محمد عبد الله السمَّان، أحد أعلام الدعوة الإسلامية في القرن العشرين، وأحد مرافقي الإمام الشهيد "حسن البنا"، وأحد أشهر الكتَّاب الإسلاميين قاطبةً.

 

ولد السمان بمصر في 27/7/1917م، بقرية "الحِمَا" مركز "طِمَا" محافظة سوهاج، عُرف عنه الذكاء الشديد؛ مما أهَّله ليحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، ويُلمُّ بالأحاديث النبوية الشريفة، التحق بكلية اللغة العربية وحصل على شهادة الليسانس، كان من الذين رافقوا الإمام الشهيد حسن البنا وأحد المقرَّبين إليه، فقد كان يعدُّه الإمام الشهيد المسئول عن شعبة الإخوان في سوهاج، ذكر في كتابه "أيام مع الإمام الشهيد حسن البنا" (دار الفضيلة المصرية 2002) أسرارًا عديدةً وحواراتٍ جرت بينه وبين الإمام الشهيد، ويُفصح عن سرٍّ لا يعلمه إلا القليل، وهو أنه كان سببًا في نجاة الإمام الشهيد من محاولة اغتيال!

 

عمل السمان محرِّرًا بمجلة "الرسالة"، لصاحبها "أحمد حسن الزيات" في الفترة من 1950- 1953، وبعد أن أُغلقت الرسالة صدر منها الإصدار الثاني في الستينيات، فعمل في الفترة من (1963- 1965)، وكانت مقالاته قويةً ومؤثرةً ومليئةً بالثورة، والمجاهرة بالحق، كما شارك في تحرير كبرى المجلات الإسلامية (الأزهر- الاعتصام- المجتمع الكويتية).

 

أثار كتابه (الإسلام حائر بين أهله) عاصفةً فكريةً (أيام الملك فاروق) لوضعه أُسُسًا ومفاهيمَ لعودة الخلافة والحكم الإسلامي، فظل يتردَّد على المحاكم ثلاث عشرة جلسة إلى أن حكم القاضي بالبراءة!!.

 

وظل السمان لعدة سنوات يكتب حلقات برنامج "أبواب السماء"، الذي كان يُبَث عبر إذاعة "الشرق الأوسط"، كان لا بد لمثل السمان أن يتعرَّض للابتلاء، فاعتقله نظام "جمال عبد الناصر" ضمن حملته المنكرة على جماعة الإخوان في مصر، فقضى السمَّان أصعب ست سنوات في حياته (1965- 1970).

 

يحكي لي- عليه رحمات الله- مندِّدًا بالديكتاتور "عبد الناصر": "استدعتني إدارة السجن ذات مرة، وهناك قال لي أحد الضباط: أبشر.. الريس مبسوط منكم! فاستبشرت خيرًا! وبعدها وجدت الضابط يُخرج قلمه ويكتب على ملفِّي: محمد عبد الله السمان يُفرج عنه في العام 1990م!!!".

 

ويشرح لي الأستاذ السمان شعوره بالإحباط والضيق نتيجة سماعه لهذا الكلام، فقد كانوا يعلمون مدى تأثير السمان في زملائه المعتقلين، وأنه بإحباط هذا الرجل سيُحبط الجميع! ويضحك- رحمه الله- ويُردِفُ: "ولكنَّ اللهَ لا يغفل ولا ينام، وما هي إلا أشهر حتى فوجئنا بهلاك الطاغية والإفراج عنا!".

 

ويحكي أنهم عندما علموا بوفاة الطاغية عبد الناصر، ظل الجميع في السجن الحربي يهتفون: الله أكبر ولله الحمد.. الله أكبر ولله الحمد! فقام المستشار مأمون الهضيبي- رحمه الله- معترضًا: لا شماتة في الموت!! والحق أن من دخل معتقلات عبد الناصر على استعداد أن يفعل أي شيء لا أن يشمت في الموت وحسب!!.

