أو سريته عامل بسيط أو فلاح ذو ثقافة متوسطة، ولكنه اجتاز تدريبًا خاصًّا، أو قضى في الميدان مدةً طويلةً، أظهر خلالها شجاعةً فائقةً ودرايةً واسعةً في القيادة.

 

وعلى العكس كانت الأوضاع في الجيش المصري تسيطر عليها العقلية العسكرية الصارمة؛ حيث يقوم الخوف بين الجندي وقائده مقام الحب والاحترام، وحيث تقوم فجوة بين الرتب تشمل المأكل والملبس والمسكن، بذلك كان إذابة الإخوان في الجيش تعني هدم النظام الذي يقوم عليه كيان الإخوان الجهادي ومحو الملامح والخصال التي تنتج عنها خصال الفدائية والتضحية والتسابق على الشهادة.

 

طرحة وجلباب

* هذا عن الجهاد؛ فماذا عن المحن في حياة حسن رشوان؟

** مررت بمحنة 1954 واعتُقلت فيها سنةً وأربعة أشهر، وفي محنة 1965 اعتُقلت خمس سنوات وأربعة أشهر، وكانت في هذه المرة بعض التحقيقات عمن يأخذ الاشتراكات، فكانوا يريدون معرفة من يأخذ الاشتراكات ويمرّ على أهالي المعتقلين، وذات ليلة خلعوا عني ملابسي تمامًا والجوّ كان باردًا جدًّا وقال لي الضابط: اعترف أحسن لك، من كان معك؟! وأين كنتم تجتمعون؟! ولمن كنت تدفع الاشتراكات؟!

 

فقلت له لم يكن هناك اشتراكات، ولم يكن هناك شيء، إنهم اعتقلوني وأنا لا أعرف شيئًا، فضربني على قدمي، فجلست طوال الليل على هذا الحال، وعندما سمعت أن الحاج عبد العزيز عزازي دخل دورة المياه طلبت من العسكري أن أدخل دورة المياه وقابلت الأخ عبد العزيز فسألته خلسةً: هل قلت عني شيئًا، فقال لي قلت إنك دفعت لي الزكاة، وشاهدَنا أحد عساكر السجن ونحن نتحدث مع بعض من بعيد، فقال: "أنت يا مسجون أنت وهو.. كل واحد يدخل مكانه"، ثم عدت إلى الزنزانة وبعد دخولي قلت للعسكري: أريد أن أقابل الضابط، فجاءني الضابط وسألني: هل ستعترف؟! فقلت له إنني تذكرت شيئًا.. أنني ذات مرة جاءني الحاج عبد العزيز عزازي، وقال لي إن أم الأخ فلان في المستشفى ونريد أن نحضر لها طرحة وجلابية بيضاء فأعطيته يومها 25 قرشًا، فقال لي الضابط: خذ ورقة واكتب فيها ما تريد، فكتبت فيها ما قلته وأعطيتها له، ثم أعطاني ملابسي لأرتديها، ثم ذهبت إلى النيابة العامة، وكنت مرتبكًا لأنها أول مرة أقف فيها أمام قاضٍ، فلما وقفت أمامه قال لي اجلس وسألني عما حدث، فقلت له حدث كذا وكذا، وسألني عن هذا الشخص الذي أمه مريضة فقلت له اسمه أحمد صديق، ونادى على العسكري وقال له: خذه، فكان اعتقالاً عاديًّا ولم يحكم عليَّ.

 

الشفخانة

* وكيف مرت سنوات السجن هذه؟
 
 الصورة غير متاحة
 

**

لم نشعر بها على الإطلاق؛ لأن روح الأخوَّة بيننا كانت مرتفعةً جدًّا؛ فكنا نخدم بعضنا البعض، ونأكل مع بعضنا البعض، ويذاكر بعضنا للبعض، فكان معنا الطلاب، وكان أيضًا معنا الأساتذة في العلوم والطب وفي جميع التخصصات، وقد أخطأ من ظن أن الاعتقال يمكن أن يبعدنا عن دعوتنا، فالمحنة تثقل الإنسان وتجعله يتمسك أكثر بدعوته ﴿يُرِيْدُونَ لِيُطْفِئوا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِم وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وِلَو كَرِهَ الكَافِرونَ﴾ (الصف: 9).

