يتحدث البعض في الآونة الأخيرة عن الفصل بين "الدعوي" و"السياسي" في الخطاب العام في دعوة الإسلام، ويذكرنا هذا الطرح بكلام آخر ما زال يتردد في جنبات الإعلام المختلفة عن الفصل بين "الدين" و"السياسة".

 

ولعل الحديث عن فصل الدين عن السياسة قد تم علاجه مرات كثيرة؛ حيث جرى دحض هذه الدعوى، ورد هذا الافتراء عن الإسلام، منذ أن أعلن أحد الرؤساء "لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين".

 

وقد تتبعنا مصدر هذا الشعار "النكد" الذي غزا فكر بعض المسلمين وأثَّر على نظرتهم إلى الإسلام، وعمله في واقع حياة الناس، ووجدنا أنه أحد تجليات الفكر العلماني الوافد إلينا من الغرب، والذي كان الثمار المُرَّة للصراع بين الكنيسة والأباطرة، والذي انتهى بأن يعلن الناس الثورة على كل منهما في شعار يذكر دائمًا في هذه المناسبة: "اقتلوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس"، وذلك إبان بداية عصر النهضة الأوروبية، بعد أن يئس القوم من تحقيق الإصلاح على يدَي كلتا القوتين المتصارعتين "الكنيسة والأباطرة".

 

وللأسف الشديد فإن الذين حاولوا أن ينقلوا إلينا في بلاد الإسلام هذا الشعار، الذي يفصل بين الدين "الكنيسة" والحياة، قد تجاهلوا المناخ والظروف التي أدت إلى هذا الفصل الظالم، وقفزوا فقط إلى النتائج التي انتهَوا إليها، من التحرر من قيود الكنيسة، والانطلاق دون عوائق أو عقبات؛ لتحقيق الإشباع في حياتهم الدنيا دون خوف من إله يحاسبهم أو دين يزجرهم.

 

والشبهة التي نحن بصددها الآن قد تكون مختلفة بعض الشيء عن مقولة "الفصل بين الدين والسياسة"؛ حيث إنها لا تقول ذلك صراحةً، ولا تلبس زي العلمانية الحديثة ودعاتها المنتشرين في كافة المجالات الفكرية والثقافية والإعلامية والسياسية، وإنما تحمل قدرًا من النصح للعاملين في مجال الدعوة إلى الله، ونوعًا من الإشفاق على الدعاة من الهجمة الشرسة على الإسلام عامةً ودعوة الإخوان المسلمين خاصةً، فأرادوا بذلك أن يفوِّتوا الفرصة على كل المتربصين بالدعوة، ويقطعوا عليهم الطريق، فتسلم الدعوة من أذاهم، وينجو الصف العامل من مكرهم وبأسهم، وتسير الأمور بعد ذلك هادئةً وادعةً دون صراع أو تنافس أو خوف أو متاعب تساور أصحاب السلطان وأرباب الحكم، وهيهات!!

 

إن دعوة الإخوان المسلمين قد اختارت "شمولية الإسلام" أول أصل من الأصول العشرين، الشارحة والموضحة لركن "الفهم" من أركان البيعة العشرة، التي أرسى قواعدها الإمام المؤسس الأستاذ البنا، رحمه الله، ولا أحسب أن الأستاذ قد ابتدع شيئًا من عنده، أو أتى بشيء غريب عن منهج الإسلام، ولكنه- والحق يقال- قد نقل إلينا صورةً صادقةً وحقيقيةً لِمَا كان عليه الحال في حياة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فكان هو الإمام والقاضي والقائد العسكري والمفاوض، والمهتمّ بكل شئون المسلمين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية والخارجية والدولية.. إلخ.

 

ولم يكن قابعًا بالمسجد، ثم يترك حياة المسلمين تسير كيفما اتُّفِق أو وفق رؤى وأفكار غير تلك التي جاء بها صلى الله عليه وسلم، الذي بُعث بمنهج كامل وشامل يفتي في كل شيء، ويتناول كل شيء من منظور الإسلام ومنهجه.

 

إن المناداة بفصل "الدعوي" عن "السياسي" قول باطل ومردود من عدة وجوه:

أولها: إن مجال "الدعوي" بغير "السياسي" لا يصلح ولا يصح، كما أن مجال "السياسة" لا يتحقق بغير نور "الدعوة" وضيائها؛ فهناك علاقة ترابط واشتباك بين المجالَين، لا ينفصل أحدهما عن الآخر في نظر الإسلام.

وثانيها: لو فرضنا جدلاً أننا قد قصرنا الجانب الدعوي في مجالات إصلاح النفس وتزكيتها والاهتمام بالإصلاح الفردي والنفسي، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإخلاص العبادة؛ فكيف يُعقَل أن تتم هذه الممارسات بعيدةً عن معترك حياة الناس، وإنزال قيم الإسلام على واقع يعيش على أرض الناس، فلا تكون الدعوة إذن صحيحةً إلا إذا أخذت بأسباب العمل السياسي من منظور الإسلام "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم"!!.