 

وفي المعتقل وجد السمان صديقَه الأثير الشيخ عبد الحميد كشك، وتوطَّدت علاقتُهما، ورغم تلك الصداقة، إلا أن الشيخ كشك لم يجد حرجًا في مهاجمة السمان من فوق المنبر بشدَّة؛ لأنه كتب في مجلة "روز اليوسف"- المعروفة بعدائها للإسلام- مقالاً ينتقد فيه الشيخ "عبد الحليم محمود" شيخ الأزهر آنذاك- ذلك أن السمَّان كان يبغض الصوفية ويحمل على خزعبلاتهم وأفكارهم الواهية (يُراجع كتابه: "تأثيم الذمة في تضليل الأمة: رد على الطريقة البرهامية")، وكان شيخ الأزهر معروف عنه النزعة الصوفية، لكنَّ السمان اعتبر أن شيخ الأزهر انضمَّ للدراويش، واعترض السمان على الشيخ وكتب محتدًّا مقاله الشهير "إسلام لا دروشة"، وبعد أن رفضت مجلة "الاعتصام"- كبرى المجلات الإسلامية في العالم العربي آنذاك- نشْر المقال، ما كان من السمان إلا أن نشر المقال في مجلة "روز اليوسف" الشيوعية، وهلَّل الشيوعيون لانضمام رجل بثقل السمان إلى "روز اليوسف"، واعتبروه نصرًا كبيرًا وفتحًا مبينًا!!.

 

ولكن السمَّان عاشق الإسلام الذي يرفض المتاجرة بدينه أو إعطاء فرصة للخصوم للشماتة، انسحب سريعًا، وعاد لـ"الاعتصام" ليكتب فيها، حتى أُغلقت بالضبة والمفتاح في العام 1991م، بعد رحيل مؤسسها الحاج "أحمد عيسى عاشور" رحمه الله.

 

كتابة السمان في "روز اليوسف" جعلته محور خطبة للشيخ كشك، حمل فيها الشيخ على السمان، وأعرب عن صدمته مما فعله السمان! ولكن سريعًا ما عادت الأمور لما كانت عليه، ولما تُوفِّي الشيخ كشك في العام 1996م قام السمَّان بإعداد كتاب عن الشيخ بعنوان: "الشيخ كشك.. قيثارة الدعوة إلى الله"، وظل السمان بطلاً شامخًا يُغير على أعداء الإسلام، ويفضحهم ويُشهِّر بأخلاقياتهم المتدنية، ويتناول أمور الإسلام، ويكتب عن محنة الأقليات المسلمة في دول العالم غير الإسلامي.

 

وفي أواخر السبعينيات شنَّ السمَّان هجومًا عنيفًا- باسمه المستعار "أبو ذر" الذي كان يكتب به في مجلة "الاعتصام"- على الدكتور مصطفى محمود، ذلك أن بعض آراء الدكتور محمود كانت تخالف السمَّان حول مسألة الشريعة الإسلامية، والموقف من الثورة الإيرانية، ودعا الدكتور مصطفى الأستاذ السمَّان للقائه في بيته فرفض! فعرض عليه أن يأتي المجلة ليتناقش معه فرفض! ودعاه أن يردَّ لا أن يلتقي به، كان قاطعًا كالسيف، لا يخشى في الله لومة لائم، أسماء كُتبه تنضح بالثورة على الظلم والانتصار للإسلام:

- الإسلام والأمن الدولي.

- الإسلام حائر بين أهله.

- أين نحن من الإسلام؟

- الذين طغوا في البلاد (هناك طبعة ثانية كان يعكف عليها قبل رحيله- رحمه الله- وأخبرني أنه سيضع القذافي في أول فصل من الكتاب؛ لأنه سقط من ذاكرته في الطبعة الأولى التي صدرت في العام 1993م عن دار الفضيلة).

 

- الأمة المسلمة تحت الصفر.

- صدام حسين.. هولاكو القرن العشرين.

- المتطاولون الصغار على شريعة الإسلام.

- المؤامرة على الإسلام في الجزائر.

- محنة الأقليات المسلمة.

وغيرها من عشرات الكتب المليئة بالعلم والفكر الراقي.

 

هناك جانبٌ لا يعلمه الكثير من الناس عن السمَّان، وهو أنه كان كاتبًا للرواية! فبرغم فكره وتخصصه في الإسلاميات إلا أنه كان روائيًّا من الطراز الأول، ولو استمر- رحمه الله- في كتابة الرواية لكان هو نجيب محفوظ الإخوان المسلمين!!.

