ودَّعنا بالأمس رجلاً من رجالات دعوة الإخوان المسلمين، ونعاه إخوان مصر جميعًا، بل بكاه من عرف فضله وسمع عنه في كل البلاد العربية والإسلامية وغيرها.. هذا الرجل هو الأستاذ أحمد حسانين، طيَّب الله ثراه، وأجزل له المثوبة والأجر الجزيل.

 

وُلِدَ الأستاذ أحمد محمد أبو حسانين يوم 22/12/1919م في بلدة قليوب بمحافظة القليوبية، ومن عجبٍ أنه قد تُوفِّي إلى رحمة الله في نفس يوم وفي نفس شهر ولادته عن عمرٍ بلغ 88 عامًا قضاها كلها في طاعة الله- عزَّ وجل- وفي ركب نصرة دعوة الله التي حملها الإخوان المسلمون.

 

عاش مع دعوته وقيادته هذا العمر المديد في السراء والضراء، وفي العسر واليسر، وابْتُلِيَ ابتلاءً شديدًا، وعانى كما عانى إخوانه في السجون والمعتقلات، ومرَّ بصنوف التعذيب والاضطهاد والتشريد والتنكيل ما لا يمكن وصفه، وتعجز عنه المقالات والكتب والمصنفات.

 

نعم.. ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (الأحزاب:23)، ونحسب أن الأستاذ أحمد حسانين الذي ظل عضوًا بمكتب الإرشاد بالجماعة إلى أن لقي ربه بالأمس.. عاش مهمومًا بأمور الجماعة، عاكفًا على نصرتها، متفاعلاً مع ما يستجدُّ عليها من أحداثٍ وشئونٍ، مفكرًا دائمًا في تقوية الصف وشحذ الهمم وسد منافذ الشيطان بحيث لا يتسرَّب إلى النفوس ويُفسد القلوب، قريبًا من إخوانه الصغير منهم والكبير، الشاب منهم والشيخ.

 

أقول: أحسب أن الأستاذ أحمد حسانين تنطبق عليه هذه الآية الكريمة؛ فهو- رحمه الله- من الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه؛ إذ إنه ومنذ عرف الإمام البنا رحمه الله- وكان في العشرين من عمره، أي في عام 1940م- وهو ثابتٌ على دعوته، محبًّا لها، متفانيًا في خدمتها، متشبثًا ببيعته، محافظًا على عهده مع الله أولاً ثم مع دعوته ومرشده وقيادته.

 

وهو- رحمه الله- لم يبدل أو يغير، ولم يفرط أو يترخص، وما هادن الباطل ولا لانت له قناة، فلقد حكم عليه الطواغيت الطغاة بالإعدام شنقًا في عام 1954م، ثم خُفِّفَ الحكم إلى السجن المؤبد، وقضى 20 عامًا كاملةً، وتعرَّض لمحنة "التأييد"- أي تأييد الحاكم مع ظلمه وبطشه-، ومع ذلك كله ظلَّ ثابتًا على عهده، شامخًا بدعوته، وما بدل تبديلاً: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران:146).

 

ولا أتكلم عن أستاذنا- رحمه الله- من فراغٍ، وإنما نتيجة المعايشة والاقتراب اللصيق من شخصه الكريم في السجون قرابة 8 سنوات في سجن قنا وفي مزرعة طرة- أي من عام 1968 حتى عام 1975م-، ثم كنت على صلةٍ به متينةٍ على مدى سنواتٍ طويلةٍ تلميذًا له، متأسيًا به، آخذًا بنصائحه وتوجيهاته في الأمور العامة والخاصة.

 

فقد كان- رحمه الله- سهلاً، سمحًا، رفيقًا بإخوانه، عطوفًا عليهم، رحيمًا بهم، جمَّ الأدب، وافرَ العطف، عظيمَ التواضع، يتعامل مع كل أخٍ من إخوانه وكأنه الوحيد الأثير لديه؛ حيث يعطيه كل الاهتمام وكل الرعاية، ويسأل عن أدق أموره وتفصيلات شئونه، ويخرج الأخ من جولته معه هذه بمعانٍ كثيرةٍ، وراحةٍ نفسيةٍ عظيمةٍ، ودروسٍ رائعةٍ.