 

وكان معنا الدكتور يوسف الملط الذي كان وقتها مدير مستشفى الصدر بدمياط، وكان على خلُق، وبالرغم من كبر سنه ومكانته العلمية إلا أنه إذا مرض أحدٌ من الضباط أو صف الضباط يقولون في وسط السجن: "فين الواد يوسف؟" وليس الدكتور يوسف، فيذهب إليهم ويكشف عليهم ويكتب لهم العلاج، فأقول له: يا دكتور، اكتب لهم علاجًا يخلصنا منهم، فيرد عليَّ: حرام، الطب رسالة كبيرة لا نخونها.

 

وكان كل أخ يمتهن مهنة يؤديها؛ فالحلاق يقوم بالحلاقة، والخياط يقوم بالخياطة، وهكذا، وذات مرات كنت أحلق لشخص فمرَّ بجواري زميلي، وكان بيده موس ففُتحت يدي فذهبت إلى الشفخانة، وهي مستشفى السجن، فأعطوني "مكروكروم" وقطعة قطن.. فرآني الدكتور الملط فأجلسني وأتى بعلبة صفيح صغيرة فيها ماء وإبرة وفتله، وأوقد عليها النار بقطنه حتى غلى الماء، وخاط لي الجرح غرزتين، ويعلم الله أني لم أشعر بشيء، وكان الإنسان منا عندما يشعر بالصداع أو مغص كلوي يأخذ نصف قرص ريفو، وهذا من فضل الله.

 

المجاهد الحلاق

* وماذا عن الحلاقة في حياة حسن رشوان؟ 

 

** الحمد لله، إلا أن الأزمة القلبية التي أصبت بها مؤخرًا كانت لها مضاعفاتٌ أثَّرت على عيني، فلم أعد أستطيع أن أبذل مجهودًا كبيرًا كما كان في الماضي، وتواجدي هنا في الصالون يكون حتى الساعة الخامسة مساءً وحتى يعود أبنائي من عملهم فهم يجيدون الحلاقة أيضًا.

 

* وماذا عن المواقف الطريفة مع مهنة الحلاقة؟
 
 الصورة غير متاحة

** المواقف الطريفة في مهنة الحلاقة عادةً ترتبط بالمشط الذي يمكن أن يضرب قليلاً فوق، والمقص الذي يمكن أن "يغوط تحت شوية"، فلا تجد إلا أن تعترف للزبون بما حدث، وتطمئنه بأن الأمور ستكون على ما يرام بعد أن يطلع الشعر بعد يومين أو أي شيء من هذا القبيل، وفي هذه الحالات نحاول قدر المستطاع أن نعالج الشعر ليكون غير ظاهر، وهذه الحوداث تكون هفوات، ولكل عالم هفوة.

 

* ما هي حكاية غلق الحلاقين يوم الإثنين؟

** كان هناك جمعية لأصحاب الصالونات قبل العدوان الثلاثي، وطُرِح أن يكون هناك يومٌ إجازة للعمالة ولصالونات الحلاقة، وكان التفكير في يوم الجمعة إلا أن  يوم الجمعة إجازة للموظفين وللمدارس والمصالح الحكومية، والكثير يحب أن يحلق يوم الإجازة، فقلنا يوم الأحد فوجدنا بعض المدارس تغلق يوم الأحد، فكان اختيارنا يوم الإثنين.

 

* وهل هذه الجمعية موجودة حتى الآن؟

** بعد الهجرة لم تعاود هذه الجمعية نشاطها بالنسبة للسويس.

 

* الكثير يرى أن صالونات الحلاقة هي أماكن للفضفضة، فما رأيك في ذلك؟

** أنا شخصيًّا لا أحب الكلام أثناء عملي، كما أحب أن يكون الزبون صامتًا، أعرف طلبه وما يريد، والكلام الذي يمكن أن أتجاوب معه الكلام في الأمور الدينية أو العلمية.

 

والشخص الذي أعرف أنه يحب الكلام الكثير، أحاول أن أقلِّل أو أحدَّ من كلامه بعدم التجاوب، وأن أقول له وأنا أسمعه: آه، إلا أن البعض- بالرغم من ذلك- يستمر في الكلام "ويزود العيار".

 

* مارست المهنة وعمرك عشر سنوات، أي أنك منذ 76 سنة وأنت تمارس المهنة، ألم  تملّ؟

** بالطبع مللت، ولكن العمل أفضل من الجلوس في البيت.