 

أخبرني- رحمه الله- أنه كتب ثلاث عشرة رواية، ما خرج منها للنور إلا واحدة فقط، وهي رائعته: "الشهيدة" التي كتبها في المعتقل، وأسقط الأحداث كلها على تركيا وأتاتورك بدلاً من مصر وعبد الناصر؛ وذلك خوفًا من الإعدام إن وجدت كهذه رواية في المعتقل.

 

تدور فكرة الرواية حول فتاة أحبَّت شابًّا وأحبها.. الفتاة من أسرة تعمل بالقلم السياسي "البوليس الحربي"، والشاب بسيط، ويُعارض الأهل فكرة الارتباط وتتمسَّك الفتاة بالشاب بعد أن تُضرِب عن الطعام والشراب، وبالفعل تتزوجه، ويعيش "شوكت" بطل الرواية و"رويدة" بطلة الرواية في آمان، وتحمل "رويدة" من "شوكت"، حتى تعلم بأن زوجها من جماعة إسلامية مناهضة لأتاتورك، وتبدأ رحلة المعاناة، ويتم القبض على زوجها وإيداعه في المعتقل، وتتعرض "رويدة" لابتزاز رهيب من البوليس الذي يُساومها على شرفها، وأن تقضي عدة سهرات مع الضباط للإفراج عن زوجها "شوكت"، وتأبى عليها أخلاقها فعل ذلك.

 

وتضع مولودها، ويتنكَّر لها أهلها حتى لا يتعرَّضوا هم أيضًا للاعتقال، وبين يأسها وقلة حيلتها تُقرر الانتحار، فتضع طفلها فوق الفراش وتُقبِّله وتترك مظروفًا لجارتها تخبرها فيه بأنها ستنتحر، وأنها ذاهبةٌ إلى ترعة "القرن الذهبي" لتُلقِيَ بنفسها في المياه الجارية، تسير وتمر بها الذكريات وبعد أن تصل للترعة تتذكَّر طفلها، وزوجها الذي قد يخرج في يوم ما! فتعدِل عن قرار انتحارها، وتسرع في مشيها لتذهب إلى البيت فتأتي سيارة مسرعة وتقضي عليها في الحال، وتُحسَب عند الله شهيدةً لا منتحرة.

 

الرواية باكية ومؤثِّرة وتراجيدية إلى أقصى حدٍّ، ولا يتمالك مطالعُها نفسَه من البكاء، وقد أجاد السمان بحرفيةٍ عاليةٍ دمج الفن والسياسة والأدب والدين في عمل واحد، واستوحى السمان فكرة الرواية من شابٍّ كان معه في المعتقل، وسبق له أن اعتُقِل في عام 1954م، فتأثَّر السمان، وما كان منه إلا أن أخرج هذا العمل الأدبي الفريد الرائع، الذي نقلته للنور زوجة الأستاذ السمان- رحمها الله- حينما كانت في زيارة له، وبعد أن قرأتها ارتعدت فرائصها، وتفكَّكت أوصالها وباتت في حيرة وقلق حتى أُفرج عن السمان، وكان عتابها له، وأخبرته أنها لو كانت تعلم مضمون هذا الورق لما حملته ألبتة، فقد كان "شعراوي جمعة" وزير الداخلية يضع منزل السمان تحت المراقبة والتفتيش في أي وقت.

 

رحلت السيدة الفاضلة زوجة السمان في7/3/1983م، تاركةً له ثلاث بنات، علَّمهن السمان وربَّاهن على الإسلام، وزوَّجهن وجعل من نفسه لهن أبًا وأمًّا.

 

يحكي لي- رحمه الله- عن لقائه باللواء "محمد نجيب"- رحمه الله- أول رئيس للجمهورية المصرية، وكم كان رجلاً خلوقًا ومهذبًا ومتواضعًا للغاية، كما كان السمان قريبًا من الشهيد "عبد القادر عودة" والشهيد "سيد قطب"، وكانوا يجتمعون في منزل السمَّان تارةً، وأخرى في منزل عودة، وثالثةً في منزل قطب.

 

كان يشكو لي- رحمه الله- من تصاعد حركة التنصير في مصر، وأن الكنيسة تعمل بطريقة مثيرة للريبة، وأنه بصدد الرد على كتاب أرسله له مجهول من 600 صفحة به ألف وخمسمائة افتراء على الإسلام.

