تجربتها الصحفية مع مجلة "السيدات المسلمات"

عندما انفتحت الداعية زينب الغزالي على الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي في مصر, مع نهاية الثلاثينيات وطوال عقد الأربعينيات, بدأت تدرك أهمية الإعلام, ومدى تأثيره في الواقع, فكتبت المقالات وأرسلتها للصحف والمجلات, لكنها سرعان ما قررت أن يكون لها منبرها الإعلامي, الذي ينقل آراءها ويُعبِّر عن فكرها ومواقفها, فأنشأت مجلة "السيدات المسلمات" في عام 1951م (1370هـ), وبدأت أعداد المجلة في الظهور وعلى صدر غلافها صورة ثابتة لسيدة محجبة.

 

كانت المجلة تصدر شهريًّا مع أول كل شهرٍ عربي, وموضوعاتها متنوعة بشكلٍ كبير.. كانت تحوي أبوابًا دينيةً مثل: التفسير والحديث والسيرة, وأخرى سياسية مثل: الافتتاحية وأخبار من هنا وهناك ومقالات في السياسة, وثالثة اجتماعية مثل: من روائع القصص, ومن واقع الحياة ومشكلات وحلول, ولكَ يا سيدي، ولكِ يا سيدتي, ورابعة تتناول الأعمال المنزلية وشئون المطبخ وفن التطريز والحياكة وغيرها من الأبواب الشيقة والطريفة.

 

ومع تطور الأوضاع على الساحة السياسية في ظل وجود الاحتلال الإنجليزي, بدأت لغة المجلة تقترب أكثر من الأوضاع السياسية, وبالتالي حاصرتها الرقابة على المطبوعات, التي كانت تحذف بعض المقالات والموضوعات, فكانت المجلة تصدر وفيها مساحات بيضاء, وربما تحمل الصفحة عنوان الموضوع فقط وفي الأسفل اسم كاتبه!

 

وغالباً ما كانت تتعرض مقالات الداعية زينب الغزالي للحذف لشدتها وجرأتها, ورغم ذلك استمرَّت في كتابة مقالاتها النارية ضد الاحتلال تارةً, وضد الفساد تارةً أخرى.. اذكر منها مقالاً نُشر عنوانه فقط دون المضمون وكان العنوان هو "اطردوا سفير الكلاب" والسفير هنا هو سفير بريطانيا, الذي كان يتدخل في الشئون المصرية بكل فجاجةٍ ووضوح, ومقال آخر يتناول شأنًا محليًّا تحت عنوان "استقل يا شيخ الأزهر!"؛ احتجاجًا من زينب الغزالي على ذهاب شيخ الأزهر إلى وزير المالية, ليطلب منه زيادة ميزانية الأزهر الشريف, فقد كانت ترى أن وزير المالية هو الذي يجب أن يذهب إلى شيخ الأزهر وليس العكس, احترامًا للمنصب الكبير الذى يشغله.

 

وعندما ازدادت الأحداث سخونةً, عقب قيام حركة الضباط الأحرار في يوليو 52- سُميت ثورة بعد ذلك- قررت زينب الغزالي إصدار المجلة بشكلٍ أسبوعي, وعندما تعثَّرت ماديًّا, أصدرت جريدة أسبوعية أخرى تحت عنوان "الوعي الجديد" وعادت "السيدات المسلمات" تصدر شهريًّا, حتى ضاق بها نظام عبد الناصر, وصادر منها بعض الأعداد, حتى أصدر قرارًا "ثوريًّا" بتعطيل المجلة وسحب ترخيصها عام 1957م- 1376هـ.

 

كانت مجلة "السيدات المسلمات" رائدةً في مجال الصحافة النسائية الإسلامية, ورغم أنها صدرت لمدة ست سنوات فقط, إلا أنها كانت واضحةَ التأثير في الحياة السياسية المصرية, إلى الدرجة التي دفعت المستشار حسن الهضيبي- المرشد الثاني للإخوان المسلمين- أن يطلب من زينب الغزالي أن تتوقف عن الاستمرار في كتابة مقالاتٍ تهاجم فيها قيادات "حركة الجيش" لعدم وفائها بوعودها في العودة إلى الثكنات والالتزام بالديمقراطية واحترام إرادة الشعب؛ حيث كان الهضيبي يريد إتاحة الفرصة أكثر للحوار والتفاهم مع هؤلاء الضباط.

 

كانت زينب الغزالي تحرر جانبًا كبيرًا من صفحات وأبواب المجلة, وكانت توقع باسمها حينًا, وبالأحرف الأولى من اسمها أحيانًا, وبدون توقيع أيضًا, حتى إنها كانت تحرر باب "المطبخ" رغم خبرتها القليلة في هذا الميدان!.

 

وعندما ألقت المباحث العسكرية القبض عليها في أغسطس عام 1965م, بتهمة الانتماء للإخوان المسلمين والسعي لقلب نظام الحكم, صادرت ما لديها من أعداد هذه المجلة, وتكاد لا تملك مكتبتها الآن نسخة واحدة كاملة من هذه المجلة الرائدة, وقد تناولتها بالبحث والدراسة أكثر من رسالة ماجستير ودكتوراه في الجامعات المصرية وغير المصرية.

------------

* [email protected]