 

كان- رحمه الله- قليلَ الكلام، كثير الصمت، لا يعتلي المنابر، ولا يُكثِر من الخطب والمقالات، ولم يكن وجهًا إعلاميًّا يُطلُّ به على الفضائيات ووسائل الإعلام المختلفة، رغم أنه كان شخصيةً آسرةً، يُؤثِّر في غيره، ذا "كاريزما" بارزةٍ، وطلعةٍ مَهيبةٍ، وبسمةٍ باديةٍ على محياه الجميل البهي، يلزم كل مَن يراه أو يتعامل معه أو يلتقيَ به على احترامه وحبه وتقديره، ومن ثَمَّ الاستماع إليه، وتفهم ما يريده وما يسديه من نصائح وتوجيهاتٍ نافعةٍ ومفيدةٍ بإذن الله.

 

لذلك لا نعجب إذا قلنا إنه- رحمه الله- قد انشغل بصورةٍ واضحةٍ وظاهرةٍ ببناء صرح هذه الجماعة الشامخ، وصقل وتحسين وتربية الفرد المسلم- وهو المُكوِّن الأساسي لهذا البناء- وانصرف إلى ذلك بكل كيانه وطاقاته وما حباه الله من مَلَكاتٍ وخبراتٍ في هذا المجال، وكان رائده في ذلك كله إشاعة روح الحب والمودة بين الإخوان، وغرس قيم الإسلام، وحب هذا الدين، وفداءه بالغالي والنفيس، وتعميق قيمة الولاء والطاعة المبصرة للجماعة وقيادتها ومنهجها وبرامجها بوسائلها المتعددة والمتنوعة والمبتكرة دائمًا وفق ما يناسب العصر، وبما لا يتصادم مع الأصول العامة للإسلام، والتي أخذت بها الجماعة.

 

 

 فضيلة المرشد العام يؤم المصلين في صلاة الجنازة

ولا شك أننا بموت الأستاذ أحمد حسانين قد افتقدنا هذه النوعية العظيمة التي تهتم بهذه الجوانب البنائية، والثوابت الراسخة، ونحسب أن الله- عزَّ وجل- سوف يعوضنا خيرًا، وسيبرز من الصف مَن يحمل هذه الأمانة: أمانة الاهتمام بالجذور الإيمانية العميقة، وتعميق العبودية المطلقة والربانية الحانية في نفوس الناشئة، بل مع كل مستويات الجماعة.

 

إذًا الأستاذ أحمد حسانين كان يحق أن نطلق عليه ما جاء في القول المأثور: "حال رجل في ألف رجل خير من كلام ألف رجل في رجل واحد"، وأنه بذلك قد انصرف إلى بناء الرجال، وإزكاء النفوس، وتعمير القلوب بالدعوة حبًّا وولاءً، ووفاءً وأداءً، وحركةً وجهادًا، وصبرًا ومثابرةً وثباتًا على المبدأ.

 

ومع ذلك لم يكن بعيدًا عن مجريات الحياة العامة والأحداث الجارية والمستجدة، بل كان يعيشها ويتفاعل معها، وله بصماته الواضحة وآثاره البارزة على قرارات الجماعة وبياناتها في كل هذه الأحداث والمواقف؛ إذ كان قريبًا من صنع القرار واتخاذ المواقف؛ حيث عُرِفَ عنه- رحمه الله- الحكمة وبُعد النظر، وعمق الفهم لما يُعرض أمامه من قضايا وأمور، ولعمري أنه يذكرني في هذه الناحية بقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في امتداحه لقبيلةٍ من قبائل العرب: "إن فيكم خصلتان يحبهما الله ورسوله: الحلم، والأناة"، ومن عَرَفَ الأستاذ أحمد حسانين يُدرك أنه كان يتحلى بالحلم والأناة.

 

رحم الله الأستاذ أحمد حسانين، وأنزله منازل الأبرار، وألحقه بالنبيين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا و﴿إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: من الآية 156).