 

كان يقول لي: من يسمح بتوزيع مثل هذه الكتب؟! وهل المادة الثانية في الدستور المصري تقول المسيحية المصدر الرئيسي للتشريع؟! كنت أخبره بأن مثل هذه الكتب مردود عليها، وأننا على الإنترنت قد قصمنا ظهور مثل هذه الترَّهات وأصحابها، فيحتدُّ في الكلام:

يا بني أنا معنديش النت اللي بتقول عليه! وليه حاجة زي كده تتوزع؟! وأشعر به في قمة الضيق وسعاله يزداد فأُحوِّل مجرى الحديث حتى لا تعتلَّ صحته.. كان في الآونة الأخيرة يكتب في صحف "اللواء الإسلامي"، و"آفاق عربية"- قبل غلقها في العام 2006م- وصحيفة "الخليج" البحرينية.

 

منذ مدة رأيته في برنامج "الجريمة السياسية" على فضائية "الجزيرة" يتحدث عن اغتيال الشهيد "حسن البنا"، وودت لو اخترقت شاشة التلفاز واحتضنته، كانت عيناه شبه مغلقتين من شدة ضوء الكاميرا المُسلَّط عليهما، نظارته السميكة ما زالت تُزين وجهه البريء الجميل.. شعره الذي اشتعل بياضًا وشيبًا، صوته المحبب إليَّ الذي كنت أستمع له، وأستمتع به لدقائق عديدة كل أسبوع، تعجَّبت: كيف استطاعت "الجزيرة" أن تصل إليه؟! بل كيف وافق هو على الظهور.. فقد أتته دعواتٌ كثيرةٌ من فضائيات عديدة وإغراءات كثيرة، ولكنه لا يُحب الظهور مطلقًا، كان يغلق عليه بابه فلا يُجاوزه همه، كما يقول الخليل بن أحمد.

 

كان يُشدد في كل اتصال معي أن حادثة "المنشية" بالإسكندرية ادَّعى عبد الناصر أن الإخوان دبَّروها لاغتياله، التي من أجلها اعتقل عبد الناصر الإخوان وخرَّب مصر، هي أكبر مسرحية ساقطة في التاريخ، وأنه هو الذي لفَّقها وأن "محمود عبد اللطيف"- المتهم بالحادث- ليس له أي ذنب فيها، وكان يُحلِّل ويشرح ثغرات تلك المسرحية التي أداها جمال عبد الناصر ببراعة في العام 1954م.

 

تُوفِّيَ الأستاذ السمان في 26/11/2007م، عن عمر ناهز التسعين عامًا، تاركًا خلفه القيم والأخلاق والمبادئ وحب الإسلام والدفاع عنه.

 

أستاذنا السمان.. لقد رحلت عنا بجسدك، ولكنك باقٍ بروحك الطاهرة، وفكرك النقي ومبادئك الشريفة.

 

أستاذنا السمان.. لم أحزن مطلقًا لعدم إشارة وسائل الإعلام الرقيعة الهشَّة لوفاتك، فهذا شرفٌ لك؛ لأن وسائل الإعلام في ديار العروبة والإسلام باتت قاصرةً على الراقصات والعاهرات ولاعبي الكرة- وإن كانت كرة شراب- والطبالين والزمارين والأفاقين، والآكلين على جميع الموائد.

 

لم أحزن من تجاهل وسائل الإعلام لك؛ فقد عشت طاهرًا نقيًّا، ومت طاهرًا نقيًّا، لم تُلوث نفسك بأن تُذكر في وسائل إعلام تفرَّغت لمجموعة من الساقطات يحكين قصة كفاحهن المريرة، وكيف كن يرقصن بقطعة واحدة من القماش، وكيف تحوَّلن إلى الرقص بقطعتين، وكيف كان لاعب الكرة يركل الكرة بقدمه، وهو نائم فوق السرير، وعندما كبر أحب الكرة، وأصبح لاعبًا مشهورًا، وكيف كان المغنِّي يغني في الحمام، وبات يُغني في أشهر الفنادق و..، لا ألوم وسائل الإعلام، ولكني أردِّد مع أبي الطيب رحمه الله: "وكم ذا بمصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكاء".

 

أستاذي الحبيب.. نم قرير العين، ونسأل الله أن يُسكنك فسيح جناته، وأن يجمعنا وإياك في جنة الخُلد مع النبيين والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقًا.

--------------

[email protected]