ثالثها: والعمل السياسي إذا تحرر من الجانب الدعوي وتخلص من اللمسات الربانية الحانية، وابتعد قليلاً أو كثيرًا عن المعيشة في ظلال الدعوة والعقيدة، وخاصَمَ القيم العامة والأخلاق الإسلامية، كان عملاً براجماتيًّا" أو "نزعةً ميكيافليةً"، الغاية فيه تبرر الوسيلة، مثل ما عليه كثير من رجال السياسة المجردة؛ حيث يطرحون الدين كما يطرحون الأخلاق جانبًا.

 

ولقد سمعنا أخيرًا صيحات فصل الدين عن السياسة، كما أن السياسية لا صلة لها بالأخلاق، وهي عندهم لا غنى لها عن الكذب والافتراء وقول الزور وتزوير إرادة الأمة في الانتخابات والاستفتاءات، وهم بهذا ينزِّهون الدين عن هذا الوحل والمستنقع الآسن، يا سلام.. هم حريصون جدًّا على الإسلام!!

 

رابعها: ومَن قال إن السياسة أو العمل السياسي سيكون بنفس الأخطاء والآثام والممارسات البعيدة عن الأخلاق والدين عند رجال الحركة الإسلامية؟! إننا أصحاب منهج، وندعو إلى خلق ودين، بالوسائل الشرعية والقيم الأخلاقية؛ فالصدق وقول الحق ونصرة المظلوم وإغاثة الضعيف والعدل والإنصاف والوقوف في وجه أصحاب الهوى وأرباب الفواحش ودعاة الرذائل ونشر الفساد والانحلال.. كل ذلك من أبجديات العمل في السياسة عندنا.

 

من قال إن رجال الدعوة سيُمارسون السياسة بكل سوءاتها ووحلها وطينها، إنهم سيطهِّرون هذا الواقع الموروث في المجال السياسي من كل ما شابه من أخطاء وأخطار، وسيأخذ ذلك- بلا شك- وقتًا قد يطول كثيرًا، ولكن لا غنى عن الصبر والمثابرة في مجالات الدعوة والتربية لكل الناس، بل لكل الأمة؛ حتى تطرد العملة الجيدة الأصيلة العملة الدخيلة الرديئة، وحتى تطهر النفوس وتتزكَّى الأرواح وتتحرر من كل شوائب الإرث والتقليد الذي ترك آثارًا بغيضةً على النفوس في غياب نظام الإسلام، والمعيشة الهنيئة في ظلاله.

 

خامسها: وأخطر الأخطار أن ينفصل "السياسي" عن "الدعوي" أو "التربوي"؛ ففضلاً عن عدم استغناء أحدهما عن الآخر، وفضلاً عن عدم صحة قيام الدعوي بعيدًا عن تناول الأمور السياسية نظريًّا وعمليًّا، فضلاً عن ذلك كله، فإن في إبعاد "الجانب السياسي" وفصله عن "الدعوي" خطرًا على السياسة نفسها، وعلى العامل في مجالها، المشتغل بها.

 

ومن هنا نحب أن نؤكد أن دعوتنا- والحمد لله- لا تأخذ بالفصل بين ما هو دعويٌّ تربويٌّ، وبين ما هو "سياسيٌّ"، وتذهب إلى الربط بينهما، وبأنه لا غنى لأحدهما عن الآخر، وإن رائدنا في ذلك كله الترابط والشمول لكل مجالات العمل والحركة، وفق ما أوضحنا في هذا المقال.

 

هامش

في مقال للأستاذ إبراهيم عيسى في جريدة (الدستور) بتاريخ 31/10/2007م تحت عنوان: "ليس قضاءً وقدرًا" يتحدث عن التوريث، وأنه أصبح حقيقةً ماثلةً أمام الجميع، لا يملكون دفعها أو وقفها، ويشير فيه إلى أن النظام قد أقنع الناس بأنه "مفيش فايدة"، وأن الساحة السياسية صارت مسلّمة بذلك، وأن أغلب القوى والأحزاب السياسية صارت مُسلِّمة أو مستسلمة لخطوات التوريث التي تتم تحت سمع وبصر الجميع.

 

 الصورة غير متاحة
وأحسب أنه كان على صواب في أن جماعة الإخوان تعاني من المطاردة والملاحقة والسجن والاحتجاز والاعتقال (وأضيف والمحاكمات العسكرية)، ومع ذلك فللجماعة حضورها في واقع الحياة السياسية، ولمرشدها وقيادتها مواقفهم ورؤيتهم الواضحة في كل القضايا، ومنها قضية التوريث.

 

أما أن أجندة عمل الإخوان مهتمة بحياة ومستقبل الجماعة أكثر كثيرًا من حياة ومستقبل مصر؛ فهذا ما لا نوافق الأستاذ إبراهيم عيسى عليه، وربما يدعونا ذلك إلى أنه بحاجة إلى سبر أغوار دعوة الإخوان أكثر من ذلك؛ ليتبين له أن الإخوان يحملون همَّ وطنهم مصر ويعملون لغيرهم أكثر مما يعملون لأنفسهم، ويتحملون الأذى في سبيل ذلك، ولا يزالون يدعون للإصلاح ومحاربة الفساد، ورفع الظلم عن الأمة في كل المجالات والمنتديات وقاعة مجلس الشعب، وكل ما يتاح لهم من وسائل الإعلام، على قلتها.

هذا وبالله التوفيق..